التقرير الإعلامي لـ المؤتمر الصحفي بشأن "التقرير القانوني بشأن: الجرائم "الإسرائيلية" في لبنان بعد اتفاق وقف العمليات العدائية

عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، بالتعاون مع مرصد قانا لحقوق الإنسان، مؤتمرًا صحافيًا في قاعة بيت المملوك في مدينة صور، أُطلق خلاله تقرير قانوني يوثّق الجرائم والانتهاكات "الإسرائيلية" المرتكبة في لبنان بعد اتفاق وقف العمليات العدائية، وذلك بحضور نخبة من الأكاديميين والقانونيين والحقوقيين والمعنيين

المؤتمر الذي حضره حشد من الأكاديميين والحقوقيين والمحاميين والفعاليات، سلّط الضوء على مضمون التقرير الذي يغطي الفترة الممتدة من إعلان وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024 وحتى نهاية عام 2025، ويتناول التوصيف القانوني للانتهاكات، وأركان الجرائم المرتكبة، وآليات الملاحقة والمسؤوليات القانونية المترتبة عليها. 

 

د. عبد الحليم فضل الله: الهدف هو تأكيد الوصف القانوني لجرائم العدو

وفي كلمة الافتتاح، أشار رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق د. عبد الحليم فضل الله أن "التقرير الذي نطلقه في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بالتعاون مع مرصد قانا لحقوق الإنسان يوثق الانتهاكات والارتكابات الجسيمة التي قام بها العدو الإسرائيلي في لبنان منذ وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الأول 2024 حتى نهاية عام 2025".

وأعلن أن "الهدف من هذا التقرير هو تأكيد الوصف القانوني لجرائم العدو التي ترتقي إلى جرائم العدوان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم تتوافر فيها أركان الجريمة الفردية والجماعية لمسؤولي العدو، ما يوجب علينا إرساء خطة لوضعها موضع التنفيذ والملاحقة اللازمة"، لافتًا إلى أن "استمرارية الانتهاكات وتطورها مع الوقت ليس استثناء في تاريخ العدو، بل يقع في صلب عقيدته التي قامت تاريخيًا على هدم البيوت واستهداف السكان وتهجيرهم من أوطانهم، لكنه يضيف إليها الآن ما يُعرف بالتحكم بأدوات اليوم الثاني للحرب (استمرارية القتل والتهجير..)".
ودعا د. فضل الله "الحكومة والمؤسسات الدولية ذات الصلة إلى جعل المسار القانوني والحقوقي جزءًا لا يتجزأ من مسار المواجهة مع الاحتلال، لأنه يمكن أن يتحول إلى قاعدة صلبة لاسترجاع الإجماع الوطني".
وفي سياق توثيق جرائم العدو وارتكاباته، عرض د. فضل الله أرقامًا من قاعدة بيانات المركز، مشيرًا إلى أنه "منذ 8 تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، ارتكب العدو 34،128 اعتداء على لبنان، وهو رقم يفوق مجموع الاعتداءات من عام 1982 حتى عشية طوفان الأقصى، والتي لم تتجاوز 30 ألف اعتداء"
وأكد جملة من الثوابت، أبرزها "رفض العدوان في كل أشكاله وتحميل المسؤولية عنه في كل مرة، للعدو وللدول الداعمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وعدم تقبّل أو الترويج لأي ذريعة أو أي مبرر، والتمسك دائمًا بأن لبنان يقوم بالتزاماته في هذا الاتفاق"، وأن "الأولوية هي لإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات واطلاق الأسرى وتمكين الدولة من إعادة الإعمار وتمكين المواطنين من العودة إلى مساكنهم بعد تمكينهم من إعمار هذه المسكن وصولًا إلى الحافة الأمامية"، كما أن "استمرار العدو في جرائمه وانتهاكاته وتماديه فيها يشكل دافعًا لتوحيد الموقف ويدعو الدبلوماسية اللبنانية بكل مستوياتها إلى أن تجعل الملاحقة القانونية بندًا أساسيًا من بنود عملها الدبلوماسي"، ومن الثوابت "توسيع نطاق المواجهة والرفض لممارسات الاحتلال سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا وسيلاقينا الكثير من الأحرار في العالم، والكثير من المنظمات والقوى المسؤولة داخل النظام الدولي، حتى لا يصير العدوان الدائم أمرًا واقعًا"، داعيًا إلى أن ونتذكر "أننا نواجه أعتى عدوان يوجّه الى لبنان منذ نشأة لبنان الوطن ومنذ قيام الكيان الصهيوني". 
كما رحّب د. فضل الله بالحضور مكررًا "الثناء والشكر لكل من ساهم في إنجاح هذا العمل والنشاط الوطني، اتحاد بلديات صور، بلدية صور، منطقة جبل عامل الأولى، والحضور الكريم الذي هو أساس في إكمال هذا العمل وإعطائه الزخم اللازم".
مدير مرصد قانا لحقوق الإنسان د. محمد طي: هذا التقرير هو بداية المسار.


بدوره، استعرض مدير مرصد قانا لحقوق الإنسان الدكتور محمد طي بعض جوانب التقرير القانوني، مشيرًا إلى أن "التقرير يأتي في إطار توثيق وتحليل الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي، التي ارتكبتها "إسرائيل" بحق لبنان وسكانه المدنيين منذ اتفاق وقف العمليات العدائية في 27 تشرين الثاني 2024". موضحًا أن "هذا التقرير هو بداية لهذا المسار وليس نهايته، وستكون هناك المزيد من الأنشطة لتغطية كل ما يمكن أن يطرأ على هذه القضية".
وأشار إلى أن "إسرائيل" تتذرع بعدم توقيعها على جميع الصكوك الدولية، للتهرب من الالتزامات، مؤكّدًا أن هنالك عددًا كبيرا من الصكوك أصبح أعرافا قانونية أصبح أعرافا قانونية تسري على الجميع، الموقع وغير الموقع، من أبرمها ومن لم يبرمها، وهنالك مبادئ، والمبادئ تسري أيضًا على الجميع بطبيعة الحال، ونحن في التقرير استندنا الى عدد كبير ومجموعة شاملة من الصكوك، وإذا أفلت العدو من صك، فإنه لن يفلت من الآخر. 
وأوضح د. طي إلى أن قانون الحرب يشمل قسمين: قانون شرعية الحرب، وقانون العمليات الحربية. وفي معرض توثيق الاعتداءات على لبنان، وثق التقرير جريمتان تحت العنوان الأول، أي شرعية الحرب. فهناك "الجرائم المخلّة بالسلم"، وتتمثل بالتخطيط لحرب عدوانية أو إعدادها أو الشروع فيها أو شنّها، وأيضًا المشاركة في خطة لارتكاب مثل هذه الجرائم وهذا فعلًا ما اركبه العدو في حق لبنان، وهناك أيضًا "جريمة العدوان"، وتمثلت باحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية والقصف والتوسع. 
وأشار في معرض شرحه عن جرائم العدوان إلى الجرائم ضد الإنسانية التي تمثلت بالقتل العمد والإبادة، وبما يتنافى مع عدد من مبادئ القانون الدولي، والقانون الدولي العرفي، ومع النظام الأساسي للمكمة الجنائية الدولية المادة السابعة. كما لفت إلى جريمة التهجير القسري، التي تتنافى مع المادة السابعة - الفقرة "د" من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويتنافى كذلك مع القاعدة 129 من قواعد القانون الدولي العرفي والقاعدة 20 والقاعدة 132 التي تفرض تسهيل عودة النازحين. 
وفي موضوع الأسرى والاختفاء القسري، أكد أن على الدولة التي تحتجز حرية الأسير أن تعامله كما تعامل جنودها، وتسهل لهم التواصل مع أهلهم في الخارج، وهذا أمر محظور من قبل العدو الصهيوني ولم يطبقه مع الأسرى اللبنانيين، وهو يتنافى مع القاعدة 98 من القانون الدولي العرفي والقاعدة 99 أيضًا، ويتنافى كذلك مع المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 
وأكد د. طي أن تدمير الأماكن الدينية والثقافية كما فعل العدو الإسرائيلي في لبنان يتنافى مع اتفاقية 1954 لحماية الأماكن الثقافية، كما يتنافى مع المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 
وتناول عرض د. طي النص الكامل للتقرير القانوني الذي يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ومبادئ نورمبرغ وقرارات الأمم المتحدة، ويوثق وقائع وانتهاكات ترقى إلى جرائم عدوان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويعرض آثارها الإنسانية، وصولًا إلى استنتاجات وتوصيات تدعو إلى المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

 

د. حسين العزي: عملية تقييم وحصر وأرشفة وتوثيق مستمر لجرائم العدو

من جهته، قال مدير مديرية الدراسات القانونية الدكتور حسين العزي إن "التقرير القانوني لجرائم العدو الإسرائيلي يعد من أولى الخطوات القانونية اللازمة لقيام مساءلة حقيقية للعدو الإسرائيلي عن جرائمه المرتكبة بعد وقف الأعمال العدائية حتى يومنا هذا. ولابد لقيام المساءلة الجادة والعادلة أن يقوم المعنيون بإحصاء الجرائم وتكييفها تكيّفا قانونيًا وتوصيفها وفقًا للأنظمة الواجبة التطبيق، وهذا هو هدف التقرير القانوني وهو إعداد تقرير إحصائي يوثق جرائم العدو ويكيفها تكييفًا قانونيًا صحيحًا، ثم يضع لها التوصيف القانوني، من حيث اكتمال الأركان القانونية تمهيدًا لقيام أو لنهوض المسؤولية الجنائية وفقًا للأنظمة القانونية المطبقة في القانون الجنائي الدولي وخاصة نظام روما للعام 1998 بكافة تعديلاته، بما فيها التعديل 2018 الذي أدخل جريمة العدوان حيز النفاذ".
وبحسب د. العزي "يُبنى على هذا التقرير بأنه يشكل الخطوة الأولى والضرورية واللازمة والواجبة لمسار قانوني طويل يصل في نهاية المطاف إلى إعداد ملف قانوني محكم نستطيع الركون إليه في مقاضاة العدو الإسرائيلي أمام المحاكم المختصة، وهذه المحاكم قد تكون المحاكم الدولية إذا ما توافرت شروط المادتين 12 و13 من نظام روما، وقد تكون المحاكم الإقليمية أو حتى المحاكم الوطنية التي تعمل أو تطبق قانون أو مبدأ الاختصاص العالمي".
وتابع "يمكن البناء على هذا التقرير بعد توثيق الأدلة وفقًا للأصول القانونية، لقيام محاكمات رسمية قانونية أمام القضاء الوطني والإقليمي والدولي، وهذا يتطلب قيام الدولة اللبنانية بواجبها بالإعداد القانوني اللازم لهذا المسار عبر وزارتي العدل والخارجية، كما يتطلب تظافر جهود المنظمات الحقوقية المعنية دوليًا ومحليًا، وبالتالي في نهاية الأمر لا بد من إعداد تقرير قانوني، وهذا ما عمد إليه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بالتعاون مع مرصد قانا لحقوق الإنسان". وخَلُص إلى أنه "يعد إعداد هذا التقرير، عملية تقييم وحصر وأرشفة وتوثيق مستمر لجرائم العدو، يعد هذا من أول الخطوات الجدية لمقاضاة العدو الإسرائيلي".

 

د. عمر نشابة: نحن أمام لائحة اتهام سياسية وأخلاقية 
 

أما المتخصص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان الدكتور عمر نشابة، فرأى "أننا اليوم أمام تقرير لا يترك مجالا للالتباس أو التهرب: ما ارتكبه الكيان الإسرائيلي في لبنان بعد اتفاق وقف العمليات العدائية ليس مجرد خروقات تقنية أو أحداث عابرة، بل هو استمرار للعدوان بوسائل مختلفة، ومحاولة واضحة لفرض معادلة القوة بدل معادلة القانون".

وقال: "فلنكن واضحين، اتفاق وقف العمليات العدائية كان يفترض أن يضع حدًا للقتل والتدمير، لا أن يتحوّل إلى غطاء سياسي وأمني لاستباحة الجنوب اللبناني. لكن ما يثبته هذا التقرير هو أن الكيان الإسرائيلي تعامل مع الاتفاق على أنه ورقة بلا قيمة، فواصل جيش العدو القصف، والاغتيالات، والخطف، والخروقات الجوية والبرية، واستهداف المدنيين، وكأن سيادة لبنان أمر قابل للتفاوض أو التجاهل"، مشددًا على "أننا أمام نمط ممنهج من الانتهاكات الإسرائيلية العدوانية، يهدف إلى إبقاء لبنان تحت الضغط الدائم، ومنع أهله من الشعور بالأمن حتى في زمن يفترض أنه زمن تهدئة. هذا السلوك يشكّل، سياسيًا وقانونيًا، استخفافًا سافرًا بالقانون الدولي، وباتفاقيات وقف النار، وبقرارات الأمم المتحدة التي يُفترض أن تكون ملزمة لا اختيارية".
وأشار د. نشابة إلى أن "الأخطر من ذلك هو الصمت الدولي. فالمجتمع الدولي الذي سارع إلى رعاية اتفاق وقف العمليات العدائية، تراجع عمليًا عن مسؤوليته في فرض احترامه، بيانات القلق والإدانة الخجولة لم توقف صاروخًا، ولم تحم طفلًا، ولم تمنع اغتيالًا أو خطفاً. هذا الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤ يسمح باستمرار الجرائم ويكرّس منطق الإفلات من العقاب، ويشجع هذا الصمت العدو الإسرائيلي على مضاعفة عدوانه وقتل مزيد من البشر، كما يشجعه على توسيع اعتداءاته لتشمل تسميم الناس من خلال رش الأراضي الزراعية بمبيدات قاتلة".

الجرائم الموثّقة في هذا التقرير، بحسب د. نشابة، من قتل المدنيين، إلى تدمير الممتلكات، إلى ضرب مصادر الرزق والزراعة والبنى التحتية، تشكّل رسالة سياسية واضحة مفادها أن العدو الإسرائيلي يريد فرض واقع جديد بالقوة، وتطبيع فكرة أن العدوان على لبنان يمكن أن يستمر حتى في ظل الاتفاقات الموقّعة، لكن هذا الواقع مرفوض، فلا يمكن بناء استقرار على الخوف، ولا سلام على انتهاك السيادة، ولا تهدئة حقيقية في ظل القتل المستمر. 
وطالب "بموقف لبناني رسمي وشعبي صلب، يرفض تحويل وقف العمليات العدائية إلى أداة ابتزاز، ويصرّ على أن احترام الاتفاقات لا يكون انتقائيًا".

د. نشابة أكد أن "هذا التقرير ليس مجرد وثيقة توثيقية، بل لائحة اتهام سياسية وأخلاقية وهو يضع الجميع أمام مسؤولياتهم: إما القبول باستمرار الجرائم تحت مسمّى التهدئة، أو رفع الصوت عاليًا والمطالبة بالمحاسبة، وحماية لبنان وأهله، وفرض احترام القانون الدولي بالقوة التي يتيحها الحق والعدالة، لا بمنطق الاستسلام للأمر الواقع".

 

ممثّلة نقابة طرابلس: لاعتماد التقرير كمرجع رسمي في أي تحرك قانوني دولي
 

ممثلة نقابة المحامين في طرابلس المحامية ليلى صفا أكدت أن "هذا التقرير يشكل مستندًا توثيقيًا قابلاً للإحالة الرسمية، سواء لدى وزارة العدل، أو لتفعيل اختصاص القضاء الوطني، أو لمخاطبة الجهات الدولية المختصة، أو عبر اللجان النيابية، ولا سيما لجان الإدارة والعدل وحقوق الإنسان".
ودعت "الدولة إلى اعتماد هذا التقرير كمرجع رسمي في أي تحرك قانوني دولي وتفعيل دور الدبلوماسية"، مؤكدة "من طرابلس تجديد الالتزام بأن يبقى صوت الحق عاليًا".

 

 مداخلات النقاش 

اختُتم المؤتمر بسلسلة مداخلات من الحضور، عكست تفاعلًا واسعًا مع مضمون التقرير، وأسهمت في إغناء النقاش القانوني والحقوقي حول آليات التوثيق والملاحقة، في ظل مشاركة متنوعة من أكاديميين وقانونيين وناشطين، ما أضفى على اللقاء طابعًا حيويًا ونقاشًا غنيًا حول سبل متابعة هذا المسار.

 

المقال التالي
التقرير القانوني بشأن: الجرائم "الإسرائيلية" في لبنان بعد اتفاق وقف العمليات العدائية

مواضيع ذات صلة: