مقاربة تصحيحية للتوصيف القانوني لجرائم العدو الصهيوني
الاعتداءات الصهيونية بدأت منذ ثلاثينيّات القرن الماضي فارتكب عدد كبير من المجازر في القدس وحيفا ويافا ودير ياسين وغيرها...، وصولًا الى اغتصاب ما يزيد على 77% من أرض فلسطين. ثم راح الصهاينة يقتلون الفلسطينيّين بقصد استكمال تهجيرهم، وارتكبت مجازر جديدة في الضفّة الغربيّة وغزّة وكفر قاسم... الى المجازر ضدّ المخيّمات في فلسطين ولبنان منذ الستّينيّات وصولًا الى سنوات الألفيّة الجديدة كان لا بدّ من استجلاء النوايا الصهيونيّة على مدى تاريخ الحركة الصهيونيّة، فتترابط الجرائم وتشكّل جرائم متكرّرة ومتمادية ترتكب من أجل هدف شديد الخطورة يقضي بقتل السكّن وتهجيرهم للاستيلاء على الأرض مفرغةً من البشر، الأمر الذي لا يأتلف مع معالجة ما يرتكب في كلّ معركة أو اعتداء وكأنّه جريمة آنيّة تحصل لأوّل مرّة وتقتصر على معركة بعينها، فتخفّف المسؤوليّة، كما يصبح توصيف الجرائم قاصرًا، وحتّى مشكوكًا فيه، فيقال: هناك احتمال وقوع جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانيّة أو ... في هذه المعركة أو تلك. إذًا، ما نراه هو أن يدرس كلّ نوع من الارتكابات بالرجوع الى التاريخ منذ بدء نشاط الحركة الصهيونية حتى اليوم، وفي ضوء الهدف النهائيّ. يتضمن هذا الكتاب أعمال الندوة القانونية التي أقامها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ومرصد قانا لحقوق الإنسان ونسق أعمالها د. محمد طي، والتي تناولت التكييف القانوني لجرائم العدوّ في تسعة أوراق بحثية.
تمهيد وتقديم / د. محمد طي
يتعامل الكتّاب الغربيّون مع كيان العدوّ الصهيونيّ على أنّه كيان طبيعيّ كسائر دول العالم، ويعالج الحقوقيّون ما ترتكبه أجهزته العسكريّة من جرائم على أنّها ممّا ترتكبه الجيوش في العادة، ونسير نحن الحقوقيّين العرب على خطى الغربيّين، فنعالج كلّ حالة كأنّها حالة منفردة تحصل بنت ساعتها، ما يقصر عن الإلمام بكافّة توصيفاتها القانونيّة.
وكنت تنبّهت منذ حوالي عشر سنوات إلى خطأ هذا الأمر، وبدأت من حينها أكرّر هذا الموقف في الندوات التي يقيمها إخواننا الفلسطينيون وعلى شاشات التلفزة وفي الصحافة، مشدّدًا على أنّ المعالجة يجب أن تحصل على ضوء الواقع الفعلي تاريخيًا وحاليًا.
هذا الكيان كيان زرع وانزرع في أرض تعود لشعب آخر طرده منها وحلّ محلّه، وأنّ ذلك جرى ويجري من ضمن مخطّط مدروس ما زالت حلقاته تنفّذ حتّى اليوم وإلى ما شاء الله، وليس من عمل يتمّ إلاّ وقد وضعت أسسه منذ زمن طويل. وهكذا فإنّ ما يرتكب من جرائم يصبّ في مسار تنفيذ المخطّط.
بناءً عليه، فإنّ ما يجب أن يؤخذ بالاعتبار هو أنّه منذ مؤتمرها الأوّل الذي عقدته في بال في سويسرا سنة 1897، أخذت الحركة الصهيونيّة تخطِّط لاغتصاب فلسطين، كلّ فلسطين، بل وحتّى تتجاوزها لتمتدّ "دولتها الموعودة" من النيل إلى الفرات، ولم تكن تجهل أنّ هذا الاغتصاب لن يمرّ دون سفك الدماء بين أهل هذه الأرض، من أجل إفراغها لتسهيل إسكان اليهود فيها.
وفي الواقع بدأت الاعتداءات منذ ثلاثينيّات القرن الماضي فارتكب عدد كبير من المجازر في القدس وحيفا ويافا ودير ياسين وغيرها... فأودت بأرواح عشرات آلاف الفلسطينيين، وصولًا الى اغتصاب ما يزيد على 77% من أرض فلسطين. ثم راح الصهاينة يقتلون الفلسطينيّين بقصد استكمال تهجيرهم، وارتكبت مجازر جديدة في الضفّة الغربيّة وغزّة وكفر قاسم... الى المجازر ضدّ المخيّمات في فلسطين ولبنان منذ الستّينيّات وصولًا الى سنوات الألفيّة الجديدة.
من هنا، ولمّا كانت أركان الجرائم تتمثل بالأفعال الماديّة وبالنيّة، كان لا بدّ من استجلاء النوايا الصهيونيّة على مدى تاريخ الحركة الصهيونيّة، فتترابط الجرائم وتشكّل جرائم
متكرّرة ومتمادية ترتكب من أجل هدف شديد الخطورة يقضي بقتل السكّن وتهجيرهم للاستيلاء على الأرض مفرغةً من البشر، الأمر الذي لا يأتلف مع معالجة ما يرتكب في كلّ معركة أو اعتداء وكأنّه جريمة آنيّة تحصل لأوّل مرّة وتقتصر على معركة بعينها، فتخفّف المسؤوليّة، كما يصبح توصيف الجرائم قاصرًا، وحتّى مشكوكًا فيه، فيقال: هناك احتمال وقوع جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانيّة أو ... في هذه المعركة أو تلك.
إذًا، ما نراه هو أن يدرس كلّ نوع من الارتكابات بالرجوع الى التاريخ منذ بدء نشاط الحركة الصهيونية حتى اليوم، وفي ضوء الهدف النهائيّ.
يتضمن هذا الكتاب أعمال الندوة القانونية التي أقامها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ومرصد قانا لحقوق الإنسان ونسق أعمالها د. محمد طي، والتي تناولت التكييف القانوني لجرائم العدوّ في تسعة أوراق بحثية.
كلمة الافتتاح / د. عبد الحليم فضل الله
نرحّب بكم في هذه الندوة القانونية المتخصّصة التي تنعقد تحت عنوان: "مقاربة تصحيحيّة للتوصيف القانوني لجرائم العدّو الإسرائيلي" والتي تعالج إشكالية إعطاء التوصيف القانوني الصحيح لجرائم الاحتلال الصهيوني وتمييزها عن ما يماثلها من جرائم، وذلك بحكم ارتباطها بجريمة أصلية ومتمادية هي طرد شعب من موطنه الأصلي وارتكاب أفعال إبادة ثقافية ورمزية ومادية وتاريخية لأمّة كاملة، بما انطوت عليه من تهجير قسري واغتصاب أراضٍ وطمس هويّة واستيلاء على المقدّسات.
حاول العدوّ طوال الوقت تقديم رواية مختلفة ومراوغة وكاذبة، تنسب مأساة فلسطين إلى الفلسطينيين أنفسهم، ولكن الرواية لم تصمد طويلًا بل إنها تفككت على أيدي الصهاينة أنفسهم، وهذا ما نجده بالخصوص في كتابات المؤرّخين الصهاينة الجُدد وأعمالهم التي استندوا فيها إلى ما كُشف، وفقط إلى ما كُشف، من وثائق ما يسمّى "الأرشيف الوطني الإسرائيلي". ومن أبرز هؤلاء بيني موريس وإيلان بابي وآفي شلايم وتوم سيغف وغيرهم، الذين مّهدت أبحاثهم وأعمالهم، التي لم تخل في أي حال من الأحوال من الانحياز، لظهور مفهوم "ما بعد الصهيونية". وعلى الرغم من الانحياز المذكور قدّم هؤلاء اعترافًا لا لبس فيه بالجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، وبعضها كما يُقرّون كان متعمّدًا ومخططًا له على نحو مركزي بصفتها أفعالًا لا بدّ منها لولادة الكيان. بل كانت لها له جذور إيديولوجية عبّر عنها بصراحة مؤسّسو الحركة الصهيونية قبل سنوات عدّة من احتدام الصراع داخل فلسطين. وينقل موريس في كتابه "مولد مشكلة اللاجئين" أن تيودور هيرتزل، الذي وصفه بنبي الحركة الصهيونية ومؤسسها، كتب في الثاني عشر من حزيران 1895 في مذكّراته اليوميّة ما يأتي:
"يجب علينا أن نجرّدهم (يقصد الفلسطينيين) من الأرض بلطف، يجب أن نشجّع السكان الفقراء على عبور الحدود من خلال تأمين عمل لهم في بلاد العبور. إن كلًا من التجريد من الملكيّة والتخلّص من الفقراء يجب أن يتم بشكل منفصل وبحذر شديد" (موريس، مولد مشكلة اللاجئين، 2013، ص 72).
ولم يكن هذا الرأي عابرًا على الرغم من تكتّم الصهاينة الأوائل عن تداوله مع الآخرين. ففي لقاءاتهم الخاصة كان القادة الصهاينة أكثر استعدادًا لتبادل المعلومات في هذا الصدد، وكان تسويق حلّ الترانسفير يقع في صلب مواقف الصهاينة الأوائل لحلّ ما كان يسمّونه المشكلة العربية: "لا يمكن السماح للعرب بإعاقة بناء قطعة تاريخية مهمة للغاية، ومن ثمّ يجب أن نقنعهم برفق بأن يغادروا، فهم على الرغم من كل شيء لديهم الجزيرة العربية التي تضمّ ملايين الأميال ولا يوجد أي سبب خاص للعرب كي يتشبّثوا بهذه الكيلومترات القليلة، ولما كانت عادتهم هي طيّ الخيام والذهاب بعيدًا فليضربوا المثال على ذلك الآن" (م. ن ص 73). غير أن معظم المنادين بالترانسفير احتفظوا بآرائهم لأنفسهم أو اقتصروا في تداولها على الخطابات الشخصية داخل الدوائر الصهيونية كما يعترف المؤرّخون الصهاينة الجدد، وفيما كان خطابهم العلني "المنافق"، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى أربعينيات القرن العشرين، يعلن أن في فلسطين مكانًا كافيًا لكلا الشعبين كانوا يخططون سرًا، لما يقولون إنه أمر لا مفرّ منه: إنّ قيام دولة يهودية غير ممكن دون طرد العرب. ومع مرور الوقت تخلّى قادة الحركة الصهيونيّة عن حذرهم تجاه مسألة الترانسفير، ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين بدأت في الظهور دعوات عالية النبرة وتُقارِب الإجماع مؤيّدة للفكرة.
وبرزت طروحات من قبيل الضغط على البريطانيين لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة المنظمّة إلى العراق أو إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. وقد استغل بن غوريون صدور تقرير اللجنة الملكية البريطانية، التي أُوفدت إلى فلسطين عام 1936 وصدر تقريرها في تموز 1937 وتضمّنت توصية بنقل السكان، ليقول: "يجب أن نتمسّك بهذه التوصية تمسّكنا بوعد بلفور" وأضاف: "إذا لم ننجح في إزاحة العرب من بيننا في الوقت الذي تقترحه اللجنة البريطانية (تقرير بيل) ونقلهم إلى المنطقة العربية فإن ذلك يمكن تحقيقه بسهولة بعد قيام الدولة اليهودية" (م.ن ص 83).
إن الاستيطان الذي نراه اليوم في فلسطين هو القرينة المادية الماثلة للعيان على الجريمة المتمادية والأصلية التي مهّدت لقيام "دولة إسرائيل"، وهذا ما اعترف به بن غوريون نفسه، في المؤتمر العشرين للكونغرس الصهيوني الذي عُقد في زيورخ في شهر آب 1937 لمناقشة التقرير البريطاني، بقوله: "ففي العديد من البلاد لن يكون من الممكن إقامة استيطان جديد من دون نقل فلاحين... النقل أو الترانسفير هو الذي سيجعل من الممكن تنفيذ برنامج استيطان شامل".
لكن التخطيط للنقل والطرد والتهجير لم يكن أبدًا باللطف المزعوم، ففي الاجتماع المذكور الذي انتهى بعد نقاش صاخب إلى الموافقة على تقرير بيل الذي يوصي بالطرد، اقترح بن غوريون أن يكون النقل إجباريًّا وبواسطة القوات اليهودية لا البريطانية كما يوحي التقرير، ولا بطريقة منظمة كما كان يُظنّ.
وبعد خمس سنوات من هذا التاريخ، أي قبل تأسيس الكيان بستّ سنوات، كشف بن غوريون عن نواياه بأعلى درجات الصراحة بقوله: "أؤيّد النقل الإجباري، ولا أرى فيه أي شيء غير أخلاقي!"، وحذا آخرون حذوه "لا شيء لا أخلاقي في نقل 60 ألف عائلة عربية!، لا يمكن أن نبدأ بدولة يهودية ونصف سكانها من العرب". فيما ذهب ورنر ديفيد سيناتور، صاحب الأفكار الليبرالية والمنحدر من الأصول الألمانية كما يُوصف والذي تولّى في وقت ما منصب مدير الجامعة العبريّة، إلى المناداة بتنفيذ برامج واسعة النطاق لطرد العرب من أرضٍ يعترف المؤرّخون الصهاينة أنّها كانت تضمّ 450 ألف عربي و20 ألف يهودي عشيّة بدء الهجرة اليهودية. والأدهى من كل ما تقدّم أن المقصود لم يكن نقل أفراد أو قرى بأكملها فحسب، بل نقل فئات اجتماعيّة عرقية ودينية محدّدة ما ينمّ عن دوافع فئويّة مكتومة. ففي تشرين الأول 1941 كتب بن غوريون نفسه: "الدروز، والعديد من القبائل البدوية في وادي الأردن، وربما كذلك المتولي (شيعة يعيشون في شمالي الجليل حسب وصفه وربما يشمل الأمر أيضًا بعض مناطق جنوب لبنان)، قد لا يمانعون أن يُنقلوا في ظروف مشجّعة إلى دول مجاورة"، وبذلك ضمّ إلى جريمة الطرد فعل التمييز على أساس فئوي.
وفي نهاية المطاف طُرد الفلسطينيون والعرب بطريقة دمويّة ومن خلال عشرات المجازر باعتراف المؤرّخين الصهاينة أنفسهم الّذين لم يجدوا بدًّا من الاعتراف بأن عمليات تنظيف واسعة النطاق قد جرت طوال مّدة الصراع السابق لإقامة الدولة، والتي لم تكن لتوجد لولاه. ويقرّ هؤلاء أيضًا أن الأشهر القليلة التي سبقت قيام الكيان في عام 1948 شهدت إعداد خطّة ضخمة للتهجير هي خطّة "دالت" التي وضعت في بداية شهر آذار 1948 والتي يعدّها بني موريس في كتابه (م.ن.ص 212)، "بمثابة برنامج عمل لتأمين الدولة اليهودية الناشئة، والتي تضمّنت منح تفويض عام للقوات الصهيونية بتدمير القرى التي تبدي مقاومة وطرد سكانها، وقد شمل ذلك قرى وبلدات عدّة كانت عقدت اتفاقيات مصالحة وتسوية مع جوارها اليهودي، لمجرّد أنّها كانت تهدّد تماسك أراضي الدولة اليهودية العتيدة. كان هذا التصريح المطلق المعطى لقادة الجبهة والألوية والأحياء والفرق الصهيونية هو إشارة البدء بالمرحلة الثانية للتهجير الذي أخذ طابعًا واسعًا وشاملًا ودمويًّا. ولم يقتصر الأمر على العصابات التي توصف بالمتطرّفة كالأرغون بل شمل أيضًا قوة الهاغانا الأساسيّة التي كانت نواة ما سُمّي فيما بعد "جيش الدفاع الإسرائيلي".
لقد اجتمعت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية مع جريمة الإبادة لتكون في أساس قيام الكيان الصهيوني، ما يفترض وضعها في فئة خاصّة من الجرائم. ويؤكّد على ذلك أنها تترافق مع سلسلة لا تنتهي من الارتكابات: التوسّع، الحرب المستمرة، الفصل العنصري، التمييز العِرقي، الاستيلاء على الأملاك، نزع الملكية، الخرق المستمر للقانون الدولي، الاستيطان... وهذا ما يطرح على المشاركين في هذه الندوة وعلى المدافعين عن الحقوق الوطنية والإنسانية وعلى المناهضين للتطبيع مهمّة تقديم إجابة علميّة عن الإشكالية المطروحة، إجابة تضع الارتكابات المذكورة في الفئة الصحيحة من الجرائم، الأمر الذي ينطوي على تطوير لمفاهيم القانون الدولي وقد يتطلّب إعادة النظر ببعض مجالاته.