تحت قبة الكابيتول، تفكيك المزاعم الأميركية حول دور حزب الله في أميركا اللاتينية
يهدف هذا الكتاب إلى عرض ومراجعة الادعاءات الأميركية حول علاقة حزب اللّه بكارتيلات تجارة المخدّرات وعصابات الإتجار بالبشر والبضائع المهرّبة ومنظمات غسيل الأموال في أميركا اللاتينية، وفهم عملية إنتاج تلك المزاعم وكشف آليّاتها وقنواتها. ويستند مضمون الكتاب إلى مراجعة ودراسة وتقصّي عشرات الجلسات داخل الكونغرس الأميركي حول حزب اللّه، وقوانين أميركية وقرارات تنفيذية وبيانات من وزارة العدل الأميركية، وتصريحات لمسؤولين أميركيين وكتابات لخبراء وأكاديميين، ومقالات صحفية وتحقيقات إعلامية
تمهيد
تصاعدت في السنوات الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية بشكل ملحوظ الاتهامات الموجَّهة لحزب اللّه بالضلوع في تجارة المخدّرات وغسيل الأموال والنشاط الإجرامي والجريمة المنظّمة، إلى جانب الاتهام القديم بالإرهاب. لم تقتصر الاتهامات على تقارير صحافية أو سرديات تتناقلها وسائل إعلام، بل وصل الأمر إلى حد إعلان وزارة العدل الأميركية في تشرين الأول عام 2018 عن "تصنيف حزب اللّه كمنظّمة إجرامية عابرة للحدود". هذا التصنيف يعكس قرارًا أميركيًا بالانتقال إلى مرحلة جديدة في مواجهة حزب اللّه، تضاف إلى حرب العقوبات والتصنيفات ضمن قوائم ما يسمّى "الإرهاب".
تبذل الولايات المتحدة موارد وجهود هائلة لربط حزب اللّه بالقسم الغربي من الكرة الأرضية ولا سيّما أميركا اللاتينية مستفيدة من تواجد ملحوظ لمهاجرين لبنانيين في تلك المناطق. ويفيد هذا الربط بأنه يتيح تعبئة الرأي العام الأميركي ضد حزب اللّه باعتباره ينشط في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، أي أنه يمثّل تهديدًا مباشرًا وقريبًا للأرض الأميركية، كما أنه يمهّد لإيجاد صِلات مزعومة بين حزب اللّه وجملة من الأنشطة الإجرامية التي تجتاح القارة الأميركية مثل تجارة المخدّرات وغسيل الأموال ونشاط الجريمة العابرة للحدود. انطلاقًا من هذه الحملة الممنهجة، أطلقت مديرية الدراسات الاستراتيجية في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق مشروعًا بحثيًا عام 2019، كانت حصيلته هذا الكتاب المرجعي في مسألة ربط حزب اللّه بعالم الجريمة المنظّمة و "الإرهاب" في أميركا اللاتينية.
يهدف هذا الكتاب إلى عرض ومراجعة الادعاءات الأميركية حول علاقة حزب اللّه بكارتيلات تجارة المخدّرات وعصابات الإتجار بالبشر والبضائع المهرّبة ومنظمات غسيل الأموال في أميركا اللاتينية، وفهم عملية إنتاج تلك المزاعم وكشف آليّاتها وقنواتها. ويستند مضمون الكتاب إلى مراجعة ودراسة وتقصّي عشرات الجلسات داخل الكونغرس الأميركي حول حزب اللّه، وقوانين أميركية وقرارات تنفيذية وبيانات من وزارة العدل الأميركية، وتصريحات لمسؤولين أميركيين وكتابات لخبراء وأكاديميين، ومقالات صحفية وتحقيقات إعلامية.
يتألّف الكتاب من خمسة فصول، لكلّ منها مقدّمة وخلاصة. الفصل الأول يعرض بيانات إحصائية حول عشرات جلسات الاستماع التي عُقِدَت في مختلف لجان الكونغرس بين عامي 2005 و2018 وأثيرت خلالها اتهامات بوجود دور لحزب اللّه في أميركا اللاتينية، كما شملت المعلومات المضمَّنة في الفصل خلفيات مشرِّعين أميركيين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي الذين تعاقبوا على إدارة عمل اللجنة، مع إضاءة على حجم الدعم المالي الصهيوني لحملاتهم الانتخابية خلال تنظيمهم لجلسات الاستماع سالفة الذكر.
الفصل الثاني يتضمّن بيانات وأرقامًا حول خلفية المراكز البحثية التي أدلى خبراؤها بشهاداتهم في جلسات الاستماع، مع تركيز على ميزانياتها وبرامجها، وحجم الأصول المالية المستثمَرة فيها لإنتاج السرديّات حول حزب اللّه ونشاطاته العالمية المزعومة. كما يحتوي الفصل الثاني على السيَر الذاتية لـ "الخبراء" الذين شاركوا في جلسات الاستماع المذكورة للتحريض على دور مزعوم لحزب اللّه في أميركا اللاتينية.
الفصل الثالث يتناول بالبحث المعمّق جذور الاتهامات الموجَّهة لحزب اللّه بالإتجار بالمخدّرات، حيث جرت عملية تتبُّع تاريخي للتهمة في الكيان الصهيوني بداية وكيفية انتقالها إلى الولايات المتحدة، وما أثير من زعم وجود فتوى دينية لدى حزب اللّه تجيز للمنظَّمين فيه الإتجار بالمخدّرات بهدف "استهداف الأميركيين واليهود"، بحيث يمكن اعتبار مضمون الفصل الثالث وثيقة مرجعية لأي ساعٍ إلى الاطلاع على أصل اتهام حزب اللّه بتجارة المخدّرات والظروف والسياق التاريخي لتطوّر الاتهام واعتماده من قِبل المؤسّسات الأميركية ومنها الكونغرس الأميركي.
الفصل الرابع يعرض مراحل التحريض على دور حزب اللّه المزعوم في ما يُسمّى "الإرهاب" والجريمة المنظّمة في المنطقة الحدودية الثلاثية بين الأرجنتين والبرازيل والباراغواي، في محاولة لفهم السياق الذي تطوّرت فيه الاتهامات الموجَّهة لحزب اللّه والجالية الشيعية التي تسكن تلك المنطقة منذ عقود. ويستعرض الفصل مفهوم "الأمنَنَة" الذي استُعمِل لشيطنة الجالية الشيعية في المثلّث الحدودي، ثم يتناول الحقبات الثلاث للتحريض في جلسات الاستماع، مع إضاءة على أبرز الثغرات في السردية المروَّجة التي وردت على لسان مسؤولين أميركيين وصحافيين وأكاديميين تطرّقوا إلى ظاهرة التحريض على الوجود العملياتي المزعوم لحزب اللّه في المثلّث الحدودي.
أما الفصل الخامس والأخير فيتناول مزاعم وجود دور لحزب اللّه في كل من فنزويلا والبيرو والمكسيك وكولومبيا، ويحلّلها لناحية السياق والأهداف، ويكشف تناقضاتها وهشاشتها، مع تركيز على فنزويلا بالتحديد، التي اتُهِم النظام الحاكم فيها بتوفير أرضيّة وقاعدة انطلاق عملياتية لحزب اللّه إلى باقي دول أميركا اللاتينية. ويتناول الفصل مزاعم حول وجود علاقات بين حزب اللّه وكارتيلات المخدّرات المكسيكية والكولومبية ومنظمة الفارك، ويحلّلها ربطًا بسلوك اليمين الأميركي الذي كان يسعى لترويج أجندته السياسية القائمة على تخويف المجتمع الأميركي بزعم وجود أخطار يمثّلها حزب اللّه على الأمن القومي الأميركي.