مقدّمة
في ظل الاحتلال "الإسرائيلي" لجزء من جنوب لبنان، ومع تصاعد وتيرة اعتداءاته اليومية على السيادة اللبنانية وعلى اللبنانيين، وتمدّد العدو الإسرائيلي إقليميًا في سعيه لإقامة دولته الكبرى المزعومة، يأتي قرار الحكومة اللبنانية بتاريخ 5/8/2025 القاضي بسحب سلاح المقاومة تحت بند "حصرية السلاح بيد الدولة وحدها" ليطرح إشكاليات دستورية وقانونية عميقة تتجاوز التجاذب السياسي.
منذ قيام الدولة اللبنانية، وخلافًا لمسار تطوّر الدول، وبعد أن فشلت هذه الدولة في أن تكون دولة راعية لمصالح شعبها، قررت الحكومة الحالية أن تؤدي دور الدولة الحامية، لذا اتخذت قرار حصرية السلاح بيدها وحدها في جلسة غاب عنها أربعة وزراء يمثلون كتلة برلمانية تتألف من 27 نائبًا وهم يمثلون مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الشعب اللبناني تمتلك أعلى نسبة من الأصوات التفضيلية في الانتخابات النيابية الأخيرة، مما وضع قرراها بمواجهة تحديات جوهرية بشأن ميثاقية قرارها ومشروعيته.
فعلى الصعيد الوطني واستنادًا إلى مبادئ الميثاق الوطني، يصطدم قرار الحكومة بالفقرة "ي" منه لجهة ميثاقية القرار ومشروعيته على ضوء مجموعة واسعة من المبادئ الميثاقية والدستورية المعتمدة فقهًا واجتهادًا من قِبل مجتمع القانون والقضاء والسياسة، وخاصة مندرجات الفقرة "ي" منه التي تنص على أنه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
أما على صعيد القانون الدولي، فيواجه قرار الحكومة تحدّيات جديّة لمشروعيته بمواجهة حزمة من المبادئ والقواعد الآمرة المتعارف على سموّها على غيرها من قواعد القانون الدولي العمومي، وخاصة مبدأ حق تقرير المصير ومبدأ حق الدفاع عن النفس، حيث ينبغي مناقشة مضمون القرار وأهدافه وتداعيات تنفيذه على سيادة لبنان والتزامات الدولة ومسؤوليتها عن حماية مواطنيها من أي اعتداء خارجي.
ونظرًا لخطورة القرار، أعدّ المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ورقة دستورية قانونية تضمّنت أبرز المرتكزات القانونية التي تناقش لامشروعية قرار الحكومة ومخالفته الميثاقية، وذلك في عرض قانوني وموضوعي معمّق يناقش فيه شرعية قرار الحكومة وميثاقيته في مقابل مشروعية التمسّك بحق المقاومة وسلاحها الرادع للعدو والحامي للوطن والمواطنين كجزء من الاستراتيجية الدفاعية الوطنية.
وتهدف الندوة الى الخروج من دائرة الانقسام السياسي إلى رحاب النقاش القانوني الدستوري البنّاء، عبر تقديم تحليل معمّق يوازن بين موجبات السيادة وضرورات الأمن الوطني، ضمن "استراتيجية دفاعية وطنية" متكاملة تحفظ للبنان سيادته وقوته ومنعته.
وعليه تُطرح الورقة الإشكالية الجوهرية: كيف يمكن لقرار الحكومة حصرية السلاح بيدها أن يحافظ على شرعيته وهو يناقض مبدأ "ميثاق العيش المشترك"، ويتنكر للحق الطبيعي في الدفاع عن النفس أمام عدو لا يزال يحتل أرضنا وينتهك سيادتنا؟
ولتفكيك الإشكالية نطرح التساؤلات الآتية:
1. في وجوب تفسير بنود الميثاق وفقًا لسياق ورودها: تضمنّت وثيقة الوفاق الوطني مبدأ بسط سيادة الدولة القوية على إقليمها بقواها الذاتية بعد نزع سلاح المليشيات، كما نصّت على مقاومة الاحتلال وتحرير الجنوب كاملًا شرطًا لازمًا لسيّادتها وقوتها، فما المقصود بالمليشيات آنذاك؟ وهل تخصيص المقاومة بعنوان مستقل له دلالاته في الشكل والمضمون؟ وما مدى شرعية قرار الحكومة بسحب السلاح في ظل استمرار الاحتلال؟
2. في جدلية "الشرعية" و"المشروعية": هل تصمد الشرعية (Legality) التي يستند إليها القرار، بمواجهة المشروعية (Legitimacy) التي اكتسبتها المقاومة بفعل ضرورات التحرير والردع في ظل عجز الدولة التاريخي عن القيام بواجبها في حماية لبنان، وسموّ حق الدفاع عن النفس في القوانين الوطنية والدولية؟
3. "في ميثاق العيش المشترك" كضابط دستوري: إلى أي مدى يتوافق القرار مع الفقرة (ي) من مقدمة الدستور التي تنص على أنه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، ولاسيّما إذا كان القرار يستهدف مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات النسيج الوطني اللبناني بما يهدّد السلم الأهلي.
4. في ضرورة الموازنة بين المبادئ الأساسية: لمن ستكون الأولوية في التطبيق إذا ما تزاحمت المبادئ الجوهرية؛ مبدأ الميثاقية، أم مبدأ الدفاع عن النفس والأمة في زمن الاحتلال؟
الكلمة الافتتاحية لرئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق
د. عبد الحليم فضل الله
لا تريد الندوة الدخول في النقاش السياسي المباشر، وهو نقاش مطلوب في أي حال لوضع الأمور في نصابها الصحيح، بل للحوار بشأن الأسس القانونية والدستورية لسياساتنا العامة ونظامنا السياسي، ومنها قرارات الحكومة المذكورة، وتفكيك المزاعم التي تهدد ركائزه.
الزعم الأول: هو أن سبيل لبنان ليكون دولة عادية هو حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية
لكن هل نظامنا السياسي عادي بالأساس؟
1- التوافقية التي هي عماد هذا النظام، تشكّل بالتعريف استثناء عن القاعدة التي تقوم عليها الأنظمة السياسية، استثناء قد يكون مفهومًا أو مبررًا لكنه يناقض مبدأ المساواة الواجب احترامه في النظم السياسية. قد تحقّق التوافقية الاستقرار وتجلب رضا الجماعات عن العقد السياسي وتقلل مخاوفها تجاهه، لكنها بما تنطوي عليه من تمييز بين المواطنين، تتعارض مع أبسط قواعد الليبرالية السياسية التي نصف بها نظامنا، التي نتغنّى بها، ومنها أن يعبّر الدين عن نفسه في المجال السياسي العام بلغة عمومية لا تتصف بالخصوصية.
2- ونظامنا السياسي أيضًا قائم على استثناء داخل الاستثناء. فما زلنا منذ أربعة عقود ونيف في جمود ميثاقي ودستوري. لم نضع بعد الخطة المرحلية لإلغاء الطائفية السياسية ولم تُنّفذ بعد المواد 95 و22 و24 من الدستور، ولم يُطبق من بنود وثيقة الوفاق الوطني/ اتفاق الطائف، ومعظمها صار مواد دستورية، إلا ما أنهى الحرب الأهلية وحقّق قدرًا من التمثيل العادل للطوائف في تشكيل الوزارة والمناصفة الطائفية والنسبية المذهبية في توزيع مقاعد مجلس النواب.
3- ونظامنا السياسي في حالة استثناء أيضًا، لأنه أخفق في تأدية وظائفه الأساسية في رعاية شؤون المواطنين ولم يعالج ما يجب معالجته من ثغرات تحقق الانسيابية في تشكيل السلطة وتداولها واتخاذ القرارات وتطبيقها، ويحافظ في الوقت نفسه على ميثاق العيش المشترك. والأمثلة كثيرة على التعارض بين فعالية السلطة من جهة وسعة تمثيلها للجماعات من جهة ثانية، بل يمكن القول إن النظام ما زال عالقا بين فكي التعطيل أو المسّ بالميثاق.
الزعم الثاني: إن حصرية السلاح تخدم السيادة، وتكرّس إمساك الدولة بالقرار
لكن كيف ترسم السياسات العامة في هذا البلد؟ وبأيدي من؟
1. لا نملك سياسات دفاعية، وأقصى ما فعلناه بفضل جهود ما بعد الحرب الأهلية التي نجحت في توحيد الجيش اللبناني، هو تحديد من هو العدو، "إسرائيل" والإرهاب. لكن دون معرفة الصديق والخلط بينه وبين غيره (عند بعضهم صديقُ عدوي صديقي، وعدو عدوي عدوي!)
والسؤال العالق كيف يُواجه هذان العدّوان؟ ومن خلال أي استراتيجية؟ لنتذكر أن أي تسليح يهدد التفوق المطلق للكيان الإسرائيلي ممنوع، وحتى في المنح والمعونات العسكرية التي تصلنا من الأميركيين وغيرهم، تُفكّك المعدّات التي تحمل بنظرهم أبسط تهديد للكيان، بل إنّ السلاح الذي حصلنا عليها بدعوى مواجهة الجماعات المسلّحة في الداخل أو على الحدود، قُيِّد استعماله بشروط حازمة واستُردّ معظمه بعد القتال.
ولم يكن لنا في لبنان والمنطقة في مواجهة هذا القهر الاستراتيجي الذي نتعرض له، وأبرز تجلياته جعل دولنا منزوعة السلام، إلا أن يكون لنا طرقنا الاستثنائية في حفظ السيادة والدفاع عن الحدود، والمقاومة على رأس ذلك.
2. وسياساتنا الخارجية غير مستقرة ومنقوصة الاستقلالية، وتنتقل من مبدأ إلى آخر دون تبصر وعمق في فهم مرامي الأشياء، فعبرنا ذهابًا إيابًا في السياسة الخارجية بين الحياد والنأي بالنفس وسياسة الأحلاف والعلاقات المميزّة والوصاية تحت مسميات التضامن العربي تارة والعلاقات المميزّة وتلازم المسارات تارة أخرى، دون أن تكون لنا بَصّمتنا الخاصة وفعلنا المستقل.
وهذا هو حالنا اليوم، لا نملك عقيدة متماسكة ومتسّقة ومحلّ إجماع في السياسة الخارجية، بل عبارات، يُراد منها شيء واحد، مهما كان الشعار، نقل لبنان من ضفة إلى أخرى، ومن فهمٍ للعلاقات الإقليمية إلى فهم آخر.
3. والسياسة الاقتصادية فاقدة، لأدنى مقومات السيادة، ترهن البلد إلى خيارات منحازة ولا تراعي المصلحة العامة، فلم نستفد من الفرص الوفيرة في الاستثمار والمشاريع الكبرى الآتية من الشرق، وجعلنا التمويل بالدين بديلَ التمويل بالإيرادات الحقيقية، والتمويل الخارجي الباهظ الكلفة بديل التمويل الذاتي الداخلي، ولم نبذل ما يجب من جهد لحماية مواردنا الطبيعية وحفظها واستثمارها، واستسلمنا للعقوبات وجعلناها جزءًا من سلتنا القانونية عوض مقاومتها.
والزعم الثالث: إن حصرية السلاح تقود الى الاستقرار والوفرة.
لكن كيف يكون الاستقرار وحصر السلاح يُربط، في لبنان وفلسطين، بمسائل تشكّل خطرًا وجوديًا، كالهندسة الاجتماعيّة والثقافيّة والأيديولوجيّة لمجتمعات المقاومة، وكالسعي للقضاء على بنياتها المدنيّة، وفتح النقاش بشأن جذورها الثقافيّة بغرض استئصالها.
وكيف يأتي الأمن والوفرة، ونحن نرى تأرجح الدول التي قدمت سيادتها وسياساتها على طبق من فضة لأعدائها، عند حافة الانهيار السياسي والأمني والتمزق والفقر.
وإذا كان الزعم الرابع هو أن السلاح يمسّ بالمساواة بين اللبنانيين، فإنّ المقاومة بصفتها الدفاعية فعلٌ غير قابل للقسمة ولا يمكن تجزئة آثاره ومفاعيله، في حماية البلد ومنع استلابه واستتباعه، بين المناطق والفئات والجماعات.
وعليه، إنّ النقاش في ميثاقية ومشروعية قرارات الحكومة، بشأن حصريّة السلاح يأتي في سياق الدفاع عن مرتكزات الدولة والنظام:
- دفاعٌ عن العقد السياسي الذي قام عليه البلد.
- ودفاعٌ عن الدستور ما دام أن الميثاق صار جزءًا منه.
- ودفاعٌ عن إمساك الدولة وسيطرتها على السياسات العامة.
- ودفاعٌ عن الاستقرار المرتبط بالتوازن والمتحقق به.
- ودفاعٌ عن المؤسسات التي إن لم تكن ميثاقية فلن تكون أبدًا.
- ومن ثمّ دفاعٌ عن شرعية المقاومة ومشروعيتها، بكونها التجربة الوطنية الأكثر عمقًا في الرد على الأسئلة الكيانية، والتعامل مع التهديدات الوجودية.
الورقة الأساسية
قرار الحكومة بـ "حصر حيازة السلاح بيد الدولة وحدها" نقاش في الميثاقية والشرعية / د. محمد طي
اتّخذت الحكومة اللبنانيّة في جلستها يوم الخميس في 7 آب الجاري قرارًا قضى ب"حصر حيازة السلاح بالدولة وحدها"، أي بسحب سلاح المقاومة، وذلك في ظلّ استمرار العدوّ بعمليّات الخرق والقتل والتفجير والهدم في الجنوب وفي غير الجنوب.
إنّ هذا القرار يجعل لبنان مكشوفًا قانونًا وواقعًا أمام قوّات العدوّ؛ قانونًا بجعل هذا السلاح خارجًا على الشرعيّة، وتسهيل الانقضاض عليه؛ وواقعًا بنزع الوسيلة التي يمكن أن يواجه بها لبنان العدوّ عندما يريد مهاجمته. وهو يتجاهل دفاع المقاومة الإسلاميّة عن البلاد منذ 1982، والمقاومات السابقة منذ الستينيّات، التي أدّى كفاحها جميعًا وما قدّمته من تضحيات وشهداء، إلى تحرير لبنان من الاحتلال.
وفي المقابل فإنّه لا الحكومات السابقة ولا هذه الحكومة، حاولت تقوية الدولة وتقوية الجيش كي يحافظ على الوطن ويدافع عن شعبه.
وفيما يلي، سنعالج مدى مشروعيّة هذا القرار وشرعيّته.
السلطة والمقاومة
تقوم المقاومات الوطنيّة في العالم في مواجهة الاحتلال عندما لا تستطيع السلطة بقوّاتها الرسميّة الاضطلاع بهذه المهمّة أو هي تقصّر في القيام بها أو تتآمر مع المحتلّ. فيكون دور المقاومة على النحو الآتي:
1-في الحالة الأولى، المساعدة، فتشكّل المقاومة جزءًا من القوّات المسلّحة حسب المادّة 13 من اتّفاقيّتي جنيف الأولى والثانية لسنة 1949 والمادّة 4 من الاتّفاقيّة الثالثة.
ويطلق على عناصرها في الموادّ المذكورة أعلاه "أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوّعة الأخرى، بما فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظّمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع".
2- الحالة الثانية، القيام منفردة بواجب مقاومة العدوّ .
3- في الحالة الثالثة، مواجهة العدوّ والحكومة معًا، كما حصل في فيتنام، وتذكر هؤلاء المقاومين المادّة 1 الفقرة 4 من البروتوكول الأوّل. التي تنصّ على أن تتضمّن الأوضاع التي نصّت عليها المادّة الثانية المشتركة فيما بين هذه اتّفاقيات جنيف «المنازعات المسلّحة التي تناضل بها الشعوب ضدّ التسلّط الاستعماريّ والاحتلال الأجنبيّ وضدّ الأنظمة العنصريّة. وذلك في ممارستها لحقّ الشعوب في تقرير المصير".
الوضع في لبنان
فشل الحكم في مواجهة العدوّ
تميّز الوضع في لبنان على مدى تاريخه بفشل الحكومة في مواجهة العدوّ الصهيونيّ، بل وفي عدم رغبتها في الدفاع عن الحدود وعن المواطنين وأرزاقهم. وكان شعارها: "قوّة لبنان في ضعفه"، وأسلوبها هو التوسّل إلى الغرب وخاصّة أميركا لردع العدوّ، ولكن دون طائل. وحتّى قرارات مجلس الأمن، كالقرار 425 الذي صدر بعد عدوان 1978، كان العدوّ يستخفّ بها، بل ويكرّر بعدها عدوانه وبشكل أكثر خطورة وهمجيّة، كما في اجتياح 1982.
لقد كان العدوّ، منذ ما قبل إنشاء كيانه، يشنّ الاعتداءات على لبنان، من مجزرة حولا عام 1948، حتّى مجازر اليوم التي لمّا تتوقّف. فتستبيح السيادة وتقتل الناس وتدمّر أرزاقهم. فما الحلّ؟
إنّ أبسط المبادئ القانونيّة، بل والإنسانيّة تقضي بالدفاع عن النفس والمال، ناهيك بالسيادة والكرامة. من هنا كان حمل السلاح.
شرعيّة السلاح ومشروعيّته
تتأتّى شرعيّة السلاح ومشروعيّته من وظيفته، فإذا كان يُستخدم لارتكاب جرائم القتل والسرقة وغيرها فهو سلاح مجرم يجب قتال حامليه ومصادرته وإحالتهم إلى المحاكمة (قانون العقوبات اللبنانيّ، الكتاب الثاني، الباب الثامن، الفصل الأوّل م547-559)
وإذا كان يُحمل لمساندة العدوّ وتسهيل احتلاله، فهو سلاح خيانة، يجب قتال مستخدميه ومحاكمتهم أمام المحاكم العسكريّة (قانون العقوبات، الكتاب الثاني، الباب الأوّل، الفصل الأوّل، م 273-275).
وإذا كان السلاح يُحمل للدفاع عن النفس والمال والكرامة والسيادة، فهو سلاح شرعيّ ومشروع.
في نظر القانون الدوليّ
هو سلاح شرعيّ لأنّه يقاوم المحتلّ لتحرير الأرض والتمكين من ممارسة حقّ تقرير المصير الذي يكفله ميثاق الأمم المتّحدة والعشرات من قراراتها.
فالميثاق ينصّ في ديباجته على أنّنا(شعوب الأمم المتّحدة) "نكفل بقبولنا مبادئ معيّنة ورسم الخطط اللازمة لها ألاّ تُستخدم القوّة المسلّحة في غير المصلحة المشتركة".
وجاء في المتن(م2/4): "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدوليّة عن التهديد باستعمال القوّة أو
استخدامها ضدّ سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسيّ لأيّة دولة أو على أيّ وجه آخر لا يتّفق ومقاصد الأمم المتّحدة".
أمّا القرارات، فمن أهمها:
-الإعلان رقم 1514 بتاريخ 14 كانون الأول/ ديسمبر 1960 الذي يرى أنّ إخضاع الشعوب يشكّل إنكارًا لحقوق الإنسان الأساسيّة ولميثاق الأمم المتّحدة، الذي يحثّ على اتّخاذ التدابير الضروريّة لضمان وصول الشعوب إلى حكم نفسها دون تحفّظ.
- القرار 2649 بتاريخ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر1970 بشأن عدم شرعيّة حرمان الشعوب المستعمرة،
وخاصّة شعب جنوب أفريقيا وفلسطين، من الحقّ في تقرير المصير.
- القرار 3034 بتاريخ 18 كانون الأوّل/ديسمبر 1972 الذي يؤكّد شرعيّة النضال من أجل التحرّر.
- الإعلان رقم 3103، كانون الأوّل/12 ديسمبر 1973 الذي يحدّد المبادئ الأساسيّة للمناضلين من أجل الحريّة، فينصّ على:
أ-أنّ نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعماريّة الأجنبيّة والأنظمة العنصريّة، في سبيل تحقيق حقّها في تقرير المصير والاستقلال، هو نضال شرعيّ ويتّفق مع مبادئ القانون الدوليّ
ب-أنّ أيّ محاولة لقمع هذا النضال، مخالفة لميثاق الأمم المتّحدة ولإعلان مبادئ القانون الدوليّ الخاصّة.
بالعلاقات الودّية والتعاون الدوليّ.
ومن القرارات التي تؤكّد على التحرّر وحق تقرير المصير: 2778 (1972)، 2599 (1972)، 3070 (1973)، 3089 (1973)، 3246 (1974)... 65/201 (2010)، 65/222 (2010)، 67/373 (2013)...
كما كُرّس حقّ تقرير المصير في العهدين الدوليّين للحقوق المدنيّة والسياسيّة والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافيّة:
م1: " 1. لجميع الشعوب حقّ تقرير مصيرها بنفسها. وهي بمقتضى هذا الحقّ حرّة في تقرير مركزها السياسيّ وحرّة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ.
ونظرًا لتواتر هذا الحقّ وتوفّر الإجماع عليه، أصبح من المبادئ القطعيّة jus cogens في القانون الدوليّ الإنسانيّ .
في نظر القانون اللبنانيّ
قضى اتّفاق الطائف في القسم ثانيًا، تحت عنوان: "بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانيّة":
تقوم حكومة الوفاق الوطنيّ بوضع خطّة أمنيّة مفصّلة مدّتها سنة، هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانيّة تدريجيًّا على كامل الأراضي اللبنانيّة بواسطة قوّاتها الذاتيّة". هذه الفقرة كانت موجّهة إلى الوجود السوريّ في لبنان، كما ورد في مذكّرة ما سمّي: "كتلة نوّاب الشرقيّة" التي قدّمت إلى سعود الفيصل في مؤتمر الطائف .
وتتّسم خطوطها العريضة بالآتي:
1- الإعلان عن حلّ جميع المليشيات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانيّة خلال ستّة أشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطنيّ وانتخاب رئيس الجمهوريّة وتشكيل حكومة الوفاق الوطنيّ، وإقرار الإصلاحات السياسيّة بصورة دستوريّة.
إلّا أنّه بخصوص المقاومة، فقد أشاد بها البيان الختاميّ للجنة الثلاثيّة التي رعت اتّفاق الطائف ، ما يدلّ على أنّ المقصود بالميليشيات تلك التنظيمات التي كانت تقتتل في الداخل وخاصّة تلك التي كانت تقاتل الجيش اللبنانيّ، إذ ليس صدفة أن يبدأ العمل لعقد اجتماعات الطائف في حمأة هجوم "القوّات اللبنانيّة" على الجيش اللبنانيّ.
3- تعزيز القوّات المسلّحة:
أ- إنّ المهمّة الأساسيّة للقوّات المسلّحة هي الدفاع عن الوطن، وعند الضرورة حماية النظام العامّ عندما يتعدّى الخطر قدرة قوى الأمن الداخليّ وحدها على معالجته.
ج- يجري توحيد وإعداد القوّات المسلّحة وتدريبها لتكون قادرة على تحمّل مسؤوليّاتها الوطنيّة في مواجهة العدوان الإسرائيليّ.
وقد حلّت جميع الميليشيات، لكن المقاومة لم يُطلب حلّها من قبل آباء الطائف العارفين بروح مقرّراته، والذين قرّروا- تحت القسم "ثالثًا":
ج- "اتخّاذ كافّة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانيّة من الاحتلال الإسرائيليّ." ولم يقم بهذه المهمّة في السابق ولا اليوم سوى المقاومة.
حقّ الدفاع عن النفس
الدفاع عن النفس يأتي في مقدمة ما تقوم به الكائنات الحيّة في مواجهة الاعتداء عليها. وهو أوّل حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. فإذا لم يتأمّن فلا فائدة لأيّ من الحقوق الأخرى . لهذا نراه مكرّسًا في القانون الدوليّ والقوانين الداخليّة لمختلف البلدان في العالم. وهي تشرطه بأن:
أ- يكون ردًا على اعتداء غير محقّ،
ب- ألّا يكون الاعتداء نتيجة استفزاز من قبل من يدّعي الدفاع عن النفس،
ت- أن يكون مباشرًا، لدفع المعتدي ومنعه من استكمال جريمته، فلا يكون بعد نهاية العدوان، لأنّ خطره المباشر يكون قد زال، وإلّا يكون انتقاميًّا، وهو محظور لأنّ يشكّل استيفاء للحق بالذات بدلًا من مراجعة القضاء، ما تحظره الموادّ 429-431 من قانون العقوبات اللبنانيّ.
ث- أن يكون متناسبًا مع فعل الاعتداء.
هذا الحقّ، وإن كان يمارسه الأفراد الذين يكونون ضحايا اعتداء، فما يمنع عندما يكون الخطر واسعًا من أن تقاومه الجماعات؟ إنّنا نرى لا شيء يمنع ذلك، ما دامت الغاية هي ردّ الاعتداء وحفظ الأنفس أو الأموال.
في القانون الدوليّ
جاء في ميثاق الأمم المتّحدة، م51: ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحقّ الطبيعيّ للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوّة مسلّحة على أحد أعضاء "الأمم المتّحدة" وذلك إلى أن يتّخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليّ.
كما أكّد مشروع الموادّ حول مسؤوليّة الدولة لسنة 2001، الحقّ في الدفاع عن النفس، إذ جاء نصّ المادّة 21 :
إنّ الدفاع عن النفس "يستبعد عدم شرعيّة (أي يعدّ شرعيًّا) أيّ إجراء يتمّ تنفيذه ضمن الحدود التي يفرضها القانون الدوليّ... ويستهدف الإجراء المتّخذ وفقًا لميثاق الأمم المتّحدة" .
في القوانين الداخليّة
جاء في قانون العقوبات اللبنانيّ، المادّة 184: "يعدّ ممارسة حقٍّ، كلّ فعل قضت به ضرورة حاليّة لدفع تعرّض غير محقّ ولا مثار على النفس أو الملك أو نفس الغير أو ملكه".
وجاء في قانون العقوبات الفرنسيّ، المادّة 5- 122:
"لا يُسأل جنائيًّا الشخص الذي، في مواجهة اعتداء غير مبرّر على نفسه أو على آخرين، يقوم في الوقت نفسه بفعل تقتضيه ضرورة الدفاع عن النفس عن نفسه أو عن الآخرين، ما لم يكن هناك تفاوت بين وسائل الدفاع المستخدم وخطورة الاعتداء".
الدفاع عن النفس والإجماع الوطنيّ
إنّ القضايا الوطنيّة تستلزم موقفًا إجماعيًّا أو شبه إجماعيّ من قبل الشعب، فهل كان الأمر كذلك في لبنان؟
الجواب بالنفي كما هو معروف. إذًا هل سقطت شرعيّة السلاح؟
الجواب: إنّ ما مَنَحَ الشرعيّة للسلاح، ليس التوافق الشكليّ ولا الموضوعيّ، بل مبادئ القانون والقانون الدوليّ والقانون الداخليّ والخطر المحدق والآنيّ والمباشر، كما بيّنّا. فإذا لم تقم بعض الفئات بالمشاركة في الدفاع عن الوطن أو رفضت ذلك، فتكون مقصّرة، ولا يبنى على موقفها، على أساس أنّ عدم قيام بعضهم بواجبه لا يصبح قاعدة حتّى لو كان هذا "البعض" يشكّل أغلبيّة، إذ ليس من الواجب أن يسلّم المعرّض للاعتداء نفسه وأطفاله للقتل ويجعل مستقبله ورزقه ووسائل معيشته رهن إرادة العدوّ. فالمحلّ هنا ليس محلّ تصويت ودمقراطيّة شكليّة، لأنّ ذلك يأتي بعد سلامة الإنسان وسلامة الوطن وتحقيق سيادته. فالدمقراطيّة ورأي الأغلبيّة يدخل في تنظيم العيش المشترك، والنظام يُقَرّ في وطن قائم محفوظ المقوّمات: الشعب والأرض والسلطة السيّدة. فإذا لم يحفظ مقوّم من هذه المقوّمات، فلا نكون حيال وطن، فكيف إذا لم تحفظ كلّها؟!
لكلّ ما سبق فإنّ سلاح المقاومة لا يتمتّع بالشرعيّة وحسب، بل وبالمشروعية لأنّه يأتي تلبية لكلّ الحقوق المذكورة أعلاه، ولأنّه يأتي في سياق ما تقوم به الشعوب الحرّة من دفاع عن أوطانها، وما يقوم به أيّ إنسان يتعرّض للقتل أو حتّى للحرمان من وسائل معيشته، من دفاع عن النفس.
قرار الحكومة ب"حصر حيازة السلاح بالدولة وحدها"
هذا القرار الذي يقضي، كما تريد الحكومة، بتجريد المقاومة من سلاحها، في ظلّ عجز السلطة عن الدفاع عن الوطن وخاصّة عن جنوبه وعن شعبه، هو حرمان للبنان من قوّته وكشفه للعدوّ الذي لن يتورّع عن استباحته، لا سيّما بعد أن أكّد نتنياهو نواياه بالسيطرة على المنطقة بما فيها لبنان.
لقد أتى قرار الحكومة فاقدًا للمشروعيّة لأنّه فاقد للشرعية الوطنيّة، وللشرعية الميثاقيّة، وللشرعيّة الدستوريّة، وللشرعية القانونية، وللشرعيّة الأخلاقية، وللشرعيّة الإنسانيّة.
الشرعيّة الوطنيّة: إنّ أوّل ما استهلّ به القسم الثاني من وثيقة الطائف (ثانيًا)، تحت عنوان "بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانيّة" هو "تمّ الاتّفاق بين الأطراف اللبنانيّة على قيام الدولة القويّة القادرة". وسيادة الدولة تفرض الدفاع عن الوطن وصيانة استقلاله وسيادته وموارده وحماية أبناء شعبه والحفاظ على وسائل معيشتهم؛ على هذا تقوم الشرعيّة الوطنيّة.
وهذا ما تفرّط به الحكومة الحاضرة، عندما تحاول منع أبناء الشعب من القيام بهذه المهمّات، بدلًا من أن تدعم كلّ مبادرة تقوم بها قوّة شعبيّة وتقيم تنسيقًا وتكاملًا بينها وبين الجيش اللبنانيّ.
من هنا فهي فاقدة للشرعيّة الوطنيّة.
الشرعيّة الميثاقيّة: إنّ قرار الحكومة بنزع سلاح المقاومة لم يقرّره المجتمعون في الطائف، ولم يفعله آباء الطائف بعد عودتهم إلى لبنان، وقد قضت وثيقة الطائف في القسم (ثالثًا/ج) بـ "اتّخاذ كافّة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانيّة من الاحتلال الإسرائيليّ".
كما أنّ الحكومة تتناسى ما قضت به وثيقة الطائف من واجب إعداد القوّات المسلّحة حتّى تصبح قادرة "على تحمّل مسؤوليّاتها الوطنيّة في مواجهة العدوان الإسرائيليّ".
وإلى كلّ هذا فإنّ مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات البلد، يشكّل ما بين حوالي 35% من أبنائه، رفض هذا القرار، وأنّ 60% من اللبنانيّين، بحسب آخر استطلاع للرأي ، يؤيّدون الإبقاء على سلاح المقاومة، من هنا فإنّ قرار الحكومة مخالف لوثيقة الطائف، فهو لهذه الأسباب يكون فاقدًا للشرعيّة الميثاقيّة.
الشرعيّة الدستوريّة: تقوم الشرعيّة الدستوريّة على الانسجام مع أحكام الدستور، والدستور اللبنانيّ مكوّن من المقدّمة التي أقرّت في اتّفاق الطائف، والفصول الأخرى؛ والمقدّمة تعدّ جزءًا من الدستور وأحكامها ذات قيمة دستوريّة، كما قضى المجلس الدستوريّ .
وقد جاء في الفقرة "ي" من هذه المقدّمة:
- "لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
ولمّا كانت الحكومة قد ناقضت ميثاق العيش المشترك باتّخاذها قراراً يخالف موقف مكوّن أساسيّ من
مكوّنات لبنان، يؤيّده 60% من الشعب اللبنانيّ، من هنا يكون قرار الحكومة فاقدًا للشرعيّة الدستوريّة
الشرعيّة القانونيّة: لأنّ قرار الحكومة يقضي بحرمان من يتعرّضون للعدوان من وسائل الدفاع عن النفس، والذي يقرّه القانون اللبنانيّ والقوانين الدوليّة والوطنيّة في مختلف بلاد العالم، كما تقضي به الشرائع السماويّة، فهو فاقد للشرعيّة القانونيّة.
الشرعيّة الأخلاقية: يقضي الحسّ الأخلاقيّ بمساعدة من يتعرّض للاعتداء بقدر الطاقة ، فإن لم تكن المساعدة بالدفاع بالقوّة ممكنة، فبرفع الصوت والاستنكار وبذل الجهد مع من يمكن أن يساعد. إلّا أن حكومة نوّاف سلام، لم تتخلَّ عن هذا الواجب الأخلاقيّ وحسب، بل هي راحت تمكّن العدوّ من رقاب اللبنانيّين بحرمان من يمتلكون القوّة ويتصدّون للعدوان من أسباب قوّتهم، من هنا فهي فاقدة للشرعيّة الأخلاقيّة.
الشرعيّة الإنسانيّة: إنّ الطبيعة الإنسانيّة تجعل البشر يتعاطفون مع بعضهم، ويتألّمون لمن يقعون في الكوارث، وما التظاهرات المؤيّدة لسكّان غزّة والشاجبة لجرائم العدوّ إلّا الدليل على ذلك. أمّا حكومتنا فلا تكترث جدّيًّا بقتل وتهجير مئات الآلاف من البشر، بل وتعمل على تسهيل ذلك. من هنا فهي فاقدة للإحساس الإنسانيّ وللشرعيّة الإنسانيّة.
الفشل الاستراتيجي: تخطّط الدول لمستقبلها القريب والمتوسّط والبعيد، لكنّ سلطات لبنان، باستثناء ما حاوله الرئيس فؤاد شهاب، لم ترَ نفسها مضطرّة إلى ذلك، فتركت الدولة تسير من يوم ليوم حسب ما تشاء لها الأقدار. أمّا حكومة اليوم فطرحت على نفسها إقامة "دولة قادرة وعادلة، عصريّة وفاعلة"، ولمّا كان العدوّ الصهيونيّ متربّصًا بهذه الدولة، فهي تقول إنها "ستلتزم بالكامل مسؤوليّة أمن البلاد، والدفاع عن حدودها وثغورها، دولة تردع المُعتدي، تحمي مواطنيها وتُحصّن الاستقلال". ولكن من أين تأتي بالقوّة والعدوان قائم؟ وهل سيسمح العدوّ بقيام هذه الدولة "القادرة"؟ تعلّمنا التجربة أنّ العدوّ لن يسمح بذلك، فهو يمنع امتلاك القوّة في أيّ دولة في منطقتنا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وتجربته مع العراق بتدمير مفاعل تمّوز سنة 1981، ومحاولاته المستميتة للقضاء على البرنامج النوويّ السلميّ الإيرانيّ، وكذا تجاربه مع سوريا في العقود الأخيرة، لا سيّما ما يقوم به اليوم، أبلغ دليل على ما نقول.
من هنا فإنّ ما أعلنت الحكومة عنه من إقامة الدولة القادرة والتي ستردع العدوّ، سيكون العدوّ له بالمرصاد، فلا يبقى أمامها سوى دول الغرب وخاصّة أميركا، كي تمدّها بالقوّة؛ غير أنّه من المعروف أنّ هذا الغرب ليس مستعدًّا لمدّ جيش لبنان بالوسائل التي تمكّنه من مواجهة العدوّ، والسلطة لا تملك الجرأة للتوجّه إلى دول غير الدول الغربيّة. لذا فإنّ خطّتها، بل قل حلمها ببناء الدولة المرجوّة لن يتحقّق. فإذا أصرّت على حصر السلاح ب"الدولة"، وهو سيكون سلاحًا لا يعتدّ به لمواجهة التهديد الصهيونيّ، وسُحب سلاح المقاومة، فسيتحوّل لبنان إلى دولة يتحكّم بها العدوّ، ولن يسمح لها لا بالتقدّم ولا بالازدهار إلًا ضمن الهامش الذي لا يضرّ بمصالحه. وهكذا تكون السلطة أمام فشل طويل الأمد، إذًا، ستكون أمام لا شرعيّة استراتيجيّة.
أوراق العمل
قرار الحكومة بشأن حصرية السلاح بيدها مقاربة قانونية متعددة الأبعاد / د. حسين العزي
مقدمة
منذ معاهدات وستفاليا في العام 1648، مرورًا بالتنظيم الدولي الحديث بعد قيام النظام الأممي في العام 1945 ولغاية اليوم، يعدّ مبدأ سيادة الدولة على إقليمها أبرز خصائص الدولة الحديثة، وقد تعرّض المبدأ لتغيّرات جوهرية لجهة انحسار نطاقه، إلا انه ما زال القالب القانوني المقدس للدولة والمعبر عن قوتها وسلطتها في علاقاتها مع الفواعل الأخرى دوليًا ووطنيًا.
في الخامس من آب للعام 2025 أصدرت الحكومة اللبنانية قرارًا قضى ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحصر السلاح بيدها، يطرح هذا القرار إشكالية قانونية مركّبة ومعقّدة، تقع عند تقاطع مبدأ سيادة الدولة الراسخ في الدستور، والواقع السياسي والأمني الذي أفرزه الاحتلال الإسرائيلي والذي تسبب في قيام حركات المقاومة في لبنان والمنطقة. إن جوهر هذه الدراسة ليس تقويم الخيارات السياسية أو الأيديولوجية، بل هو تقديم تحليل قانوني مجرد لميثاقية وشرعية هذا القرار، أي مدى توافقه مع المنظومة القانونية الوطنية والدولية التي تحكم الدولة اللبنانية.
تتجاذب هذه المسألة ثلاث ركائز رئيسية:
أولًا، المبدأ المطلق لسيادة الدولة الذي يفترض احتكارها الشرعي لاستخدام القوة، وهو حجر الزاوية في بناء أي دولة حديثة.
ثانيًا، الحق في مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس، وهما حقان يعترف بهما القانون الدولي العام، ولكن بشروط محدّدة،
ثالثًا، الالتزامات المحددة والمباشرة على الدولة اللبنانية باعتبارها دولة مسؤولة أمام مواطنيها. إن تقويم مشروعية القرار الحكومي يقتضي الموازنة الدقيقة بين هذه الركائز، وتحديد أيها يمتلك الأسبقية في التطبيق وفقًا لقواعد القانون.
لم يكتفِ اتفاق الطائف بترسيخ المبادئ الكلاسيكية للسيادة، بل أضاف إليها بعدًا لبنانيًا خاصًا يتمثل في "ميثاق العيش المشترك"، إذ تنص الفقرة (ي) من مقدمة الدستور على أنه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". هذا المبدأ، الذي قد يبدو سياسيًا في ظاهره، يحمل أبعادًا قانونية عميقة.
تعالج هذه الدراسة قرار الحكومة بحصر السلاح بيدها من خلال طرح الإشكالية الآتية: ما مدى ميثاقية قرار الحكومة بحصر السلاح بيدها في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجزء من تراب الوطن، وهل تصمد شرعيته إذا ما اصطدم بمبدأ حق تقرير المصير من منظور القانون الدولي؟
إن أي تقييم لميثاقية قرار الحكومة وشرعيته يبدأ بالعودة إلى المصادر التأسيسية التي تحدد شكل الدولة وطبيعة سلطتها. في الحالة اللبنانية، يشكل الدستور، المعدل بموجب وثيقة الوفاق الوطني، والإطار التشريعي النافذ، منظومة متكاملة لا تترك مجالًا للشك حول مبدأ سيادة الدولة واحتكارها امتلاك القوة المسلحة واستخدامها، ومبدأ الحق في تقرير المصير المنبثق عن التزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي.
وبناء عليه لمعالجة الإشكالية التي يطرحها قرار الحكومة حصرية السلاح بيدها في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجزء عزيز من تراب الجنوب، لذا اخترنا أن نفكّك تلك الإشكالية الى أربع فقرات على النحو الآتي:
الفقرة الأولى: مستوى القوة الإلزامية لمبدأ الميثاقية وفقًا للفقرة "ي" من الدستور اللبناني
إلى جانب مبدأ السيادة، أدخل اتفاق الطائف مبدًا آخر ذا أهمية قصوى وهو "ميثاق العيش المشترك". يُشكّل هذا المبدأ حجر الزاوية للنظام السياسي اللبناني، وهو مبدأ دستوري منصوص عليه في الفقرة “ي” من مقدمة الدستور التي تنص على أنّه: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». هذه العبارة لم ترد كصيغة إنشائية أو شعارية، بل كقاعدة ذات أثر إلزامي تعلو مبدئيًا في قيمتها على القوانين العادية، وتشكل معيارًا للشرعية الدستورية.
تاريخيًا، تبلّور هذا المبدأ مع الميثاق الوطني لعام 1943، الذي أسّس لتوازن في السلطة بين الطوائف الكبرى الثلاث: الموارنة، السنّة، الشيعة، في صيغة توافقية غير مكتوبة، ثم أعاد اتفاق الطائف (1989) تكريسه بنصوص واضحة أدرجت في الدستور، ويصفه الفقيه الدستوري العلاّمة إدمون رباط بأنه أحد أوجه "العقد الاجتماعي اللبناني" الذي يجعل من المشاركة المتوازنة شرطًا جوهريًا لوجود الدولة واستمرارها .
وعند إدخال التعديلات الدستورية عام 1990 التي أقرّتها وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، شرح الفقيه ربّاط المبادئ الجديدة، ومنها الفقرة (ي)، معتبرًا أن المبدأ الذي نصت عليه الفقرة "ي" يشكّل سلاحًا حادًا قد يُستخدم لمساءلة أي رئيس جمهورية أو حكومة أو مسؤول إذا ما بدت من سياساته بوادر انقسام طائفي، وبالتالي يعرّضه لفقدان الشرعية الميثاقية.
وتفيد عبارة «أي سلطة غير شرعية» أنّ التصرّفات التي قد يقوم بها من بيده القرار وتؤدي إلى مشاكل طائفية أو انقسامات مذهبية، هي تصرفات غير شرعية وفاقدة للميثاقية. فالميثاقية في لبنان هي مبدأ سياسي يقوم على أساس التوافق والتمثيل العادل لجميع الطوائف والمذاهب الدينية في الحياة السياسية والعامة، وتهدف إلى تحقيق التوازن والوحدة الوطنية من خلال ضمان مشاركة جميع المكوّنات في صنع القرار، وقد اعتبرها أرند ليبهارت آلية لضبط الصراع في المجتمعات التعددية . لقد تحوّلت فقرة "العيش المشترك" من مبدأ فلسفي يهدف إلى الوحدة الوطنية إلى ما يشبه حق النقض (الفيتو) السياسي غير المدوّن، لصالح المكوّن المستهدف بأي قرار غير ميثاقي، يستعمله لحماية كيانه ووجوده داخل المنظومة السياسية للدولة اللبنانية.
ويؤكد الفقه الدستوري اللبناني والاجتهاد أن نصوص مقدمة الدستور لها القيمة القانونية نفسها التي لمواد الدستور، وهي ملزمة للسلطات كافة ، بينما يعتبرها الفقيه ربّاط ميثاقًا دستوريًا أسمى (فوقيًا) لا يجوز المسّاس به إلا بإجماع وطني شامل، فهي برأيه تحمي الدولة من "دكتاتورية العدد"، كما يرى القاضي مثل طارق زيادة أن خرق الفقرة "ي" يشكّل انتهاكًا لمبدأ دستوري سامٍ وربما "فوق دستوري” Suprer Constitutional، أي أنها تسمو على سائر نصوص الدستور العادية . فالميثاقية إذن هي الركن الموضوعي للشرعية السياسية، وهي شرط لازم إلى جانب المشروعية القانونية: فالقرار قد يكون قانونيًا شكلًا لكنه غير شرعي إذا افتقد الميثاقية.
وفي التطبيق العملي، كان للمجلس الدستوري تفسيرٌ واضح لمعنى العيش المشترك، فجاء في حكمه رقم 5/2002 أن الحرص على المبدأ الدستوري الوارد في الفقرة (ي) يعني أنّه “لا يستقلّ التمثيل الشعبي أي تمثيل، في ظل أوضاع تهدّد صيغة هذا العيش التوافقية والميثاقية التي ارتضاها الشعب اللبناني صاحب السيادة ومصدر السلطات .
وعليه، فميثاق العيش المشترك هو أكثر من نص في مقدمة الدستور؛ إنه التعبير الدستوري عن العقد الاجتماعي الذي أسّس لبنان المعاصر، وبالتالي فإن إقصاء أي طائفة كبرى عن القرار يفقده الشرعية الميثاقية ويخلع المشروعية عنه بسبب تهديده للسلم الأهلي اللبناني.
الفقرة الثانية : جدلية الشرعية والمشروعية: الحالة اللبنانية كنموذج تحليلي
وقع قرار الحكومة اللبنانية الرامي إلى حصر السلاح بيدها وحدها بين مطرقة الشرعية وسندان المشروعية، إذ أن الوقائع التي رافقت إقراره لجهة تفرّد الحكومة بإقراره دون رضا مكوّن لبناني أساسي، والمعبر عنه بغياب الوزراء الذين يمثلون الطائفة الشيعية في البرلمان والحكومة، بات لزامًا من الناحية القانونية ضرورة معالجة القرار من منظور الشرعية والمشروعية ، ولاسيما في ظل وجود احتلال لأراضٍ لبنانية، وفي ظل عجز مزمن للدولة عن توفير متطلبات الأمن وعن حماية شعبها وإقليمها بحسب ما تثبته التجربة الطويلة منذ سبعة عقود من النزاع المسلح بين لبنان والعدو الإسرائيلي. وعليه سنناقش في هذه الفقرة قرار الحكومة من منظور الشرعية والمشروعية وذلك على النحو الآتي:
1. الإطار النظري: التمييز المفاهيمي بين الشرعية والمشروعية
يتطلّب التحليل العميق لبنية السلطة السياسية تمييزًا منهجيًا دقيقًا بين مفهومي الشرعية (Legality) والمشروعي (Legitimacy). فالشرعية، في جوهرها مفهوم قانوني-إجرائي يُعنى بمدى مطابقة ممارسات السلطة للنصوص القانونية الوضعية، كالدستور والتشريعات النافذة . أما المشروعية، فهي مفهوم سوسيولوجي-سياسي أوسع نطاقًا، إذ تتعلق بما هو جوهري في السياسة أي الحق في الحكم وتسعى لتقديم حل لمعضلة سياسية تتمثل في تبرير كل من السلطة السياسية وواجب الطاعة في آن واحد .
تتأسّس المشروعية على ثلاثة أركان متكاملة: الرضا، والقيم، والقانون . الرضا هو حجر الزاوية، فلا يمكن تأسيس علاقة حقوقية بدون قبول الأفراد المعنيين، إلا أن الرضا وحده لا يكفي، بل يجب أن يستند إلى محتوى قيمي يتفق عليه الأفراد، وهذا المحتوى هو ما تشكله الأعراف والمعايير والقيم الأساسية التي تعبر عن "هوية المجتمع" (the identity of a society) . وأخيرًا، يأتي القانون كأداة لترسيم شروط ممارسة السلطة بشكل مستقر. ولكن، لكي يكون القانون نفسه مشروعًا، يجب أن ينبع من هذه القيم المجتمعية ويحظى برضا الأفراد. وبالتالي، فإن اختزال المشروعية في مجرد الامتثال الشكلي للقانون هو طرح يتعارض مع جوهر فكرة المشروعية نفسها، التي تقوم على القبول الشعبي والإيمان بحق السلطة في الحكم .
2. دراسة الحالة: عجز المشروعية في الدولة اللبنانية
تُجسّد الحالة اللبنانية بوضوح هذا التوتر بين الشرعية الشكلية والمشروعية الواقعية. فالدولة اللبنانية، بموجب المادة 65 من الدستور اللبناني تحتكر الشرعية القانونية (de jure) في استخدام القوة المسلحة واتخاذ قرارات الحرب والسلم . لكن هذه الشرعية الرسمية تواجه عجزًا بنيويًا في مشروعيتها، نتيجة لقصورها التاريخي عن أداء وظيفتها السيادية الأساسية: حماية أراضيها ومواطنيها من الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة .
3. نشوء "مشروعية الأداء": البُعد المزدوج الأمني والاجتماعي
في سياق هذا القصور الوظيفي للدولة، تمكنت المقاومة بقيادة حزب الله من بناء مشروعية واقعية De Facto متينة لا تستند إلى أيديولوجيا مجردة، بل إلى "أداء" ملموس ذي بعدين متكاملين.
أ. الأداء السيادي-الأمني
تأسست الطبقة الأولى من هذه المشروعية على إنجازات استراتيجية عجزت الدولة عن تحقيقها، أبرزها تحرير جنوب لبنان عام 2000، وترسيخ معادلة ردع فعالة بعد حرب عام 2006 . لقد ملأت المقاومة بذلك ما يمكن وصفه بـ"فجوة مشروعية الأداء"(performance legitimacy gap) ، حيث أصبحت مشروعيتها كفاعل غير حكومي واضحة مقارنة مع محدودية قدرة الدولة على توفير الأمن لسكان مناطق الأطراف على وجه الخصوص، وهي الأكثر عرضة للمشاكل الأمنية والاقتصادية والبيئية.
ب. الأداء الحكومي-الاجتماعي
وفقًا لبعض الكتابات ، فإن الأداء الأمني وحده لا يفسّر عمق مشروعية حزب الله، لقد تم ترسيخ هذه المشروعية عبر بناء "شبكة شمولية ومتكاملة (holistic and integrated network) تعمل كبنية تحتية اجتماعية موازية للدولة، وتهدف هذه الشبكة إلى بناء "مجتمع المقاومة" ، ومن أبرز مكونات هذه الشبكة، التي تقوم بأدوار شبه دولتية:
• مؤسسات الرعاية الاجتماعية، كمؤسسة "الشهيد" التي ترعى عائلات الشهداء، وهيئة "الجرحى" التي تهتم بالمصابين وضحايا الحرب.
• الخدمات الصحية والتعليمية، عبر "الهيئة الصحية الإسلامية" التي تدير عشرات المراكز الطبية، و"المؤسسة التربوية" التي تشرف على شبكة من المدارس .
• الدعم الاقتصادي والبنية التحتية، من خلال مؤسسة "جهاد البناء" المعنية بالإعمار، وجمعية "القرض الحسن" التي توفر التمويل الصغير لجميع شرائح المجتمع اللبناني وأطيافه.
إن هذا الأداء الاجتماعي لا يقتصر على تقديم الخدمات المادية، بل يمارس وظيفة رمزية أعمق، تتمثل في تحويل الهوية الجماعية لفئات من اللبنانيين من الشعور بأنهم "محرومون" إلى "مستضعفين" يمتلكون القدرة على الفعل والمقاومة. وبذلك، تصبح المقاومة "منهج حياة" متجذرًا في البنية الاجتماعية، مما يمنح حزب الله مشروعية عميقة ومستدامة .
4. تكريس المشروعية في الشرعية: ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"
إن جدلية الشرعية والمشروعية في لبنان لم تبقَ في إطار الصدام النظري، بل شهدت محاولة فريدة لدمج المشروعية الواقعية للمقاومة ضمن الشرعية القانونية للدولة. تجسدت هذه المحاولة في إدراج صيغة "الجيش والشعب والمقاومة" في البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة، وهي الوثيقة التي تنال على أساسها الحكومة ثقة البرلمان وتصبح بمثابة برنامج عملها المُلزم.
لقد كرّس هذا الإدراج الرسمي اعتراف الدولة اللبنانية، بسلطتيها التشريعية والتنفيذية، بالدور الذي تؤديه المقاومة كونها قوة دفاعية أساسية إلى جانب الجيش. ويمكن تتبع تطور هذه الصيغة كالتالي:
• مرحلة التأسيس (ما بعد التحرير): بعد تحرير عام 2000، أقرت الحكومات المتعاقبة بـ"حق لبنان ومواطنيه في مقاومة الاحتلال".
• مرحلة استكمال التحرير (ما بعد 2005): في بيان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2005، تم التأكيد على "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير مزارع شبعا" .
• مرحلة التكريس (2008 وما بعدها): بعد اتفاق الدوحة، نص بيان حكومة 2008 بشكل صريح على "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء" . أصبحت هذه الصيغة، أو ما يشابهها، ثابتة في معظم البيانات الوزارية اللاحقة، مثل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2011 وحكومة الرئيس تمام سلام في العام 2014، التي أكدت على "حق المواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي وردّ اعتداءاته واسترجاع الأراضي اللبنانية" .
من منظور قانوني، يمثل هذا التكريس المتكرر في البيانات الوزارية إضفاء شرعية رسمية على دور المقاومة وسلاحها ضمن الإطار الدستوري للدولة. فالبيان الوزاري ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو وثيقة تلتزم بموجبها الحكومة تجاه البرلمان، وبالتالي فإن إقرارها بحق "المقاومة" يمنح هذا الحق غطاءً شرعيًا يجعل من أي محاولة لنزع سلاحها، دون توافق سياسي واسع، تحديًا ليس فقط لمشروعيتها الشعبية بل لشرعيتها التي استمدتها من السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد.
5. البُعد الدستوري للإشكالية: "ميثاق العيش المشترك" كقاعدة فوق-قانونية
تكتسب الجدلية أبعادًا دستورية أعمق عند تحليل مفهوم "ميثاق العيش المشترك"، الذي لا يمثل مجرد تسوية سياسية عابرة، بل هو العقد الاجتماعي المؤسس للكيان اللبناني، هذا الميثاق الذي تم تكريسه دستوريًا في مقدمة الدستور بعد اتفاق الطائف، يمثل الفلسفة التي يقوم عليها النظام برمته: التوافقية والعيش الواحد بين الطوائف المختلفة.
تنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور بشكل قاطع:على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". يحمل هذا النص دلالات قانونية وسياسية حاسمة من حيث القيمة الدستورية للمقدمة، إذ استقرّ الفقه والاجتهاد الدستوريين في لبنان على أن مقدمة الدستور ليست مجرد إعلان نوايا، بل هي جزء لا يتجزأ من الدستور وتتمتع بقوة إلزامية مساوية لقوة مواده . كما أن هذه الفقرة ترفع "العيش المشترك" من كونه مبدًا سياسيًا مرغوبًا فيه إلى كونه شرطًا للشرعية (condition of legality) ؛ أي أن أي سلطة (تنفيذية أو تشريعية) تصدر قرارًا أو قانونًا يُعدّ مناقضًا لأسس التوافق والعيش المشترك، فإن قرارها هذا يكون فاقدًا للشرعية الدستورية، وليس فقط للمشروعية السياسية ، وبالتالي يعدّ كأنه غير موجود ولا ينتج أي مفاعيل قانونية.
أما على صعيد التطبيق على قضية المقاومة وسلاحها، يُعدّ هذا السلاح من قبل شريحة واسعة عابرة للطوائف ومكون أساسي من المجتمع اللبناني ضرورة وجودية للدفاع عن النفس في ظل عجز الدولة. وبالتالي، فإن أي قرار أحادي من السلطة التنفيذية يهدف إلى تجريد هذا المكون من قدرته الدفاعية، دون حوار أو توافق وطني، يكون مخالفًا للدستور لأنه يناقض "ميثاق العيش المشترك" بسبب تهديده لأمن مكون أساسي من مكونات الوطن وتعريض وجوده لخطر وجودي، مما يخلّ بأسس الشراكة الوطنية .
بهذا المعنى، فإن "ميثاق العيش المشترك" يعمل كآلية دستورية لحماية التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها لبنان، ويضع قيدًا على مبدأ حكم الأكثرية، مؤكدًا أن القرارات المصيرية المتعلقة بالأمن القومي لا يمكن أن تكون شرعية إلا إذا كانت نتاج توافق وطني يعكس روح الميثاق، ويظهر هذا المبدأ إرادة المشرع باعتبار أن العيش المشترك مفاده أن مناط شرعية أي سلطة هو احترامها لميثاق العيش المشترك سواء أكانت تنفيذية أو تشريعية .
ونستخلص من هذه الفقرة، أنه في الحالة التي تعجز فيها الدولة عن ممارسة وظيفتها الحمائية الأساسية، فإن "مشروعية الأداء" التي يرسيها فاعل غير حكومي وهي هنا المقاومة قد تتفوق على "الشرعية القانونية" الشكلية للدولة. وفي الحالة اللبنانية، لم تكتسب المقاومة مشروعيتها من الأداء المزدوج (الأمني والاجتماعي) فحسب، بل تمكنت من ترجمة هذه المشروعية إلى شرعية رسمية كرستها الحكومات المتعاقبة في بياناتها الوزارية. علاوة على ذلك، فإن أي قرار أحادي يستهدف هذه القدرة الدفاعية يواجه تحديًا دستوريًا مباشرًا بموجب مبدأ "ميثاق العيش المشترك". وعليه، فإن قرار الحكومة باحتكار السلاح، دون امتلاك القدرة على الأداء، هو قرار مشوب في شرعيته ومشروعيته لأنه يفتقر إلى الشرعية الرسمية التي منحتها الدولة نفسها للمقاومة، ويفتقر إلى الشرعية الدستورية لمخالفته ميثاق العيش المشترك، ويفتقر إلى المشروعية السياسية لفشله في الاختبار الأساسي لأي حكومة، وهو حماية شعبها من العدوان الخارجي.
الفقرة الثالثة: التزاحم بين المبادئ الدستورية
قرار الحكومة بحصرية السلاح بيدها احتوى بمضمونه على مجموعة عناوين قانونية ودستورية يرتبط بعضها ببعض بعلاقات تكاملية حينًا وتزاحميًا حينًا آخر، فبين الميثاقية والشرعية الأصل هو التكامل، بينما بين مبدأ السيادة المتجسّد بحصر السلاح بيد الدولة العاجزة عن توفير الحماية من اعتداءات المحتل لجزء من مواطنيها قد يتزاحم مع حقهم في تقرير المصير والدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم. وعليه سنعرض في هذه الفقرة لموضوع التزاحم بين المبادئ القانونية الناظمة لقرار حصرية السلاح بيد الدولة وحدها، مع ما يصاحب ذلك التزاحم من نقاط قانونية تستوجب التوضيح كمفهوم " فجوة العدالة".
1. تشخيص حالة التزاحم بين المبادئ القانونية في قرار حصرية السلاح
تُعدّ حالات التزاحم أو التنازع بين المبادئ والقواعد القانونية من الإشكاليات الأكثر تعقيدًا التي قد يواجهها القضاء وخاصة المحاكم الدستورية، فقرار حصرية السلاح يشكل إحدى تلك الإشكاليات. فبينما يؤكد الدستور وجود إطار قانوني لدولة ذات سيادة واحتكار للقوة، يمكن لأي طائفة أساسية أن تحتج بالفقرة (ي) للقول إن هذا القرار على الرغم من استناده إلى نصوص دستورية صريحة كمبدأ السيادة، إلا أنه وُلد مناقضًا ل"ميثاق العيش المشترك" لأنه صدر دون إجماع وطني، بل ومرفوض من قبل طائفة أساسية أصيلة من مكونات النسيج الوطني اللبناني، وبنتائجه يؤدي الى استهداف مكون أساسي من مكونات الوطن ويهدد السلم الأهلي، نظرًا لعدم مراعاته لحق تلك الطائفة بالأمن باعتبارها هي المستهدف الرئيسي من وجود الاحتلال وهي التي لجأت الى المقاومة للدفاع عن حدود لبنان وعن جزء كبير من تراب الوطن غالبًا ما كان محتلًا ومازال، وبذلت على مدى عقود التضحيات الجسام في مواجهة وجودية لطالما نأت الحكومة بنفسها عنها لأسباب غير مبررة مستندة إلى مقولة "قوة لبنان في ضعفه".
وبعد صدور قرار الحكومة "المستند الى الدستور والميثاق" كما جاء في بيان الحكومة عند إعلانه، القاضي بحصرية السلاح بيد الدولة في ظل وجود الاحتلال لأراضٍ لبنانية تقطنها غالبية "شيعية"، مما يعني نزع سلاح المقاومة المدافعة عن وحدة لبنان وسلامة أراضيه إلى جانب الجيش الوطني، وبتعليله برزت حالة من التزاحم بين المبادئ الدستورية التي تضمّنها الدستور ووثيقة الوفاق الوطني اللبناني، وخاصة بين مبدأين دستوريين: الأول هو المبدأ الدستوري الراسخ لسيادة الدولة المطلقة واحتكارها المشروع للقوة المسلحة كونه أحد أبرز مظاهر هذه السيادة، وهو المبدأ الذي قامت عليه الدول الحديثة، أما المبدأ الثاني، فهو حق تقرير المصير ومقاومة الاحتلال لجزء من الإقليم اللبناني.
وعليه، يمكن تفكيك هذا التزاحم بواسطة اتباع منهجية المحاكم الدستورية في حل التزاحم بين المبادئ القانونية أو الدستورية، وهي نفس الآلية المتبعة من قبل محكمة الاتحاد الأوروبي في حالة تزاحم الحقوق الأساسية بمعرض قضية تنظرها. وتفيد هذه المنهجية بتحليل القواعد والمبادئ المتزاحمة وإعطاء كل منها وزنًا معياريًا مناسبًا، بحيث تخلص المحكمة إلى ترتيب تلك المبادئ المتنازعة أو المتزاحمة وفقًا للقيمة المعيارية الأعلى، وتقع هذه المهمة في صميم وظيفة المجلس الدستوري الذي وصفه البروفسور جان كلود كوليار، بأنه يسعى دائمًا إلى إيجاد التوازن بين المبادئ الدستورية .
فمبدأ السيادة المتجسّد في قرار حصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية اللبنانية، في الأصل هو تعبير عن ممارسة الدولة لدور الدولة الحامية التي من المفروض أن تتولى حماية إقليمها وشعبها من أي اعتداء، فتأمين السيادة الأمنية له متطلباته وشروطه، وأولها أن تكون الدولة قوية وقادرة على الدفاع عن شعبها وأنها ترغب في ذلك وتمارس هذا الدفاع، وهذا غير متوفر في حالة الدولة اللبنانية التي تدفع رواتب العسكريين من خلال المنح والهبات الخارجية أولًا ، والتي يمنع عليها تسليح جيشها بل يضغط عليها لتغيير عقيدتها وقبول العدو الإسرائيلي كصديق، وبالتالي نحن أمام حكومة غير قادرة في الحد الأدنى وغير مسموح لها في حدها الأقصى في الدفاع عن شعبها.
إذن مبدأ السيادة أقرّ من أجل حماية الشعب أبرز مكوّنات الدولة ومصدر شرعية سلطتها، وليس قيدًا على حرية شعبها وحقه في الحياة بكرامة. فهل في هذه الحال حصر السلاح يعزّز مبدأ السيادة أو يخلّ به؟ من الجليّ أنه في ظروف لبنان الحالية، ممارسة السيادة بواسطة حصر السلاح بيد جيش عاجز أو غير قادر عن الدفاع عن الشعب لا يتّمتع بقيمة معيارية وازنة قياسًا على قصور هذا الجيش عن تحقيقه غرض وجوده وهو حماية الإقليم والشعب.
إن حق الشعوب في تقرير مصيرها في جوهره، هو مبدأ ينبع من أفكار الحرية والكرامة الإنسانية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو يعبّر عن حق الجماعة في أن تكون سيدة مصيرها، وأن تشكل حياتها المشتركة وفقًا لقيمها وتطلعاتها، دون إكراه أو تدخل خارجي. يجد التعريف القانوني الأكثر استقرارًا لحق تقرير المصير تعبيره في المادة الأولى المشتركة بين العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، التي تنص هذه المادة على أن: "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي" .
وعليه يمكن تفكيك هذا التعريف إلى ثلاثة عناصر جوهرية:
1. صاحب الحق: (The Right-Holder) وهو "جميع الشعوب "(All peoples)
2. المكوّن السياسي: (The Political Component) وهو حرية تقرير "الوضع السياسي" (political status)
3. المكوّن التنموي: (The Developmental Component) وهو حرية السعي لتحقيق "التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".
ويرتبط تقرير المصير ارتباطًا وثيقًا بنظريات سياسية أساسية، فهو يمثل التجسيد العملي لمبدأ سيادة الشعب، الذي يجعل من إرادة الشعب أساس شرعية أي حكومة، إذ استقرّ الفقه والقضاء الدوليان على التمييز بين شكلين أو مظهرين لممارسة هذا الحق: تقرير المصير الداخلي وتقرير المصير الخارجي. فتقرير المصير الداخلي(Internal Self−Determination) : يُعرَّف بأنه حق الشعب في "السعي لتحقيق تنميته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار الدولة القائمة"، أما تقرير المصير الخارجي: (External Self−Determination) فيُعرَّف بأنه حق الشعب في تحديد وضعه الدولي، وهو ما قد يتضمن إنشاء دولة مستقلة ذات سيادة.
2. التأصيل القانوني في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لعام 1966
يُعد ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 المحطة الأولى التي اكتسب فيها تقرير المصير صفة رسمية في وثيقة قانونية دولية ذات طابع عالمي، فقد نصت المادة 1 (2) من الميثاق على أن من بين مقاصد الأمم المتحدة "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها"، كما كررت المادة 55 هذا المبدأ كأساس لتحقيق الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة وودية بين الأمم .
لكن هذا الجدل حُسم بشكل كبير مع اعتماد الجمعية العامة للعهدين الدوليين لحقوق الإنسان عام 1966، فقد شكلت المادة الأولى المشتركة بين العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) لحظة فارقة، حيث نصّت بوضوح لا لبس فيه على أن "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها". وبهذا، تمّ تقنين المبدأ بشكل صريح كـ"حق" قانوني ملزم للدول الأطراف بعد أن كان مبدًأ عامًا. وقد أكّدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 12، على الأهمية الخاصة لهذا الحق، معتبرة أن تحقيقه "هو شرط أساسي للضمانة الفعلية والاحترام الفعلي لحقوق الإنسان الفردية . "وبهذا، لم يعدْ تقرير المصير مجرد حق جماعي، بل أصبح شرطًا مسبقًا للتمتع بباقي الحقوق الأساسية للإنسان.
كما أدّت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورًا محوريًا في تطوير وتوضيح محتوى حق تقرير المصير، خاصة من خلال قرارين تاريخيين يُعتبران من أهم مصادر القانون الدولي في هذا المجال وهما؛ القرار 1514 (الدورة 15) - إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة (1960): يُعد هذا الإعلان بمثابة "ماغنا كارتا" إنهاء الاستعمار، والركن السياسي والقانوني الذي استندت إليه حركة التحرر الوطني ، والقرار 2625 (الدورة 25) - إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول (1970)، إذ يوفّر هذا الإعلان الصياغة الأكثر حجية وشمولًا لمبدأ تقرير المصير في القانون الدولي العرفي، لأنه لم يكتفِ بتكرار حق جميع الشعوب في "أن تحدد بحرية، ودون تدخل خارجي، مركزها السياسي وأن تسعى لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، بل قام بعملية موازنة دقيقة بين هذا الحق ومبدأ السلامة الإقليمية للدول.
3. مكانة مبدأ حق تقرير المصير في القانون الدولي العرفي والقواعد الآمرة
تجاوز حق تقرير المصير كونه مجرد نص في المعاهدات والقرارات، ليرتقي إلى أعلى مراتب الهرمية في القانون الدولي العمومي، لذلك فهو:
• قاعدة عرفية دولية: فمن خلال الممارسة الدولية المتواترة، خاصة في سياق إنهاء الاستعمار الذي شهد استقلال عشرات الدول بناءً على هذا المبدأ، والاعتقاد بإلزامية القاعد (opinio juris) الذي تجلّى في التصويت الساحق على القرارات المذكورة، اكتسب حق تقرير المصير مكانة قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، الملزمة لجميع الدول بغض النظر عن انضمامها للعهدين الدوليين.
• الالتزام ذو الحجية تجاه الكافة: (Erga Omnes) أكدت محكمة العدل الدولية، لا سيما في قضية تيمور الشرقية (1995)، أن حق تقرير المصير له طابع erga omnes، أي أنه يفرض التزامًا على كل دولة تجاه المجتمع الدولي بأسره، وليس فقط تجاه الشعب المعني مباشرة. وهذا يعني أن لجميع الدول مصلحة قانونية في احترام هذا الحق وحمايته .
• اكتسابه الصفة القطعية: (Jus Cogens) يدور نقاش فقهي وقضائي معاصر حول ما إذا كان حق تقرير المصير يرقى إلى مرتبة القاعدة الآمرة (jus cogens)، أي القاعدة القطعية في القانون الدولي العمومي التي لا يجوز للدول الاتفاق على مخالفتها. والقاعدة القطعية هي قاعدة أساسية لا يجوز الخروج عليه، وهي تقع في قمة الهرمية المعيارية، وأي معاهدة أو قانون يتعارض معها يعدّ باطلًا ، ويستند المؤيدون لهذه المكانة إلى الطبيعة الأساسية للحق، وارتباطه بحظر أشكال الهيمنة الخطيرة مثل الاستعمار والاحتلال الأجنبي، والتي اعتبرتها لجنة القانون الدولي جرائم دولية. وقد ظلت محكمة العدل الدولية مترددة طويلًا في تأكيد هذه الصفة صراحة، مفضلة استخدام مصطلحerga omnes ، وبعد ذلك اعترفت بطابع القطعي بقرارات عدة كان آخرها في العام 2024.
ويكشف المسار الذي سلكه حق تقرير المصير عن "تصعيد معياري" (normative escalation) ملحوظ وسريع في حقبة ما بعد الحرب. فقد انتقل من كونه مجرد "مبدأ" سياسي في الميثاق، إلى "حق" ملزم في العهدين، ثم إلى قاعدة "قانون عرفي"، فـ"التزام ذي حجية تجاه الكافة"، وأخيرًا اكتسب مرتبة "القاعدة القطعية".
وقد صاغت محكمة العدل الدولية هذا المفهوم لأول مرة في قضية برشلونة تراكشن (1970) وطبقته لاحقًا بشكل صريح على حق تقرير المصير في قضايا مثل تيمور الشرقية (1995) وفي رأيها الاستشاري لعام 2004 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة . ففي قضية تيمور الشرقية (1995) أكدت المحكمة الطابع الإلزامي تجاه الكافة والقيود القضائية التزام تجاه الدول كافة ، وقد اكتسب هذا الحق زخمًا قانونيًا إضافيًا من خلال فقه محكمة العدل الدولية، ففي رأيها الاستشاري بشأن جدار الفصل، أكدت المحكمة على الطابع erga omnes لحق تقرير المصير ، وفي رأيها الأخير في العام 2024 بشأن قضية مفاعيل الضم للضفة الغربية بشأن الممارسات الإسرائيلية، ذهبت إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هذا الحق في سياق الاحتلال الأجنبي هو قاعدة آمرة (jus cogens) من قواعد القانون الدولي .
وقد اعترفت اللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بصفتها الآمرة في تقرير لجنتها القانونية للعام 2022 ، ومعلوم أن القواعد الآمرة تسمو على غيرها من القواعد القانونية الدولية والوطنية، وأبرز مفاعيل الصفة الآمرة هي بطلان كل قاعدة تخالفها بطلانًا مطلقًا، ودون إنتاج أي مفاعيل قانونية. وتعود أسباب منحها الصفة القطعية إلى تعلّقها بالحق في الحياة، وهو حق أصيل أساسي لا يقبل التصرف أو التنازل أو التجزئة وهو أسمى الحقوق، فالحكومات وجدت لتمكين الشعوب من التمتّع بالحق في الحياة بكرامة.
هذا الإعلان له أهمية قانونية هائلة، فهو يشكّل مفصلًا جوهريًا في طبيعة التحليل القانوني لمعادلة توزين المبادئ المتنافسة، كما أنه ينتج مفاعيل قانونية حاسمة في مسألة صحة القرار القانونية. فالفعل الحكومي الذي يتعارض مع قاعدة آمرة ليس مجرد فعل أدنى مرتبة؛ بل هو عمل باطل قانونيًا.
هذا التطور يكشف عن مسار التقييد التدريجي لسيادة الدولة لصالح حقوق الشعوب، ويعكس تحولًا أوسع في القانون الدولي من نظام يتمحور حصرًا حول الدولة إلى نظام يدمج حقوق الإنسان وشرعية الحكم كقيم أساسية.
بالعودة إلى قرار الحكومة بحصر السلاح بيدها، نجد أن عجز الدولة اللبنانية وفشلها في أداء دورها السيادي في حالة تفاقم. فالجيش اللبناني، على الرغم من تعزيز انتشاره في الجنوب بالتنسيق مع اليونيفيل، يفتقر إلى القدرة العسكرية والقرار السياسي حزب الله من جهة، وردع الاعتداءات الإسرائيلية من جهة أخرى. وقد أقرت الحكومة اللبنانية نفسها مرارًا بأن قدرات الجيش "محدودة"، وأن أي خطة لنزع السلاح يجب أن تتم وفقًا لهذه القدرات وتجنبًا للمواجهة الداخلية. هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية في خانة الدولة "غير القادرة" (unable) على بسط سلطتها الكاملة وتوفير الحماية لمواطنيها، وليس بالضرورة "غير الراغبة"(unwilling) .
فادعاء عجز الدولة ليس شعارًا سياسيًا بل حقيقة قابلة للقياس. فالجيش اللبناني، على الرغم من مهنيته والثقة التي يحظى بها بين المواطنين، يعمل في ظل قيود شديدة، فهو يعاني من نقص مزمن في التمويل ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية للحفاظ على عملياته الأساسية . خلال ذروة الانهيار المالي في لبنان، انخفضت رواتب الجنود الشهرية إلى ما يصل إلى 50 دولارًا، مما استلزم دعمًا ماليًا طارئًا من دول خارجية لمنع انهيار المؤسسة العسكرية. ومع ذلك لا يزال الجيش اللبناني يفتقر إلى الأسلحة المتقدمة والقدرات اللوجستية اللازمة للردع الاستراتيجي ضد العدو الإسرائيلي المتفوق تقنيًا. ومن المسلّم به على نطاق واسع أن الجيش اللبناني ليس قويًا بما يكفي لمواجهة إسرائيل أو ردع عدوانها على الرغم من أنه يملك العقيدة والإرادة للدفاع عن لبنان.
هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية في فئة الدولة "غير القادرة" على بسط سلطتها بالكامل وتوفير الحماية لمواطنيها، بدلًا من كونها "غير راغبة"، وقد ظهرت نظرية "الدولة غير الراغبة أو غير القادرة" في ممارسات الدول بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وعادة ما تستخدمها الدول القوية لتبرير العمل العسكري الأحادي ضد جهات فاعلة غير حكومية تعمل في أراضي دولة ثالثة، حيث تفترض النظرية أنه إذا كانت الدولة الإقليمية "غير راغبة أو غير قادرة" على قمع تهديد ينبع من أراضيها، فإن للدولة المهددة الحق في التدخل دفاعًا عن النفس .
أما في حالة لبنان فيحصل العكس، فالدولة اللبنانية "غير قادرة" بشكل واضح على مواجهة عدوان أجنبي موجه ضد شعبها وأراضيها، فإن هذا العجز لا يلغي حق الشعب في الدفاع عن النفس. بل على العكس، يخلق المبرر القانوني والأخلاقي للشعب نفسه، من خلال مقاومة منظمة، لممارسة حقه الجماعي في الدفاع عن النفس بصفته جزءًا لا يتجزأ من حقه في تقرير المصير. في هذه الحالة يخلق فشل الدولة "فجوة عدالة" وهي حالة يوجد فيها حق معترف به ولكنه يفتقر إلى وسيلة انتصاف فعالة من خلال آليات الدولة أو الآليات الدولية. في مثل هذا السيناريو، لا يمكن أن يكون الحق الطبيعي للشعب في ضمان بقائه ومقاومة الاحتلال رهينة لضعف أو شلل حكومته. فالحق في الدفاع عن النفس، عندما تفشل الدولة، يعود إلى الشعب نفسه بحكم القانون. وهذا ما أطلق عليه الفقه مصطلح "فجوة العدالة" هذه الفجوة تحديدًا هي المساحة التي تنشأ فيها مبررات اللجوء إلى آليات غير قضائية، مثل المقاومة، كضرورة لضمان البقاء وممارسة الحق في تقرير المصير.
وقد ترتب على هذا الفراغ الأمني عواقب إنسانية كارثية على سكان الجنوب. فمنذ أكتوبر 2023، وثقت منظمات حقوق الإنسان الدولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و "منظمة العفو الدولية" والمنظمات الأممية ، نمطًا من الهجمات الإسرائيلية التي أدت إلى ارتكابها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني وأبرزها:
• التهجير القسري الجماعي: حيث اضطر مئات الآلاف من السكان إلى ترك منازلهم وقراهم، مما خلق أزمة إنسانية واقتصادية حادة .
• تدمير منهجي للممتلكات: لم تقتصر الهجمات على الأهداف العسكرية، بل شملت تدميرًا واسع النطاق ومتعمدًا للمنازل السكنية، والبنية التحتية المدنية، والأراضي الزراعية، بما في ذلك استخدام أسلحة محظورة دوليًا مثل الفسفور الأبيض، مما يجعل عودة النازحين أمرًا شبه مستحيل .
• جرائم قتل وإيذاء: سقط مئات المدنيين، بينهم أطفال ونساء ومسعفون وصحافيون ضحية الاعتداءات العدو الإسرائيلي.
هذا الواقع الصعب يطرح سؤالًا جوهريًا: عندما تعجز الدولة والمجتمع الدولي عن حماية شعب من عدوان خارجي، فما هي الخيارات المتاحة لهذا الشعب لضمان بقائه؟
في هذا السياق، يبرز خطاب "المقاومة" الذي يتبناه حزب الله إجابة عملية على هذا السؤال. فالحزب لا يقدم نفسه كحركة انفصالية تسعى لتقرير مصير خارجي، بل كحركة دفاعية تمارس حق الشعب اللبناني في الدفاع عن أرضه وسيادته في مواجهة عدو خارجي، في ظل غياب الدولة الفاعلة.
ويستند هذا الخطاب إلى أساس متين في القانون الدولي. حيث أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العديد من قراراتها بشرعية كفاح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو العدوان الأجنبي بـ "جميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح". يمكن القول إن حق الشعب في الأمن والسلامة الجسدية هو جزء لا يتجزأ من حقه في الوجود، وهو جوهر تقرير المصير. وعندما تفشل الدولة في توفير هذا الأمن الأساسي، فإن حق الدفاع عن النفس الجماعي، كحق طبيعي، لا يختفي، بل ينتقل إلى الشعب نفسه ليمارسه من خلال الوسائل المتاحة له، والتي قد تتخذ شكل حركات مقاومة منظمة، كما هو حال المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي.
الفقرة الرابعة: الإطار النظري لمفهوم "فجوة العدالة": عودة الحق للشعب
من الناحية النظرية يبرز مفهوم "فجوة العدالة" عند تقاطع حق أساسي ومطلق من حقوق الشعوب مع عجز هيكلي في آليات إنفاذه، سواء على المستوى الوطني أو الدولي. يمكن تفكيك هذا المفهوم إلى ثلاثة أركان مترابطة: الركن الأول هو وجود حق ذي مكانة قانونية عليا، والركن الثاني هو فشل الجهات المكلفة بحمايته، والركن الثالث هو النتيجة المترتبة على هذا الفشل، وهي عودة الحق في ممارسته إلى أصحابه الأصليين، أي الشعب.
الركن الأول: السمو المعياري لحق تقرير المصير
إن الحجة المركزية لا تنطلق من أي حق، بل من حق اكتسب مكانة استثنائية في الهرمية القانونية الدولية وهو الحق في تقرير المصير، إلا أن التحوّل الأبرز والأكثر أهمية، كما يشير النص، هو الاعتراف الصريح بأن حق تقرير المصير في سياق الاحتلال الأجنبي يصبح "قاعدة آمرة" (jus cogens)، وهو ما أقرته محكمة العدل الدولية لأول مرة في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 بشأن الممارسات الإسرائيلية. هذه المكانة تضع الحق في قمة الهرمية القانونية، وتجعله قاعدة قطعية لا يجوز انتهاكها أو الاتفاق على ما يخالفها، وأي عمل أو قانون يتعارض معها يُعتبر باطلًا بطلانًا مطلقًا. إن ارتباط هذا الحق بـ"الحق في الحياة" يمنحه طابعًا أصليًا وغير قابل للتصرف، مما يجعله أساس وجود الدولة وليس نتيجة له.
الركن الثاني: فشل الدولة كضامن للحق (نظرية "الدولة غير القادرة")
تنشأ "فجوة العدالة" عندما تفشل الآلية الأساسية لحماية هذا الحق، وهي الدولة، وهذا التحليل يستند إلى منطق نظرية "الدولة غير الراغبة أو غير القادرة " (unable or unwilling state doctrine)، حيث أن عجز الدولة أو عدم رغبتها في مواجهة الاحتلال ينشئ حالة من الفراغ في حماية الشعب والإقليم من أي عدوان خارجي. ويطبق النص هذا المفهوم على الحالة اللبنانية، وبشكل موضوعي وقابل للقياس فإن هذا العجز لا يلغي وجود الحق، بل يؤكد غياب الأداة السيادية لإنفاذه، مما يخلق فراغًا في الحماية والسيادة.
الركن الثالث: النتيجة القانونية للفجوة :عودة الحق إلى الشعب
عندما يوجد حق ذو طبيعة آمرة (jus cogens) من جهة، وتثبت الدولة عجزها عن حمايته من جهة أخرى، تنشأ "فجوة العدالة". هذه الفجوة ليست مجرد قصور سياسي ، بل هي حالة يوجد فيها "حق معترف به ولكنه يفتقر إلى وسيلة انتصاف فعالة(a recognized right lacking an effective remedy).
في ظل هذا الفراغ، واستنادًا إلى مبدأ السيادة للشعب وهو مصدر السلطات، لا يمكن أن تبقى الحقوق الأساسية معلّقة أو رهينة لضعف الدولة، فبموجب منطق أن الشعب مصدر السلطات، حيث تُنشأ الحكومات لخدمة الشعوب وحماية حقوقها الأساسية، فإن فشل الحكومة في أداء هذه الوظيفة الجوهرية يؤدي إلى نتيجة حتمية: عودة ممارسة الحق إلى مصدره الأصلي، أي الشعب.
وعليه، فإن الحق في الدفاع عن النفس، الذي هو حق طبيعي للدول، يصبح في سياق هذه الفجوة حقًا جماعيًا للشعب، ولا يُنظر إلى ممارسة هذا الحق عبر "مقاومة منظمة" كعمل خارج عن القانون، بل كآلية ضرورية لسد "فجوة العدالة" وممارسة الحق في تقرير المصير والدفاع عن الوجود، عندما تكون القنوات الرسمية للدولة والآليات الدولية قد وصلت إلى طريق مسدود. فالحق في البقاء ومقاومة الاحتلال لا يمكن أن يُعلّق بسبب شلل أو عجز من يُفترض بهم حمايته.
ماذا لو لم تكن الدولة راغبة أو قادرة على تحرير الجزء المحتل من الجنوب؟ هل يحق لها أن تتمسك بمبدأ السيادة وحصر السلاح بيدها والتخلي عن قسم من شعبها التواقين للتحرر من الاحتلال؟ هنا نقع في حالة فجوة العدالة التي لا يقبل بها أهل القانون، والتي تحتم قبول فكرة كسر مبدأ حصرية السلاح استنادًا لحق الشعوب في تقرير مصيرها والتخلص من نير الاحتلال رغمًا عن الدولة الضعيفة أو العاجزة.
ومن نافل القول إن الحق في تقرير المصير منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة وفي منظومة حقوق الإنسان الدولية، والتي تشكل جزءً من الكتلة الدستورية اللبنانية بحسب ما استقرّت عليه اجتهادات المجلس الدستوري اللبناني. إذن حق تقرير المصير هو حق دستوري على الصعيد الوطني وهو قاعدة آمرة على الصعيد الدولي لا يجوز مخالفتها أو تقييدها بأي شكل من الأشكال لتعلّقها بالحق في الحياة. وهذ ليس هو الحال بالنسبة لحق الدولة في ممارسة مبدأ السيادة الذي يقبل الاستثناء والتقييد لاعتبارات متعددة كالحصانات الدبلوماسية وغيرها.
وعليه، فإن الحق في تقرير المصير المتجسّد في حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وان لم تقدر أو ترغب بذلك حكومة البلد الواقع تحت الاحتلال، هو حق دستوري ذو طابع آمر لا يقبل التقييد، في حين أن ممارسة مبدأ السيادة يقبل التقييد، وبالتالي بات من اليسير إجراء تثقيل معياري Normative Weighting لكل الحقوق المتزاحمة وبعد ذلك موازنة معيارية بغرض ترجيح أحدها على الآخر لنستنتج بالمحصلة، أن الحق في تقرير المصير هو أثقل معياريًا ودستوريًا من مبدأ السيادة والتي تعتقد الدولة إنها تمارسه من خلال قرارها بحصرية السلاح بيد الجيش الوطني غير المجهّز لتلك المهمة.
وختامًا، نخلص للقول، إن تزاحم مبدأ السيادة المُعَبّر عنه بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني بمواجهة مبدأ حق الشعوب بتقرير مصيرها من خلال المقاومة الوطنية المشروعة، نجد أن حق تقرير المصير المنحدر من الحق في الحياة هو أسمى دستوريًا وأثقل معياريًا من حق الدولة بحصر السلاح بيد الجيش في معركة غير متكافئة بين الجيش اللبناني وجيش العدو الإسرائيلي الذي يُعدّ من أقوى الجيوش في منطقة الشرق الأوسط والأكثر تجهيزًا، وبالتالي يكون للحق بتقرير المصير من خلال فعل المقاومة الأولوية في التطبيق على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة غير القادرة على حماية شعبها وإقليمها من الاعتداءات الخارجية، وبالتالي يسمو حق الشعب بتقرير مصيره على مبدأ السيادة لتعلّقه بالحق في الحياة بكرامة، وعند تزاحمه مع مبدأ السيادة، يُحيّد مبدأ السيادة ويتقدّم عليه في التطبيق مبدأ حق الشعوب بتقرير مصيرها عبر حركات المقاومة الوطنية.
خاتمة واستنتاج:
إن قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيدها وحدها كان ليكون قرارًا عاديًا فيما لو اتخذ في ظروف مغايرة، ولكن اختارت الحكومة اتخاذه بعد حرب شنها العدو الإسرائيلي على طائفة بأكملها فقط لأنها تشكّل حالة مقاومة، وقد وقع هذا القرار في فخ السجال الدستوري – القانوني لأنه محاط بملابسات كثيرة تجعل من المنطقي التساؤل عن مدى ميثاقيته وشرعيته فضلًا عن مشروعيته، وهو تساؤل أثبتت الدراسة أنه محل تقدير. وقد خلصت الدراسة إلى أن القرار محل البحث جاء مشوبًا بميثاقيته لأنه يتعارض مع ميثاق العيش المشترك، ومشوبًا في مشروعيته لأنه ينتهك حق تقرير المصير لشريحة واسعة من اللبنانيين بتجريدهم من سلاح الردع الوحيد بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية، علاوة على مخالفته لقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العمومي، لذلك جاء هذا القرار باطلًا وغير منتج لأي أثر قانوني وفق ما نصت عليه المادة 53 من قانون المعاهدات للعام 1969.
قرار نزع السلاح من اللاشرعية إلى تهديد الوحدة الوطنية / د. عدنان منصور
من المفارقات اللافتة إننا نناقش موضوعًا في غاية الأهمية يتعلق بحق الشعوب والدول في الدفاع عن نفسها، وتحرير أراضيها المحتلة، في وقت اتخذت فيه الحكومة اللبنانية قرارًا خطيرًا "بحصر حيازة السلاح بيد الدولة وحدها" . الهدف من هذا القرار نزع سلاح المقاومة، في الوقت الذي يتعرض فيه لبنان لاحتلال وعدوان إسرائيلي متواصلين عليه.
كانت مقاومة الدول والشعوب للدفاع عن نفسها ضد الاحتلال الخارجي، حقًا كفلته الشرائع والقوانين الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، والقرارات الأممية ذات الصلة، لا سيما المادة 51 من الميثاق التي نصت على "أن ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم، إذا اعتدت قوة مسلحة على أعضاء الأمم المتحدة، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي". هذا المبدأ أخذ به اتفاق الطائف الذي نص في الفقرة "ج" من البند الثالث، على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال "الإسرائيلي"، وهذا ما قامت به المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال، وصولا الى إجبار "إسرائيل" على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000.
قرار الحكومة بنزع سلاح المقاومة، يطال بالصميم حق اللبنانيين في الدفاع عن أنفسهم، وعن وطنهم وأرضهم، ويصادر حقهم في مقاومة الاحتلال الذي أقرته القوانين اللبنانية والأممية.
قرار الحكومة بنزع سلاح المقاومة، يرسخ الاحتلال الإسرائيلي على أراض لبنانية، بسبب إمكانات الدولة اللبنانية المتواضعة، وعدم قدرتها لوحدها على مواجهة العدو وإزالة الاحتلال، ما يجعل "إسرائيل" تستمر في سياسة القضم والضمّ، وفرض الاحتلال كأمر واقع على لبنان.
لسنا في وارد تذكير الدولة بالقوانين الأممية والوطنية، لجهة حق الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال، فهي تعلم جيدًا ، انه حق شرعي ومشروع لكل من يتعرض للعدوان والاحتلال. إلاّ أنه من حقنا أن نلوم الحكومة التي تجاهلت الدستور والقانون، وتخلّت عن حق الدفاع عن النفس ومواجهة الاحتلال.
هل القرار الذي اتخذته الحكومة كان يعبر فعلًا عن إرادتها، ومصالح شعبها، وسيادة لبنان وأمنه واستقراره؟! كيف يمكن للحكومة أن تتخذ قرارًا بنزع سلاح المقاومة، وهي تعرف مسبقًا أن العدوّ له أطماع في أرض لبنان ومياهه.
بأي وسيلة ستقاومه وهو المستمر في عدوانه، ويرفض الانسحاب من المناطق التي يحتلها؟! بدبلوماسيتها المتواضعة التي لا رصيد لها عند دول الهيمنة والتسلّط، وعند دولة الاحتلال "الإسرائيلي"؟! من حرّر الأرض بعد الطائف غير المقاومة! ما الذي فعلته الحكومات المتعاقبة لتنفيذ القرار 425 منذ عام 1978 وحتى التحرير عام 2000، وهي تلهث وراء الدول الكبرى، والمؤتمرات الدولية لحمل "إسرائيل" على الانسحاب؟!
من سيحمي لبنان مستقبلًا، ويقف في وجه الاحتلال، ويحبط مشاريع "إسرائيل" التوسعية في لبنان التي تجاهر بها علنا ؟!
لا نريد أن نسترسل ونؤكد على شرعية القوانين الدولية والوطنية الموجودة أصلًا، لكن ما يجب التركيز عليه، هو قرار الحكومة الذي يتنافى مع هذه القوانين ويتصادم مع شريحة كبيرة من اللبنانيين، وحقها في الدفاع عن النفس، ومقاومة الاحتلال، ويتعارض مع مقدمة الدستور التي تنص على "أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". هل قرار الحكومة بنزع سلاح المقاومة في ظل الاحتلال يحمي اللبنانيين، ويحصّن ميثاق العيش المشترك والوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي والأمن القومي للبنان؟! إننا أمام مرحلة من أخطر المراحل التي يواجهها لبنان، سياديًا، وأمنيًا، ووجوديًا، لأنّ قرار الحكومة بنزع السلاح، سيترتب عنه تداعيات خطيرة، وهو يضع مستقبل لبنان وسيادته بين فكي واشنطن وتل أبيب: إما الاستسلام والخضوع لإرادة الأميركي، وإما بقاء لبنان تحت الاحتلال "الإسرائيلي"، وتبقى معه الحكومة عاجزة عن أي فعل، وهي تستجدي بلا نتيجة، وساطات الدول، والمنظمات الدولية كما فعلت مع القرار 425.
كان على الحكومة أن تقف وقفتها، تدافع عن حقها في تحرير الأرض ومقاومة العدوان، مستندة إلى المواثيق والقوانين الأممية ترفعها في وجه المبعوثين الذين يُملون قراراتهم وإملاءاتهم، وتعليماتهم وشروطهم عليها، بدلًا من أن نذكّرها ونطالبها الالتزام بها.
لقد آثرت الحكومة أن تلبّي مطالب واشنطن التي تصر على تجريد لبنان من سلاح مقاومته، وتمنع أبناء شعبه من مواجهة الاحتلال وتحرير الأرض. حكومة وضعت جانبًا الدستور، والقوانين الدولية، واتفاق الطائف وميثاق العيش المشترك، فارتضت أن تتجاهل قاعدة شعبية عريضة، مقاومة للاحتلال، وإن أدّى ذلك الى انفجار داخلي يطيح بلبنان ، وبوحدة أرضه، ونسيج شعبه، وعيشه المشترك فيما جبهة المقاومة تتمسك بحقها المشروع، وبواجبها الوطني في الدفاع عن النفس وتحرير الأرض والإنسان.
تقرير المصير بمقاومة الاحتلال لا بالتسليم له / د. عادل يميّن
عندما نعود إلى مقدمة الدستور اللبناني التي استُحدثت عملًا بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21 أيلول 1990، تنفيذًا لتوصيات اتفاق الطائف، نجد أنها نصَّت على أن لبنان يلتزم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة والدولة تجسّد ذلك في مختلف الميادين والمجالات. ذلك يعني أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة أصبحا ضمن الكتلة الدستورية اللبنانية. وبناء عليه يقوم المجلس الدستوري بإبطال أي قانون يضعه البرلمان ويصدر عن رئيس الجمهورية وينشر في الجريدة الرسمية في حال كان يتعارض مع أي نص من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ميثاق الأمم المتحدة، باعتبار أن الكتلة الدستورية تشمل مقدمة الدستور ومتن الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة والمبادئ ذات القيمة الدستورية. وعملًا بالهرمية التشريعية، فالدستور هو الأعلى رتبة بين النصوص القانونية، تليها المعاهدات الدولية التي ينتسب إليها البلد المعني، تليها القوانين المحلية، تليها المراسيم التنظيمية ومن ثم القرارات الوزارية.
وبالتالي، عندما يكون المبدأ ذا قيمة دستورية أو نصًا دستوريًا، أو جزءًا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ميثاق الأمم المتحدة، يجب على كل القرارات أكانت وزارية أو حكومية أو قوانين أو معاهدات أن تأتي متلائمة ومنسجمة معه تحت طائلة افتقادها للشرعية الدستورية.
وبالعودة إلى ميثاق الأمم المتحدة، فمن الواضح أن المادة 51، وقد تليت تكرارًا في هذه الندوة، تعطي الشعوب أفرادًا وجماعات حق مقاومة الاحتلال. وإذا عدنا إلى المادة 1/2 من ميثاق الأمم المتحدة، الصادر عام 1945، نجد أنها تؤكد على تطوير العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
عندما ينص ميثاق الأمم المتحدة على حق الشعوب في تقرير المصير، فإن مصيرها يتقرر بمقاومة الاحتلال، ولا يمكن أن يقرر بالتسليم للاحتلال.
في سياق الإعلان عن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، نصّ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1960 على أن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، وإخضاع الشعوب للاستعباد والسيطرة الأجنبية يشكّل إنكارًا لحقوق الإنسان الأساسية. هذا القرار، شكّل أساسًا لشرعنة حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار والاحتلال.
والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966، والذي انتسب إليه لبنان وبالتالي أصبح أعلى من القوانين المحلية وملزمًا، نصّ على أن: لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها وهي بمقتضى هذا الحق، حرّة بتقرير مركزها السياسي وحرّة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
واعتبر البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف 1977 أن النزاعات المسلحة التي تناضل فيها الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية بمثابة نزاعات دولية. ومن المعروف في القانون الدولي الإنساني أن هذا النص منح حركات التحرر الوطني مركزًا شبيهًا بمقاتلي الجيوش النظامية إذا التزموا بقوانين الحرب.
ثم إن قرار إعلان مبادئ القانون الدولي عام 1970 يؤكد حق الشعوب في تقرير المصير وشرعية كفاحها ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي. وأيضًا القرار الصادر عام 1973 يؤكد شرعية نضال الشعوب بجميع الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي.
انطلاقًا من كل ذلك، وبالعودة إلى وثيقة الوفاق الوطني التي أُقرّت في مدينة الطائف، والتي أكدت على استخدام جميع الوسائل من أجل تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وبما أن المطلق يفسر على إطلاقه بحسب قواعد التفسير، فإن عبارة جميع الوسائل تشمل المقاومة وهي الوسيلة البديهية لتحرير الأرض. وما ورد في وثيقة الوفاق الوطني هو تعديل جزء من الميثاق الوطني وتم توافق واضح على ذلك، وأي تعديل لها، له أحد مسارين، إما أن تزول وظيفة المقاومة بتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي ويزول العدوان الإسرائيلي فلا يعود من مبرر للمقاومة وإما بوضع استراتيجية دفاع وطني تحدّث عنها اتفاق الطائف حينما أورد في متنه وجوب أن توضع نقطة لتأمين الأمن والدفاع الوطني، وحين أورد في الفقرة "ج" من المادة "3"، أنه يجري توحيد وإعداد القوات المسلّحة وتدريبها لتكون قادرة على تحمّل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وإذا تم حصر السلاح بمعنى منع اللبنانيين من مواجهة الاحتلال مع بقاء الاحتلال فذلك تدبير يتناقض مع حقوق اللبنانيين في مواجهة الاحتلال ومع الدستور ومع الميثاق الوطني وتحديدًا وثيقة الوفاق الوطني. ولكن، إذا قرأنا قرارات الحكومة حتى خاتمتها نجدد أنها اختتمت بالقول إن الحكومة تعلق بمعنى توقف تنفيذ هذه القرارات لحين تنفيذ الأطراف الأخرى وإعلانها موافقتها عليها. إذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت الحكومة، كما أعلن نائب رئيس الحكومة طارق متري،ـ تعتبر نفسها في حل من الورقة التي أقرتها في حال لم توافق عليها "إسرائيل" وهي لم توافق لا بل أعلنت رفضها لها، فذلك يعني أن هذه الورقة غير مبتوتة وبالتالي تكون الحكومة في الموقف السليم.
أما إذا كانت الحكومة مصرّة على تنفيذ قرارها في جانب واحد في ما يتعلق بلبنان، من دون تطلّع إلى مسألة الاحتلال واعتبارها أولوية، وتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وتحرير الأسرى من يد العدو الإسرائيلي وإعادة الإعمار، فذلك يعني أن الحكومة تقع في موقف الخطأ. أما في ما يتعلق بشرعية القرارات والمشروعية فالفقرة "ي" من مقدمة الدستور نصّت على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك.
الدولة القوية هي الحل / المحامي عمر زين
بادئ ذي بدء إنني أعلن موافقتي على كل ما جاء في ورقة عمل الندوة القانونية حول قرار "حصر حيازة السلاح بيد الدولة وحدها".
من جهة تتكرر على مسامعنا المطالبات بنزع السلاح صباحًا ومساءً بناء للإملاءات الأميركية، فكيف يكون ذلك بدون أي ضمان وكيف يكون ذلك ومسيرات العدو الصهيوني وأسلحته تمعن بقتلنا؟ بينما يشاهد اللبنانيون العدو الصهيوني يوزّع السلاح على المستوطنين، ونرى الدعم الأميركي المستمر للترسانة الصهيونية، ونسمع نتنياهو عازمًا على تغيير خارطة الشرق الأوسط وصولًا لإقامة "إسرائيل الكبرى" (ومن ضمنها لبنان...).
وبالعودة إلى التاريخ فقد ارتكبت الصهيونية وما زالت ترتكب جرائم الإبادة الجماعية والقتل على مستوى كل المنطقة وكان سلوكها وأفعالها وفق شريعة العنصرية والفاشية والنازية وذلك برضى وحماية أميركا.
في وقتٍ يقوم المسؤولون الصهاينة بالتصريح جهارًا بما يخالف القانون الدولي والقانون اللبناني وبما يخالف حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، ويطلبون منا أن يلعب جيشنا وسلطاتنا دور الشرطي البلدي فلا يكون لدينا وسيلة للدفاع عن كياننا وشعبنا متى قرروا ضمنًا لتحقيق حلمهم بـ"إسرائيل الكبرى".
نقول إن الذي يحصل فاقد للقيم الأخلاقية والإنسانية.
فكيف تكون مواجهتنا لما يحصل؟
ماذا على الدولة اللبنانية القوية فعله؟
ماذا على الأمتين العربية والإسلامية القويتين فعله؟
على الصعيد اللبناني:
1- تفعيل قانون التجنيد الإجباري بشكل صارم لما له من تأثير أيديولوجي جامع ليشمل كل أطياف الشعب اللبناني للذود عن حمى الوطن عند الحاجة.
2- تقديم شكاوى ومتابعتها عند حصول أي تعدّ من العدو الصهيوني إلى مجلس الأمن والمؤسسات الأممية ولو اضطر الأمر لتقديم شكاوى يوميّة ومهما كانت النتائج.
3- الطلب من جامعة الدول العربية الاجتماع واتخاذ قرارات وخطوات عملية رادعة ضد العدو الصهيوني وليس الاكتفاء بالشجب والاستنكار.
4- الطلب من مجلس الدفاع العربي المشترك الاجتماع واتخاذ القرارات الرادعة الفعالة.
5- الطلب من منظمة التعاون الإسلامي الاجتماع الفوري لاتخاذ ما يلزم من قرارات الردع ضد العدو بكل الوسائل المتاحة .
6- عدم الرضوخ للإملاءات التي تؤدي إلى التطبيع أو الصلح مع العدو الصهيوني الغادر.
7- دعوة الاتحادات والنقابات والأحزاب لمؤتمر عام تدعو إليه الحكومة ويهدف إلى حشد كل الطاقات للعمل على إزالة الاحتلال. (دولة وشعبًا)
8- تسليح الجيش اللبناني من مصادر لا تشترط علينا التنازل عن سيادتنا.
9- الحفاظ على فكر المقاومة بكل أطيافه (إسلامية وغيرها) لتكون المقاومة يدًا وكتلة واحدة إلى جانب الجيش لحماية لبنان وسيادته وشعبه وأرضه وقراره.
10- إن كل ذرة من تراب الوطن تقتضي أن تكون حرّة وغير خاضعة لأي إملاءات من أحد وبالتالي عدم القبول بفرض مناطق عازلة سواء كانت اقتصادية أو غير ذلك.
11- العمل للإفراج عن جميع الأسرى اللبنانيين.
12- مراقبة أي جهات خارجية قد تعمل على دعم جهات لبنانية بهدف خلق احتقان وانفجار داخلي.
13- وضع السلاح الثقيل للمقاومة بتصرف الجيش اللبناني بشكل كامل، ما يوجب إضفاء عامل السريّة على نوعيته وعدده وإخفاء أماكن تخزينه عن العدو أو أي جهة خارجية كانت.
14- إلزام العدو الصهيوني بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة بكل الوسائل المتاحة بما نص عليه اتفاق الطائف وبالتضامن الشعبي والرسمي.
15- عدم الخوض بمسألة نزع السلاح وحصره إلاّ بعد انسحاب العدو الصهيوني من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة وبعد القيام بكل ما تقدم ذكره.
على الصعيد العربي:
المطلوب:
1- دعم الموقف اللبناني قولًا وفعلًا .
2- إلغاء كل المعاهدات والاتفاقات بكل أنواعها التي حصلت وَوُقّعَت مع العدو الصهيوني.
3- دعم الدولة اللبنانية ومشاركتها المواقف والمراجعات في المحافل العربية والإسلامية والأممية.
بهذه التوجهات وبتنفيذها وبعد حصر السلاح يؤول قرار الحرب والسلم إلى الدولة اللبنانية دون غيرها.
وبدون ذلك يكون النظام اللبناني حارس أمن لدى الكيان الصهيوني، وهذا ما لا يقبله الشعب اللبناني المؤمن بسيادته والمؤمن بحريّته وحقّه بالمقاومة ضد أي احتلال من أي جهة كانت .
من ذلك كلّه نبدي خمس نقاط :
أولًا: إن وجود الدولة القوية هو المطلوب، فمنذ اتفاق الطائف والدولة اللبنانية لم تصل بعد إلى هذه المرحلة .
ثانيًا: لم تضع الدولة المداميك الأساسية لمقاومة الاحتلال، ولم يتحرر الجنوب حتى تاريخه، بل أضاف العدو إلى احتلاله أراضي جديدة في الجنوب.
ثالثًا: ما قصده اتفاق الطائف بكلمة المليشيات كان يعني كل الجهات المتقاتلة في حينه ولم تكن المقاومة هي المقصودة .
رابعًا: بعد تطبيق ما أسلفنا على الصعيد اللبناني، عندها تتوافر الشرعية والمشروعية المطلوبة في هذه المرحلة فلا تشكّل المقاومة تناقضًا مع ميثاق العيش المشترك .
خامسًا: الميثاقية أمر ضروري وأساسي ولا يمكن التنازل عنها أو إبعادها لأي سبب من الأسباب، فهي ركيزة في الدفاع عن النفس والأمة خاصة في زمن الاحتلال الذي طال وتوسع منذ إعلان اتفاق الطائف.
صلاحيات مجلس الأمن / د. سليم حداد
يريد كاتب هذه الورقة في تحليله أن يبين شرعية و "مشروعية" قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح سواء في القانون اللبناني أو في القانون الدولي، إن لجهة الميثاقية أو الدستورية أو القانونية أو الأخلاقية أو الإنسانية.
ونحن نقول:
لا شيء يبرر للكيان الإسرائيلي زعمه في مهاجمة لبنان بأنه كان بحالة الدفاع عن النفس.
فقد عُرّف حق الدفاع المشروع من عام 1837 بمناسبة حادثة الباخرة "كارولينا" إذ أعلن كاتب الدولة الأميركي دانيال وستر "Welster":
"إن ضرورة الدفاع عن النفس يجب أن تكون ملحة بوجه خطر محدق، لا نترك مجالًا لاختيار الوسائل ولا وقتًا للتشاور". ثم إن العمل المباشر في هذه الحال يجب أن لا يستتبع "شيئًا غير منقول أو مفرط ولكي يكون العمل العسكري مبررًا بضرورة الدفاع عن النفس يجب أن يبقى في حدود تلك الضرورة ومحافظًا عليها بوضوح " .
كما أكدت محكمة نورنبرغ هذا الرأي بالتعابير التالية: "يجب أن نتذكر أن العمل الوقائي في أراضي الغير يكون مبررًا فقط إذا كان الدفاع عن النفس حالة ملحة لمواجهة خطر محدق لا يترك فرصة لاختيار الوسائل ولا وقتًا للتشاور" .
فهل تتوافق العملية الإسرائيلية مع هذه الشروط: تدمير القرى بالكامل" تصفية القادة، عملية البيجر، احتلال سبع مواقع بشكل دائم، عدم عودة المواطنين الى قراهم، الطيران في الأجواء بشكل مستمر، وقتل المواطنين اللبنانيين فرادى وجماعات، واستمرار الاحتلال والأسرى، الخ... ألا يتنافى ذلك مع الفقرة الرابعة من المادة الثانية من شرعة الأمم التي تنص على ما يلي:
"يمتنع أعضاء المنظمة في علاقاتهم الدولية، عن اللجوء الى التهديد أو عن استعمال القوة، سواء ضد وحدة الإقليم أو ضد الاستقلال السياسي لأي دولة، أو ضد أي شكل آخر لا يتلاءم مع أهداف الأمم المتحدة".
مع ذلك يُقر وقف إطلاق النار استنادًا الى القرار 1701 وليس كما زعموا بأنه دون تعديل، فلم يشر القرار، على سبيل المثال، الى العناصر والقوات التي يحق لها حمل السلاح على الأراضي اللبنانية، لكنها أضيفت الى القرار 1701 لمزيد من التأكيد ونزع سلاح حزب الله في جميع الأراضي اللبنانية.
ثم تأتي الورقة الأميركية التي تقضي بحصر السلاح.
واستنادًا إليها يصدر قرار الحكومة بحصر السلاح في 5/8/2025.
أولًا: إن قرار الحكومة اللبنانية يصدر بناء لقرار خارجي واستنادًا إليه، الأمر الذي يتنافى مع السيادة والاستقلال.
ثانيًا: لا تزال المراقبة الأميركية متتابعة ومستمرة، ففي 7/9/2025 يتم اجتماع لجنة الإشراف على تطبيق وقف إطلاق النار في رأس الناقورة، بحضور المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وقائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي براد كوبر.
ثالثًا: بعد انتهاء الاجتماع في الناقورة للوفد الأميركي الذي يضم كوبر وأورتاغوس، بدأ الوفد جولة في طوافة تابعة لليونيفيل جنوبي الليطاني للاطلاع على سير العمل.
رابعًا: يقول الإعلام العبري: الحكومة اللبنانية تجنبت الصدام مع "حزب الله" وإسرائيل تطالب بدعم أميركي لـ"تحطيمه".
خامسًا: يقول الرئيس الأميركي ترامب: سأرد لاحقًا على رفض حزب الله تسليم السلاح، وقد حذرت إدارة ترامب القادة اللبنانيين من أن الوقت ينفذ لنزع سلاح حزب الله.
ألا يعني كل هذا أننا إزاء قرار صادر في 5/8/2025 إرضاء أو تنفيذًا لإرادة خارجية ولرغبة خارجية في السياسة اللبنانية الداخلية، يشكل تناقض مع السيادة والاستقلال اللذين يزعمون أنهم متمسكون بهما وحريصون عليها الى اقتناعهم بامتلاك قرار الحرب والسلم مع إسرائيل التي لا تقيم وزنًا لأحد في هذه المنطقة سواء في لبنان أو غير لبنان.
وماذا يبقى من "الشرعية" و"المشروعية" في قرار اتخذ تلبية لطلب الخارج، وفي صمت مريب على اعتداءات العدو المتواصلة في البر والبحر والجو ومئات القتلى في كل الساحات اللبنانية.
وإذا كان العدو الإسرائيلي، يستند الى المادة 51 من شرعة الأمم التي لا تمس حق الدول الأعضاء من "الحق الطبيعي الدفاع المشروع الفرادي والجماعي عندما يكون أحد أعضاء الأمم المتحدة عرضة لهجوم مسلح" إلا أن هذه المادة تضيف أن "الإجراءات المتخذة من قبل الدولة التي تمارس حق الدفاع المشروع تنقل فورًا الى مجلس الأمن الدولي ولا توعز مطلقًا على سلطة مجلس الأمن وعلى واجبه في التحرك في أي وقت بالطريقة التي يراها ضرورية للحفاظ أو إعادة السلم والأمن الدوليين".
فهل قام مجلس الأمن بالتحرك بالطريقة التي رأها ضرورية لإعادة السلم والأمن الدوليين، أم أنه كان معطلًا من قبل الولايات المتحدة الأميركية باستعمال حق النقض الذي تتمتع به، ولا تزال تمدد للحرب في غزة أسبوعًا بعد أسبوع وشهرًا بعد شهر.
أين مجلس الأمن وأين الجمعية العامة في حرب كانت مستمرة برضى وقبول ودعم غير محدود من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا؟
أخيرًا، من يقول قائل إن هذا الكلام جائز قبل 5 أيلول 2025 حيث تم تصحيح الأمر (كما يقولون) لكني أقول إن ما بني على باطل فهو باطل.
تنصلوا من الوصاية الأميركية الأوروبية وتعالوا للتفاهم على مستقبل لبنان.
مقاربة موضوع حصرية السلاح من زاوية الميثاقية الوطنية / د. جاد طعمة
في خضمّ عدوان متصاعد يتحدى كل الأعراف والقوانين الدولية، نجد أنفسنا في لبنان نعقد ندوة قانونية من أجل مقاربة مضمون القوانين الداخلية والدولية التي لا يقيم لها العدو وزنًا، لتظهير انحيازنا للقوانين والنظام ولنكون أمام اختبار حقيقي لإرادتنا الوطنية ووحدة موقفنا. فالعدو الإسرائيلي الغاشم يمعن في انتهاك سيادتنا يوميًا عبر غارات جوية واغتيالات تستهدف أبرياءنا، بينما المجتمع الدولي يقف عاجزًا أو متواطئًا.
إن الولايات المتحدة، الراعية للكيان الصهيوني، لم تكتفِ بدعم عدوانه، بل تجاوزت ذلك إلى معاقبة قضاة المحكمة الجنائية الدولية لمجرد أدائهم واجبهم في ملاحقة مجرمي حرب إسرائيليين. هذه الازدواجية في تطبيق المعايير الدولية تدفعنا إلى التساؤل عن جدوى الآليات الدولية حين تكون خاضعة لهيمنة القوى العظمى، وكيف يمكننا أن نثق بوعود وسيط منحاز وأنه سيضغط دبلوماسيًا من أجل تحقيق مصلحة بلدنا.
في لبنان، نواجه تحدّيًا وجوديًا يتطلب منا وحدة الموقف داخليًا والرؤية المشتركة. فبينما يستمر العدو في منع أهالي 65 بلدة حدودية من العودة إلى ديارهم، وفي وقت يصرّ فيه البعض من شركائنا في الوطن على تحويل النقاش إلى موضوع حصرية السلاح، متجاهلين أن السيادة ليست شكلًا إداريًا بل هي ترجمة للقدرة على الدفاع عن الأرض والمواطن.
الدستور اللبناني كرّس في مقدمته ولا سيما في "الفقرة ي" حق المقاومة المشروع، وأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني التي تشمل في كتلتها ميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد في المادة 51 منه على حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وتقرير مصيرها. لقد انتظرنا في لبنان أكثر من عقدين من الزمن لتطبيق القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، ولم يحرر أرضنا إلا سلاح المقاومين، فكيف نثق اليوم بوعود المبعوثين الأميركيين وأنهم سيردّون عن لبنان العدوان؟
إن الحديث عن حصرية السلاح يجب أن لا يُفصل عن سياقه الحقيقي. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها ولا تستطيع إلا إصدار بيانات فيها شجب واستنكار وإدانة، لا يمكنها أن تقرر "حصرية السلاح" بينما العدو يُمعن في عدوانه، فمعيار الضبط هو تحقيق المصلحة الوطنية العليا. المسألة ليست في شرعية المقاومة، فهذا أمر مُسَلّم به، بل في كيفية ممارسة هذا الحق ضمن رؤية وطنية موحدة، وإن كانت لدينا ملاحظات مشروعة على الأداء السابق فإن ذلك لا يجعلنا في موقع نستطيع فيه الانقلاب على المبدأ.
من المنطقي أن نطرح إشكاليات عدة: لمن نعطي الأولوية؟ لنصوص يمكن تفسيرها بطريقة ملتبسة، أم لفئة من شعبنا ممنوع عليها العودة إلى بيوتها وزراعة أرضها ؟ ولماذا لا نتحاور حول كيفية تطوير إستراتيجية دفاعية وطنية واحدة تجمع بين دور الجيش والمقاومة في إطار تكاملي؟ ولماذا لا نتصالح كلبنانيين حول مصلحتنا الوطنية العليا بدلًا من الانخراط في صراعات جانبية تخدم العدو؟
الوحدة الوطنية ليست شعارًا، بل ضرورة وجودية. فالميثاق الوطني أقرّ باحترام شرعية الاختلافات العقائدية بين اللبنانيين، والإسلام كدين يحترم المسيحية والعكس صحيح. فالمسيح عليه السلام قاوم الظلم ورفض الخضوع لمطالب كهنة الهيكل وسلك درب الجُلجلة حتى الصلب. والإسلام كرّس العقيدة القتالية ولو اختلّت موازين القوى من باب الانتفاض للكرامة والدفاع عن النفس ضمن ضوابط شرعية وأخلاقية صارمة تمنع البدء بالعدوان وتفرض مراعاة مبدأ التناسب وتدعو إلى التسامح.
إن التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم هو الحفاظ على إنسانيتنا وقِيمَنا في مواجهة آلة عدوانية لا تعرف الرحمة. فبينما ترفض المقاومة في غزة الاستسلام، وتقدّم أروع أمثلة الصمود، علينا في لبنان أن نستلهم هذه الروح.
إن طريقنا إلى التحرير والسلام يمر عبر وحدة موقفنا. ولا بد من أن تتضافر الجهود من أجل التوصل إلى وضع رؤية دفاعية وطنية تحفظ كرامتنا وتصون سيادتنا، لأن المستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع بإرادة الشعوب الحرة.
المجد لمن قاوم وقال لا ... المجد للمقاومة.
المقاومة المسلحة ضد الاحتلال حق طبيعي لا يمكن إسقاطه / د. لونا فرحات
مقاومة الاحتلال والاستيطان حق مشروع
يؤكد القانون الدولي أن المقاومة بكافة أشكالها حق مشروع للشعب الواقع تحت الاحتلال، وأن سلاحها يحظى بشرعية قانونية ولا يمكن نزعه وهو ما يضع "إسرائيل" وحلفاءها أمام إحراج قانوني، لذا يحرص هذا العدو ومن يدور في فلكه على أن يشيطن صورة المقاومة ويصف مقاتليها بالمخربين أو الإرهابيين. أن أية محاولة لقمع الكفاح المسلح هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة ولاتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها، لأن القانون الدولي يقر لجميع الشعوب المحتلة حقها في الدفاع الشرعي، ومواجهة الاحتلال، بجميع السُبل الممكنة، بما في ذلك الكفاح المسلح، إذ لا يوجد أي نص أو قاعدة قانونية تمنع استخدام سكان الأراضي المحتلة للسلاح أو تنفيذهم لأي نشاط وطني أو مقاوم ضد الاحتلال، بل جعلت من الواجب على الشعوب القيام بما يتحتم عليهم من المواجهة لإنهاء احتلال أراضيهم، كما اعتبرت المواثيق والشرائع الدولية الاحتلال سلطة قائمة بالقوّة لا على سلطة القانون، لذلك فإن ضمان إزالتها لا يأتي إلا بالقوة بغضّ النظر عن ماهيّة هذه القوة.
تؤكد القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا على حق المقاومة، ومن بينها القرار رقم ( 3103 ) لسنة 1973 بشأن المبادئ المتعلقة بالمركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والنظُم العنصرية ، الذي أضفى المشروعية على عملهم وأكد أن هؤلاء المقاتلين تشملهم الحماية بموجب قواعد القانون الدولي المعمول به في النزاعات المسلحة، مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 الخاصة بجرحى الحرب وأسراهم ، وحماية المدنيين . وقد نص هذا القرار على أن نضال الشعوب في سبيل حقها في تقرير المصير والاستقلال هو نضال شرعي يتفق تمامًا مع مبادئ القانون الدولي. والقرار رقم 2649 المتعلق بـ "إدانة إنكار حق تقرير المصير" والذي ينص بالحرف على أن الجمعية العامة "تؤكد شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية، والمعترف بحقها في تقرير المصير، لكي تستعيد ذلك الحق بأية وسيلة في متناولها". وهذا ما جاء أيضًا في نصّ قرار الجمعية العامة رقم 2649 لسنة 1970م، "إن الجمعية العامة للأمم المتحدة لتؤكد شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية والمعترف بحقها في تقرير المصير، لكي تستعيد ذلك الحق بأي وسيلة في متناولها… وترى أن الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها خلافًا لحق شعوب تلك الأراضي في تقرير المصير، ولا يمكن قبوله ويشكّل خرقًا فاحشًا للميثاق". كما أن دعم المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي العسكري يتفق تمامًا مع القرار 2649 الذي يؤكد على شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية، ويعترف لتلك للشعوب في ممارستها الشرعية لحقها في تقرير المصير، بالبحث عن جميع أنواع المعونة المعنوية والمادية وتلقّيها، بموجب قرارات الأمم المتحدة وروح ميثاق الأمم المتحدة.
أما القانون الدولي الإنساني فقد نص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977) في مادته 1 (4)، على أن مقاومة الشعوب تحت “الاحتلال الأجنبي” و ”ضد الأنظمة العنصرية” تعتبر نزاعات مسلحة، يتمتع الأفراد الذين يقومون بممارستها بوضع أسير الحرب في حالة وقوعهم أسرى. ما يعني أن مقاومتهم مشروعة. وعلاوة على ذلك، أثبتت الممارسة العامة في تحقيق “حق تقرير المصير” على مر السنين أنه لا تكاد توجد حالة لتقرير المصير تتحقق دون اللجوء إلى القوة والكفاح المسلح. ومن ثم، فإن عدم الاعتراف بحركات المقاومة من شأنه أن يصبح فيه أي احتلال أجنبي أمرًا واقعًا على الشعب الواقع تحت الاحتلال في الوقت الذي يحظر فيه القانون الدولي الاستيلاء على الأراضي بالاحتلال.
مبرّرات استمرار المقاومة اللبنانية:
أولًا: عقلية الغيتو الصهيونية التوراتية
رغم التغيرات الواسعة في العالم منذ إنشاء الأمم المتحدة وتبنّيها العديد من القرارات والاتفاقيات الدولية التي تعترف وتقر بحقوق الإنسان وتجريم التمييز العنصري والكراهية بين الشعوب، تجاوزت معظم المجتمعات الأفكار العنصرية وحاربتها وجرّمتها على صعيد قوانينها الوطنية واعترفت بحقوق الآخرين والأقليات وعدم التمييز بسبب الدين أو العِرق أو الانتماء الاثني والثقافي، فإن العقل الصهيوني يرفض إحداث أي تغيّر في فكره الذي تعشعش فيه الخرافات والأساطير التي تتمحور حول كون اليهود شعب الله المختار وأن الأرض الفلسطينية هي أرض أجداده وأرض الميعاد المزعومة. إن نظرية تفوّق العرق اليهودي على "الغوييم" أي الغرباء وهم غير اليهود، دفعت "إسرائيل" إلى تطوير برنامجها العسكري بدعم وتمويل ورعاية الولايات المتحدة على أساس هذه النظرية. الغلواء الصهيونية تصل ذروتها عندما ترفض "إسرائيل" رسم حدودها وتعتبر هذه الحدود مفتوحة وهي آخر نقطة يقف عليها الجندي الصهيوني بحجة الأمن تارة وبحجة أرض الميعاد الخرافية تارة أخرى. اليهود الصهاينة ينظرون إلى الشعوب الأخرى (غير اليهودية) على أنهم الجنس الأدنى الذي يجب استعباده وتسخيره لخدمة الشعب اليهودي. هؤلاء الصهاينة هم من أقاموا نُصبًا تذكاريا للمجرم باروخ غولدشتاين الأميركي الصهيوني الذي قتل 27 مصليا أثناء صلاتهم في مسجد الأقصى عام 1994 فالمجتمع الإسرائيلي لم يعتبره مجرمًا. والكيان الصهيوني لا يعترف بحق شعوب المنطقة العربية بالوجود ولا خيار أمامهم سوى الإبادة أو التهجير القسري. جريمة الإبادة التي ترتكبها "إسرائيل" في غزة منذ سنتين خير شاهد على عقلية التفوق اليهودي ليس فقط على الفلسطينيين بل على العالم بأسره وكل من يعترض أو يناقش أو ينتقد سلوك الصهاينة الهمجي الإجرامي هو معاد للسامية. تفوّق العِرق اليهودي، جعل الكيان الصهيوني المؤقت يستهزئ بقرارات الأمم المتحدة وبقرارات محكمة العدل الدولية، ويمزّق مندوبه ميثاقها من على منبر الجمعية العامة. ألم يصرّح قادة الكيان الصهيوني أنهم يقاتلون حيوانات بشرية، ألم يصرّحوا علنًا أن التوراة تأمرهم بالتخلص من كل طفل وامرأة ومسنّ، فكلهم "إرهابيون كلهم حماس لا تبقوا منهم أحدًا في غزة". ومن المستغرب أن ما من دولة عربية مطبّعة مع الكيان الإسرائيلي اعترضت أو طالبت بتقديم اعتذار والتراجع عن مثل هذه تصريحات! علمًا أن مجرد إطلاقها ونشرها علنًا يشكل جريمة حرب قائمة بحد ذاتها.
ثانيًا: التطبيع والأمن القومي العربي المشترك
السؤال الذي يُطرح على الدول العربية المُطبّعة كيف استفاد الفلسطينيون من التطبيع؟ هل قدمت "إسرائيل" أي تنازلات تتعلق بخططها الاستيطانية المستقبلية؟ هل اعترفت بحق الشعب الفلسطيني بالوجود وحقه في إنشاء دولته على أراضي العام 1967؟ إن اتفاقيات السلام مع العدو الإسرائيلي لم تكن لتحصل إلا لتحقيق مصالح ثنائية على حساب القضية الفلسطينية. السلام المزعوم الذي تسعى "إسرائيل" إلى تحقيقه عبر التطبيع مع الدول العربية هو مقابل الاستثمارات والمنافع الاقتصادية وليس مقابل الحل العادل للقضية الفلسطينية. لقد قبل العرب المطبّعون اتفاقيات سلام ثنائية مع الكيان الصهيوني مسقطين حقوق الشعب الفلسطيني من حساباتهم . فما من فوائد يجنيها الشعب الفلسطيني من التقارب الصهيوني -العربي.
لقد تنبه الفلسطينيون إلى أن اتفاقيات أوسلو كانت خدعة لمن وافق عليها ورضخ لها وبات جليًا أنها لم تؤد إلى سلام عادل وشامل ولم تؤد إلى إنشاء الدولة الفلسطينية بل ما نتج عنها هو أن الكيان الصهيوني اقتطع أراضي من الضفة الغربية ووسّع مستوطناته وأقام الجدار الفاصل، وهو مستمر في سياسة قضم الضفة الغربية تحضيرًا لضمها إلى "إسرائيل الكبرى". أما قطاع غزة فإنه يتعرّض للإبادة التي ما زالت مستمرة. إن اتفاق التطبيع هو اعتراف بحق "إسرائيل" بالوجود والتسليم بكيان العدو واعتبار أن كل ما قام به من جرائم منذ نشأته إلى اليوم هو "دفاع عن النفس".
ثالثًا: الأطماع الإسرائيلية وحلم "إسرائيل الكبرى"
في آذار/ مارس 2023 ظهر يتسلئيل سموتريتش، وزير مالية الكيان الصهيوني، في خطاب ألقاه في العاصمة الفرنسية باريس وأمامه خريطة تظهر تداخلًا بين فلسطين والأردن في إشارة إلى أن "إسرائيل" تشمل أيضًا الأردن. تستند هذه الخريطة إلى شعار الأرغون وهو تنظيم عسكري صهيوني يطالب بأن تكون فلسطين والأردن جزءًا من الدولة اليهودية . الخطة التوسعية لسموتريتش والدعم الذي يحظى به من الأوساط المتطرفة الصهيونية تثير مخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي والقضية الفلسطينية . ومؤخرًا أعلن مجرم الحرب نتنياهو أنه ينفذ الخطة الإلهية وهي تحقيق "إسرائيل الكبرى".. كما يزعم! نظرته التوسعية امتدت إلى طموحات أوسع بحيث تشمل لبنان وسوريا والعراق ومصر وصولًا إلى المملكة العربية السعودية. من سيدافع عن السيادة العربية والشعب العربي؟ هل تستطيع الدول العربية المطبّعة أن تُفعل اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟ ماذا لو استطاعت "إسرائيل" فعلًا ضم العراق وسوريا كما تحلم وتخطط، هل ستقف الدول العربية مع من يتعرض لخطر التمدد الإسرائيلي؟ اليوم لبنان يتعرض لعدوان إسرائيلي وخطط استيطان في الجنوب اللبناني، ماذا فعلت الدول العربية مجتمعة؟ هل يستطيع لبنان أن يطلب مساعدة الدول العربية وفقًا لاتفاقية الدفاع العربي المشتركة لصد العدوان الإسرائيلي؟ الدول العربية عاجزة عن تفعيل الاتفاقية، التي تعتبر أن كل اعتداء مسلح يقع على دولة أو أكثر منها أو على قواتها، اعتداء عليها جميعًا، ولذلك فإنها عملًا بحق الدفاع الشرعي (الفردي والجماعي) عن كيانها تلتزم بأن تبادر إلى مساعدة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما. بحسب المادة الثالثة من الاتفاقية "تتشاور الدول المتعاقدة في ما بينها، بناء على طلب إحداها كلما هُددت سلامة أراضي أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. هل تستطيع مصر أن تحرك جيشها للدفاع عن لبنان وهي ملتزمة باتفاقية كامب ديفيد وعلاقات سلام مع الكيان الصهيوني؟ الجواب: بالتأكيد لا.
خلاصة القول، أن المرحلة الحالية والمقبلة تستدعي بقاء المقاومة بكل أنواعها وبقاء سلاحها ولا يوجد أي عائق قانوني أن تستمر المقاومة مع الجيش الوطني جنبًا إلى جنب، في دفاعها عن الوطن. ويتعين على الدول الموالية لخط المقاومة والمناوئة للغرب الأميركي الصهيوني الوقوف إلى جانب المقاومة والجيش في أن معًا، بتقديم الدعم المعنوي والمادي والعسكري لهما، وهذا ما يتفق تمامًا مع القانون الدولي، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. أن نزع سلاح المقاومة مخالف للقانون الدولي وسلاح المقاومة ضد كيان استيطاني توسعي هو ضرورة حتمية. والقول بغير ذلك يعني السقوط في حتمية أخرى هي أن نكون، نحن "الغوييم"، مصيرنا إما الاستعباد أو الإبادة.