مشروع الليطاني المنسوب 800 م: الواقع الحالي وسُبل الاستفادة من الأقسام المنجزة
يحتوي هذا الكتاب على وقائع ومخرجات ورشة العمل الموسّعة التي عُقدت في بيروت بتاريخ 21 أيلول 2023 تحت عنوان "مشروع الليطاني المنسوب 800م - الواقع الحالي وسُبل الاستفادة من الأقسام المنجزة"، وذلك بتنظيم من المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بالتعاون مع المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. يوثّق الكتاب سياق الورشة التي جاءت استكمالاً لمؤتمر العام 2018، مسلطاً الضوء على إمكانية استثمار الأقسام المنجزة من المرحلة الأولى للمشروع. كما يستعرض المعطيات الخاصة بالجدوى الزراعية والاقتصادية، وسبل معالجة العقبات كالتلوث، مقدماً شروحات مرجعية حول الإدارة الفنية للمشروع، وتأسيس جمعيات لمستخدمي المياه، ودور السلطات المحلية، ومسألة تصنيف الأراضي. ويتناول الكتاب كذلك الإشكاليات المتعلقة بالتكاليف التشغيلية، ونقص الكادر البشري، والقصور التشريعي، والسياسات الزراعية الحكومية، مختتماً بنص الوثيقة النهائية والتوصيات التي طرحها الخبراء والباحثون.
تقديم
عُقد في بيروت بتاريخ 21 أيلول 2023 ورشة عمل موسّعة تحت عنوان: "مشروع الليطاني المنسوب 800م - الواقع الحالي وسُبل الاستفادة من الأقسام المنجزة" وذلك بمبادرة من المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بالتعاون مع المصلحة الوطنية لنهر الليطاني.
تأتي هذه الورشة استكمالًا للمؤتمر الذي عقده المركز أواخر تشرين الثاني 2018 وانتهى المشاركون فيه من ذوي الاختصاصات العلمية والمواقع الإدارية المعنية الى إصدار وثيقة ختامية وتوصيات تضمّنت العناصر الأساسية للرؤية المطلوبة بشأن تأمين الاستفادة القصوى من مياه الليطاني في مختلف مراحل تنفيذ المشروع.
ما يميّز ورشة العمل هذه أنها تُعقد بعد أن أصبحت معظم أعمال المرحلة الأولى من المشروع ناجزة ومهيّأة للاستلام والتجهيز من قبل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ما من شأنه أن يعود بالفائدة على مناطق واسعة مشمولة بالمشروع ويمكن استثمارها وإن لم تكتمل مراحل المشروع كافة أو تأخّر تنفيذها لأسباب أهمّها توفير الأموال اللازمة لاستكمالها.
وهدفت ورشة العمل الى استكشاف معطيات إضافية تساعد على تقدّم المراحل المنجزة من المشروع ومراجعة الجدوى الزراعية- الاقتصادية وسُبل تجاوز ما أمكن من العقبات التي اعترضت المشروع ولا تزال بحاجة الى مزيد من الجهد لإزالتها مثل آفة التلوّث المزمنة.
كذلك قدّمت الورشة شروحات أساسية ومرجعية تطال مستلزمات إدارة المشروع من النواحي الإدارية والفنية وعلى مستوى تأسيس جمعيات لمستخدمي المياه ودور السلطات المحليّة في تحقيق الاستدامة في استهلاك المياه وحمايتها، وموضوع ترتيب الأراضي وتصنيفها وتداعيات وضعها قيد الدرس مطوّلًا.
وتناولت الورشة المسائل المتعلقة بإشكاليات التكاليف التشغيلية، والنقص الحاصل في عدد الموظفين في الدوائر المعنية بحماية النهر، فضلًا عن قصور التشريعات المعمول بها عن تأمين هذه الحماية. ولم يغب التساؤل عن كمية المياه الفعلية التي ستصل الى المواطنين سكانًا ومزارعين ومدى الحافزية الموجودة للعمل الزراعي في ظل تراخي السياسات الحكومية المرتبطة بالزراعة عامة.
وخلصت الورشة الى وثيقة ختامية تضمّنت أهمّ الخلاصات والوقائع والتوصيات مستفيدة مما طرحه المحاضرون والمشاركون من باحثين وخبراء ومختصين.
الجلسة الافتتاحية
كلمة رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق - د. عبد الحليم فضل الله
قبل خمسة أعوام من الآن، عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بالتعاون مع اتحادي بلديات جبل عامل وبنت جبيل مؤتمره الأول عن مشروع الليطاني بهدف تسليط الضوء على التحدّيات التي تواجه المرحلة الأولى منه ومناقشة السُبل الآيلة إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كمّيات المياه التي سيوفّرها في التنمية والنهوض بالاقتصاد ورفع مستوى الخدمات. وخلص المؤتمر إلى اقتراحات بشأن الخطوات المستقبليّة الضرورية لتعظيم منافعه وتعزيز جدواه.
وقد لاحظنا وقتها أنّ الأضرار التي لحقت بنهر الليطاني بعد أكثر من ستة عقود على إنشاء مصلحة الليطاني وإنشاء بحيرة القرعون ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه لولا الأزمة العميقة التي يمرّ بها نظامنا السياسي والاقتصادي، ولولا ترهّل الإدارة وتباطؤ عملها، ما يؤكّد على أن الإصلاح الشامل قضية حيويّة من قضايا البقاء والوجود لا يمكن إرجاؤها أو التغاضي عنها بأي حال. وقد وجد المشاركون في إتمام مشروع الليطاني بارقة أمل في مساعي الإصلاح والتنمية وصولًا إلى اقتصاد حقيقي ذي إنتاجيّة عالية.
وخلص المؤتمر إلى 75 توصية في مجالات الحوكمة والتشريعات والاقتصاد والزراعة والبيئة والإدارة المحليّة والبلديّات تهدف إلى صون ما أُنجز من أعمال من خلال استكمال الأقسام الباقية حتى لا تذهب الجهود والموارد المبذولة أدراج الرياح.
والآن وبعد مرور كل هذا الوقت الصعب قد يتساءل بعضهم عن جدوى المشاريع الكبرى في بلد يعاني من انهيار مالي وأزمة اقتصادية حادّة وتفكّك في أوصال الدولة ونزف في الطاقات البشرية وشلل في الخدمات العامّة، فيما يجب صرف الجهد وتركيز الاهتمام على سُبل التعافي والإنقاذ ومعالجة أوضاع القطاع المصرفي وحفظ حقوق المودعين وغلق الفجوة في ميزانية مصرف لبنان وحفظ استقرار العملة الوطنيّة.
لكنّ تغيّر الوقائع لا يغيّر الحقائق، فعمق الأزمة المالية والنقدية التي نمرّ بها اقتصادي، وأكثر ما يعبّر عن ذلك ضعف الاستثمار في البنى الإنتاجية والقطاعات الحيويّة، ما أفقد البلد الصلابة المطلوبة لمواجهة التحدّيات الداخلية المتمثلة في اضطراب المؤسسات والمخاطر الخارجية التي تعبّر عنها العقوبات وأشكال التضييق الخارجي. وفي دلالة على انكماش الاستثمار سنلاحظ خلوّ تقارير تقدّم الأعمال من إنجازات ملموسة منذ التسعينيات، وأن مجموع الإنفاق الاستثماري الحكومي، الذي لم يزد عن 7 بالمئة من مجموع إنفاق عام تجاوز 225 مليار د.أ في ثلاثة عقود، كان أقل من حاجات صيانة البنى التحتية فضلًا عن تطويرها، وقد أورثنا ذلك فجوة في الاستثمارات العامّة الأساسيّة، لا تُذكر عادة في سجّل الخسائر، تساوي قيمتها 25 مليار د.أ على الأقل.
ولم يأت ذلك عرضًا بل اتصل بسياسات مقصودة تعمّدت تهميش الإنتاج السلعي لمصلحة تصوّر رأى في لبنان موطنًا إقليميًّا للمال والسياحة والترفيه والوساطة ومركزًا للفروع الإقليمية للشركات الكبرى في سوليدير وغيرها. وبدلًا من تحقيق هذا التصوّر حصلنا على ديون عامّة وخاصّة تزيد على ثلاثة أضعاف الناتج المحلّي، وعجز تجاري متراكم يساوي 220 مليار د.أ وثالث أعلى عجز في الحساب الجاري نسبة إلى حجم الاقتصاد يساوي تراكميًّا 150 مليار د.أ.
وبقدر ما كان التقشّف في الاستثمار أحد معالم الأزمة وأسبابها فإن امتلاك برنامج واضح له هو أحد محاور الخروج منها، وبذلك يُربط الإنقاذ المالي والنقدي بقاطرة النهوض الاقتصادي، ويُعاد بناء الاقتصاد على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار دروس العقود الماضية والتحوّلات في المنطقة والعالم ونظرة الدول إلى نفسها وعلاقاتها. ولنلتفت أيضًا إلى أنّ سياسات التبعية للخارج التي اعتقدنا أنها مصدر الازدهار قبل الحرب وطوق النجاة من السقوط ما بعدها أثبتت فشلها وأوصلتنا إلى الهاوية وتحرمنا اليوم من فرص الانخراط في المشاريع الإقليمية والدوليّة وتضعنا في موقع المراقب بل في الطرف الخاسر منها.
ولا يخلو من دلالة عطفًا على ذلك أنّ المشاريع الاقتصادية التي ترتبط بوقائع جيو-اقتصاديّة صلبة تمضي قُدمًا بوتيرة ما، كمشروع الليطاني الذي أتى من رحم التحرير والتنقيب عن النفط في المياه اللبنانية الذي لم يكن ليبدأ لولا تحدّي المقاومة للمعادلات والصيغ المفروضة، في حين تتعثّر المشاريع الأخرى التي تنتمي إلى سياسات التبعية أو النأي بالنفس، والأمثلة على ذلك عديدة في قطاعات حيويةّ كالطاقة والاتصالات الواقعة تحت طائلة فيتو أميركي صريح (خط الغاز المصري والشبك الكهربائي وكابل الإنترنت البحري...).
انطلاقًا مما تقدّم تأتي هذه الورشة الموسّعة للتعامل مع إشكاليّة الاستفادة من مشروع الليطاني بعد استكمال بعض أقسامه وتوقّف التمويل عن الأخرى. علمًا أن من شأن إنجاز مرحلتي المشروع الأولى والثانية بالأقسام الثابتة والاختياريّة كافّة أن يزيد المساحات المرويّة بحوالي 20 بالمئة على الأقل، ويوصل المياه بالجاذبيّة إلى 87 بالمئة من المساحات المشمولة بالمشروع (13231 هكتارًا) على نحو يتخطى أزمة الكهرباء، وينمّي القطاع الزراعي بنسبة لا تقل عن 28 بالمئة، ويمنح آلاف المزارعين دخلًا يزيد على ضعف متوسط الدخل الزراعي (8 آلاف د.أ سنويًا لـ 16 ألف مزارع دائم وموسمي حسب تقديرات ما قبل الأزمة).
والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا المجال، ونطمح إلى أن تساهم الورشة في الإجابة عنها، تتمحور حول سُبل تحقيق الاستفادة القصوى مما أُنجز من أعمال حتى الآن، بعد إتمام كامل أشغال قسم مشغرة-قليا واستلامه من قبل مصلحة الليطاني، و96 بالمئة من أعمال قسم قليا-الطيبة (فيما أنجز 59 بالمئة فقط من قسم الطيبة-شقرا و24 بالمئة من قسم شقرا-بنت جبيل ومن شقرا حتى يارين). وإذا كانت الأولويّة كما يوصي استشاري المشروع هي لإنجاز المراحل المتبقية حتى الطيبة واستلامها من قبل المصلحة، وتأجيل الأقسام الباقية إلى حين توفير التمويل اللازم، وكيف يمكن إيصال المياه إلى الأراضي والمستفيدين في القرى والبلدات المشمولة بالمشروع؟ وما دور البلديات في ذلك؟ أم أنّ علينا انتظار إنشاء مئات الكيلومترات من الشبكات الفرعيّة المؤجلة إلى المرحلة الثانية؟ وكيف يمكن توفير الأموال اللازمة للجزء الثالث (60 مليون د.أ للأشغال و11 مليونًا للاستملاكات) بعد توقف التمويل بسبب امتناع الدولة عن دفع مستحقاتها؟
إن حضور المعنيين وأصحاب المصلحة في هذه الندوة الموسّعة فرصة للبحث المفصّل في سُبل تشغيل الأقسام الجاهزة للاستثمار بأسرع وقت ممكن، ولاسيما أن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، شريكنا في التنظيم، أبلغت رسميًّا عن استعدادها التام لتشغيل الأقسام المنفّذة من المشروع. وهي فرصة أيضًا للاطلاع الموثّق على تقدّم العمل في الناقل الرئيسي والأنفاق وخطوط الجر ومضخّات الضخّ والتكرير، وأين أصبحت دراسات المرحلة الثانية المقدّرة كلفتها في مشاريع سيدر بحوالي 350 مليون د.أ، وما هي الخيارات الممكنة مع التأخر المرجّح لهذه المرحلة التي تشمل أعمالًا مهمّة من بينها: إيصال مياه الري من الخزانات الرئيسيّة إلى الخزانات الثانوية وإنجاز حوالي 600 كلم من شبكات التوزيع في القطاعات الزراعيّة، و350 كلم من الطرقات الزراعيّة. فضلًا عمّا تتضمّنه هذه المرحلة من برامج لتدريب المزارعين وتقديم الإرشاد لهم وإنشاء مزارع نموذجيّة، وإعداد مسح شامل للأراضي، وقاعدة بيانات المعلومات الجغرافيّة GIS، ودراسة طبيعة الأراضي والزراعات المناسبة لها تمهيدًا لتصنيفها وتقدير الحاجات وملفّات الاستملاك.
ولا يمكن أن نغفل خلال المناقشات الظروف الماليّة الصعبة التي تقيّد قدرة البلديات على تحمّل عبء المراحل المتبقية، وأنّ من متطلبات استدامة المشروع تحقيق التوازن المالي من خلال تسعير عادل وكفوء للمياه (كانت المصلحة تجبي رسمًا للمتر المكعّب الواحد من المياه يساوي ثلث كلفته قبل الأزمة). كمّا أنّ تعظيم الجدوى الاقتصاديّة للمشروع، الذي قُدّر عائده المالي سابقًا بـ 7.9 بالمئة سنويًا وعائده الداخلي الاقتصادي بـ 12.4 بالمئة، يحتاج إلى التغلّب على المعوّقات المحيطة بذلك كتجزئة الحيازات الزراعيّة (67 بالمئة من الأراضي المشمولة بالمشروع تقلّ عن هكتار واحد) وتحفيز المالكين على استخدام أراضيهم في الزراعة، وتحقيق التكامل المطلوب بين المؤسّسات المعنيّة، وكلنا أمل في أن تساهم الورشة بمداخلاتها ونقاشاتها في رسم خارطة طريق لتفعيل منافع المشروع بأسرع وقت ممكن، وفي مسار معزول قدر الإمكان عن ضغوط الأزمة وتداعياتها. كما لا يفوتنا في الختام أن نتوجّه سلفًا بالشكر الجزيل للمحاضرين والمشاركين، ولا سيّما منهم جمعية العمل البلدي التي أطلقت هذه المبادرة وساهمت في الخطوات التحضيريّة كافّة.
كلمة مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني - د. سامي علوية
نلتقي اليوم الموافق للواحد والعشرين من شهر أيلول للحديث عن مشروع الليطاني مع الشركاء أنفسهم ولا يعني كوننا في بداية فصل الخريف أننا في خريف هذا المشروع لا بل نحن في ربيعه. والحقيقة أننا نلتقي اليوم لكي نستعيد كيف بدأ المشروع وكيف سيستمر في المستقبل المشروع وما هي دلالاته؟
ليس صحيحًا أن الإنجاز الأساسي اليوم هو موضوع النفط والغاز والترسيم فقط، ففي العام 1943 أنشأت الوكالة اليهودية بمساعدة الصندوق القومي اليهودي مكتب الأبحاث المائية بالتعاون مع كل من مختبر الدراسات المائية في الجامعة العبرية في القدس والمعهد الفني العبري في حيفا وقاموا بوضع كافة مخططات المشاريع المائية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، وبعد ذلك قسّم مكتب الأبحاث المشروع إلى عدة وحدات، إحداها وحدة نهر الليطاني.
وبعد استقلال لبنان أُطلق مشروع الليطاني وكانت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني عبارة عن مجلس يتألف من مدير عام الماليّة ومدير عام الاقتصاد وما يُسمّى بمجلس المشاريع الكبرى.
وفي عام 1955 برزت جبهة داخلية معارضة لمنع تمويل مشروع الليطاني فشكّل وزير المالية آنذاك جميل شهاب جبهة معارضة من كل وزراء المالية السابقين لمنع تمويل مشروع الليطاني من البنك الدولي للإنشاء والتعمير الذي كان يحمل اسمًا آخر في ذلك التاريخ، وتكوّنت هذه الجبهة من حميد فرنجية وعبد الله اليافي وآخرين.
وبدأت مع الإمام السيد موسى الصدر (أعاده الله) المطالبة بإنجاز المشروع وعدم تحويله إلى مناطق أخرى. وفي 23 آذار 1977 أطلق السيد موسى الصدر نداءه الشهير "مياه الليطاني هي مياه الجنوب"، بمعنى أنه كان هناك مخطط لتحويل مياه الليطاني عن منطقتي الجنوب والبقاع إلى مناطق أخرى وتحويل أجزاء كبيرة من مياه الليطاني لما يسمّى استخدام الغايات الصناعية. وهكذا بدأت رحلة النضال من أجل استكمال وتنفيذ مشروع الليطاني. ثم غاب الإمام الصدر وجاء الأستاذ نبيه بري الذي قاد المعركة من أجل استكمال وتنفيذ المشروع. بعد ذلك أُستكمل المشروع شيئًا فشيئًا وصولًا إلى المرحلة الأخيرة المتعلقة بمشروع المنسوب 800 حيث دار نقاش حول جدوى هذا المشروع وجديته ومدى الحاجة إلى تمويل المشروع في ظل دولة قامت آنذاك على اقتصاد الخدمات وأن لا داعي لدعم الزراعة لأن استيراد المنتجات الزراعية أرخص، ولكن كان المشروع قد بُدئ بتنفيذه.
في 26 أيلول عام 2020 وبتوجيهٍ من دولة الرئيس نبيه بري أعلنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني إطلاق اسم صاحب السمو الشيخ صُباح أحمد جابر الصُباح على منشآت مشروع ري الجنوب على منسوب 800 م، ومن هنا نوجّه التحية لروحه ولدولة الكويت التي ساهمت في تمويل هذا المشروع، وهو ليس مشروع منطقة وليس مشروع طائفة وإنما هو مشروع لكل ويندرج ضمن المبادرات الاقتصاديّة التي يمكن أن تبني دولة المؤسسات في لبنان.
لماذا نحن موجودون هنا اليوم؟ لأننا وصلنا إلى مرحلة من مراحل التنفيذ الأخيرة لهذا المشروع وهي مرحلة تشمل بناء معمل صغير لتوليد الطاقة الكهرومائية وجارٍ العمل على استكمال أجزاء من المرحلة التالية والتي هي الجزء الثاني من المشروع.
والسؤال هنا: هل سننتظر سنوات وسنوات لتأمين تمويل المرحلة الثانية من المشروع وإنجاز الشبكات الفرعية؟ وفي حال عدم تأمين التمويل، أو تأخّر التمويل، هل سننتظر حتى تُتلف المنشآت على غرار كل المشاريع الكبرى بحيث لا تُستثمر ولا تستلمها المؤسّسات المعنية بالتشغيل؟ لذلك من الأجدى أن نفكر في الطريقة التي يمكن أن نحمي بها المشروع ونحمي التمويل، ثم نتساءل كيف يمكن أن نقوم بتأمين استلام مرحلي لهذا المشروع وتشغيله شيئًا فشيئًا.
وفي هذا الوقت استجدّت بخصوص المشروع تعديلات تشريعية كثيرة، أهمّها صدور قانون المياه في تشرين الأول عام2020 والذي نصت المادة 55 فيه على ما يُسمّى بالتعاون مع جهات القطاع العام.
ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنه بعد استطلاع رأي هيئة التشريع والاستشارات يسمح هذا الرأي الصادر في 26 أيار 2021 بأن نستحصل بجهود زملائنا والشركاء في مؤسّسات المياه على رأي حول قانونية تسليم بعض البلديات أو البلديات عامة مهام صيانة شبكات المياه ولتشغيل أجزاء من مشاريع المياه، وجباية اشتراكات لصالح مؤسّسات المياه وصيانتها بما يسمح باستيفاء هذه البلديات بدلات محدّدة مقابل المياه التي ستصل من مشروع الليطاني.
بعد ذلك استجدّت تشريعات أخرى لأن كل الجهات المانحة كانت تسأل عن دور المستفيدين من المياه الذين أصبحوا ينتظمون فيما يُسمّى جمعيات مستخدمي المياه، وما هو دور هذه الجمعيات؟ لتُعطف هذه الفكرة على فكرة دور البلديات لكي يصبح بإمكاننا أن ندير مشاريع الري الآن بواسطة البلديات وبواسطة جمعيات مستخدمي المياه.
ثم حدثت مستجدات أخرى على وقع الأزمة المالية وأن الجنوب اللبناني بدأ يعاني من مشكلة شح مياه الشفة بسبب مشكلة كلفة ما يُسمّى بالضخّ وارتفاع أسعار المحروقات ولهيب أسعار مؤسّسة كهرباء لبنان وندرة الطاقة على خطوط تلك شبكات المؤسّسة.
السؤال الأول الذي نطرحه يتعلّق بكيفية الاستفادة من هذا المشروع في تعزيز قدرات مؤسّسة مياه لبنان الجنوبي من خلال محطة الطيبة أو ما سيستجدّ من منشآت بمحيطها من أجل تعزيز قدراتها وإيصال مياه الشّفة؟
إذن نحن أتينا اليوم لكي نتشارك مع المعنيين المباشرين النظر في الآليات المثلى لوضع ميزان مائي خاص حقيقي وواقعي لمياه الليطاني ونعجّل في إصدار المرسوم المتعلق بتوزيع مياه نهر الليطاني؟ وهل أن مياه نهر الليطاني ستذهب إلى بيروت أو باتجاه الجنوب أو باتجاه البقاع، وما هي حصة كل منطقة وما هي حصة كل قطاع؟ وماذا عن الري؟ وعن مياه الشّفة؟ وعن توليد الطاقة الكهرومائية؟ ونحن من هنا نعلن التزامنا بتأمين حاجات مياه الشّفة للشركاء في مؤسّسة مياه لبنان الجنوبي باعتبارهم شركاء في هذا المشروع.
السؤال الثاني المطروح هو إلى متى ستبقى وزارة الطاقة والمياه مغيّبة عمّا يُسمّى المخطط التوجيهي للمياه؟ ولماذا لا يكون لدينا مخطط توجيهي للمياه؟ ولعلمكم قبل إنشاء دولة الاحتلال وإعلانها بخمس سنوات، أي عام 1943، وُضعت المخططات المائية لدولة الاحتلال المستقبلية.
أما نحن اليوم، ما بعد الاستقلال وما بعد الانهيار وما بعد الإفلاس، أفلا يجب أن تقوم وزارة الطاقة والمياه بوضع مخطط توجيهي للمياه يُصدّق من مجلس الوزراء ولا يُكتفى بوضعه من قِبل بعض الاستشاريين على قياسه والمتعهّدين على قياس شركاتهم وشركائهم؟
السؤال اليوم: أليس من الأفضل أن يتم استلام مرحلة من مشروع 800 حتى الأجزاء المنفّذة بدلًا من القيام بتنفيذ أشغال مبعثرة على طول المشروع وعلى طول الناقل الرئيسي وذلك من أجل استثمار حقيقي وحماية المنشآت ودعم مؤسّسة مصلحة الليطاني لكي تتمكن من تشغيلها؟
وبذلك نكون قد نقلنا مياه الشّفة مع مراعاة نوعية المياه بالتأكيد ضمن ضوابط سيتم الحديث عنها خلال الورشة، ونكون قد نقلنا مصادر المياه حتى يتمكن الشركاء من بلديات ومن جمعيات مستخدمي المياه للاستفادة من هذه المياه.
ثم بعد ذلك، أليس من الأفضل اليوم أن نستثمر هذا التعاون القائم بإطلاق حملة أوسع مع مجلس الإنماء والإعمار لحماية نوعية المياه، وأيضًا لتسريع تنفيذ محطات الصرف الصحي ومحطات تكرير المياه في الحوض الأعلى لنهر الليطاني ولاسيّما منها محطتي المرج وتمنين. وأيضًا بحضور سعادة مدير عام التنظيم المدني أليس من المجدي أيضًا استكمال عملية تصنيف الأراضي الزراعية أو على الأقل وضعها قيد الدرس وكذلك الأراضي المستهدفة بالمشروع حتى لا ينتهي المشروع ونجد أن 13 ألف هكتار من الأراضي الزراعية المشمولة بالمشروع قد تحوّلت إلى حدائق ومنازل ومواقف سيارات؟
وأيضًا من أجل تخفيف كلفة الاستثمار وكلفة المرحلة الثانية وتسهيل تأمين التمويل فيما بعد، أليس من الأفضل البحث عن حلول تشريعية كفرض حقوق ارتفاقية على الأراضي الزراعية لتلافي الاستملاكات بخصوص الشبكات الفرعية؟ مع العلم أن كل دول العالم تقوم بهذا العمل.
وأيضًا أجد من الضروري السعي المستمرّ من أجل تأمين ما يُسمّى بتمويل المرحلة الثانية وليس الاكتفاء بتمويل هذه المرحلة فقط.
وللعلم أننا كمصلحة وطنية لنهر الليطاني إذا استلمنا جزءًا من هذه المرحلة فهذا لا يعني أننا تنازلنا أو تخليّنا عن الحلم الكبير لاستكمال كل مراحل المشروع. هذه هي الأفكار التي نطرحها نحن والشركاء وننوي طرحها معكم.