يروي هذا الكتاب الصادر عام 2013، قصة الحرب المالية الأميركية وأدواتها وصناعها ومهندسيها في وزارة الخزانة وكيف طوّروها. ويشرح الكتاب كيف تكونت وماذا حققت القوة المالية للولايات المتحدة وما يجب القيام به للحفاظ عليها في المستقبل. ويبيّن كيف يمكن للمتضررين من هذه الحرب أن يستفيدوا من درس السنوات العشر الماضية لشن حروب مالية ضد أميركا. أما الكاتب فهو خوان زاراتي أول مساعد لوزير الخزانة لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية بين عامي 2001 – 2005، ثم نائب مساعد الرئيس الأميركي ونائب مستشار الأمن القومي لمحاربة الإرهاب ما بين عامي 2005 – 2009. وأخيرًا عُيّن مستشارًا كبيرًا لدى مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (واشنطن) منذ 2009. هذه المسؤوليات أتاحت للكاتب أن يعرض قصة الحرب المالية من الداخل لأنه من المشاركين في رسم مساراتها ومراحلها مغنيًا النص بالكثير من التفاصيل والمعلومات الهامة لفهم موضوع "الحرب المالية" الذي يزداد أهمية في العلاقات الدولية رغم ما يكتنفه من ضبابية وغموض حتى الآن.
تمهيد: الحرب الخفية ووزارة الخزانة
شنت الولايات المتحدة خلال العقد الأخير نوعًا جديدًا من الحرب المالية غير المسبوقة في قدرتها على التأثير والاختراق وهذه "الحرب الخفية" التي غالبًا ما أسيء فهمها أو تقديرها أصبحت في صلب مذهب الأمن القومي الأميركي. وقد ألحقت هذه الحرب ضررًا شديدًا بالنظم المالية والتجارية لاعدائها (مثل القاعدة وكوريا الشمالية وإيران) وقيدت تدفق الأموال وسببت آلمًا حقيقيًا لهم. ويعرّف زاراتي هذه الحرب بأنها "استخدام الأدوات المالية والضغط وقوى السوق للتأثير على القطاع المصرفي ومصالح القطاع الخاص والشركاء الأجانب بهدف عزل اللاعبين المارقين عن النظم المالية والتجارية العالمية وإزالة مصادر تمويلهم". ويتضح من التعريف أن هذه الحرب تتجاوز العقوبات التقليدية والحظر التجاري.
بدأت أميركا بتطوير تقنيات هذه الحرب بعد هجمات 11 أيلول 2001 ضد القاعدة بالتحديد ثم طورتها لتوظفها ضد دول وكيانات مالية. وبمرور الوقت أصبحت من أدوات الأمن القومي المتاحة للتوظيف في القضايا الأمنية العالمية الصعبة. وقد تنبّه الأميركيون إلى أن "المال هو ما يغذي عمليات المارقين حول العالم، لكنه في الوقت عينه أيضًا يخلق لهم عيوبًا"، فهو بمثابة "كعب أخيل" أعداء واشنطن، يقول الكاتب. وبناء على ذلك بدأت مجموعة صغيرة داخل وزارة الخزانة مقاربة ساحة المعركة العالمية من خلال عدسات الدولار واليورو والريال، ورؤية المال على أنه "رصيدنا الأعظم وعيب خصومنا الأعظم".
هذه "الحرب المالية" أتاحت اعادة تشكيل كل مجال الحرب الأميركية وكذلك دور وزارة الخزانة نفسها. ويقر الكاتب بأن هذا النوع من الحرب لا يكفي وحده لحل القضايا الأكثر عمقًا في اهتمامات الأمن القومي، ولكنه يتيح التأثير على اللاعبين "المارقين" ومصالحهم بشكل غير مسبوق. واللافت أن هذه الحرب المالية الجديدة لا تزال مجهولة حتى لدى بعض ممن هم في المستويات العليا من الحكومة الأميركية ولا يعلمون كفاية عن دور وزارة الخزانة وفعالية استراتيجياتها، كما يقول الكاتب. فوزارة الخزانة طورت هذه الحرب وأدواتها بالتدريج والتجربة وتمكنت من تعزيز حضورها في الأمن القومي الأميركي بفعل تأثيراتها غير المتوقعة، فيما كان مسؤولو الإدارة في تلك المرحلة لا يميزون بين العقوبات الاقتصادية والحرب المالية الجديدة.
قبل 11 أيلول 2001 كانت الوزارة مجرد مستهلك للمعلومات الاستخباراتية الواردة من مجتمع الاستخبارات. ولكن بعد الهجمات كانت الوزارة جزءًا من إعادة الهيكلة حيث جرى نقل جملة وكالات وأقسام من وزارة الخزانة إلى وزارة الأمن الوطني المستحدثة ولا سيما نقل وكالة "الخدمة السرية" التي هي درة تاج هيبة وزارة الخزانة. في المقابل كان أركان وزارة الخزانة طامحون لاكتساب دور ريادي في الاستخبارات المالية التي يعرّفها زاراتي بأنها "جمع للمعلومات التي تكشف التبادلات المالية والتجارية وتداول الأموال والأصول وداتا الرساميل والعلاقات المالية والتجارية ومصالح الأفراد والشبكات والمنظمات".
لضمان هذا الدور الاستخباري تمت صياغة "ورقة بيضاء" تضمنت ثلاثة مرتكزات لتنشيط وظيفة وزارة الخزانة: إنشاء مكتب مقتدر للسياسات لمراقبة تنفيذ العقوبات ووضع معايير لنظام مالي مشروع وتنظيم الحرب المالية ومشاركة المعلومات بين الأجهزة المختلفة، وذراع لمكافحة الجرائم المالية (عام 2003 أُنشىء المكتب التنفيذي لجرائم الإرهاب المالي) ودور استخباري جديد. المكتب الاستخباري ويستفيد من علاقات وأدوات وموارد الوزارة لجمع المعلومات عن الجرائم المالية والشبكات غير الرسمية وتمويل الإرهاب وكل القضايا المالية المرتبطة بالأمن القومي.
وقد وافق الكونغرس على إنشاء مكتب الاستخبارات والتحليل في وزارة الخزانة OIA وبذلك تصبح أول وزارة مالية في العالم لديها أداة استخباراتية. وتم اختيار جانيس غاردنر (أميركية من أصل ياباني) وهي محللة في CIA لإدارة مكتب الاستخبارات وفي عام 2010 حلت مكانها ليزلي اريلند. كما أصبح مساعد وزير الخرانة مديرًا لمكتب مدير الاستخبرات الوطنية للتهديد المالي. وبذلك أصبحت الخزانة تقود لعبة الاستخبارات المالية، "لقد أصبحت دائرة كاملة". كل هذه الوظائف الاستخباراتية جمعت في "مكتب الاستخبارات المالية والإرهاب"(TFI) وتم تعيين سنيورات ليفي رئيسًا له من موقعه كنائب لوزير الخزانة عام 2004 إلى حين انتقاله إلى البيت الأبيض عام 2005.
بالمحصلة تحولت الخزانة من مستهلك سلبي للمعلومات الاستخباراتية إلى منتج لها وأصبحت الاستخبارات المالية متممة لمصادر الاستخبارت الأخرى لتفكيك الشبكات. وتستفيد الخزانة من خبراتها وصلاتها الواسعة مع المؤسسات المالية الخاصة والحكومية حول العالم لجمع المعلومات. وأصبحت هذه القوة الجديدة لوزارة الخزانة جزءًا من "القوة الذكية" التي كان يدعو إليها كثير من المسؤولين عن السياسة الخارجية الأميركية منذ 2004، ويمكن اعتبارها ماركة مسجلة من "الدبلوماسية القسرية" التي غالبًا ما تستخدم بطريقة أُحادية. وبالنتيجة أصبحت وزارة الخزانة عنوانًا دائمًا في الحكومة الأميركية لتنفيذ كل ما هو مرتبط بالحرب المالية، بحسب زاراتي.
تنظيم القاعدة
بعد 11 أيلول 2001 أطلقت واشنطن حملة مضادة لتمويل الإرهاب أعادت تشكيل جوهر طبيعة الحرب المالية، وكانت عناوينها الأساسية هي: توسعة النظام العالمي لمكافحة تبييض الأموال، وتطوير أدوات مالية واستخباراتية، وتطوير استراتيجيات ترتكز على فهم جديد حول محورية النظام المالي العالمي والقطاع الخاص في التهديدات العابرة للحدود. وكان المصدر الأساس لقوة أميركا في إطلاق هذه الحرب المالية هو سيطرة واشنطن على أسواق الصيرفة من خلال الدولار باعتباره العملة الرئيسية في العالم.
ويشير زاراتي إلى أنه من خلال التدقيق بتمويلات الإرهابيين يمكن كشف بصمتهم المالية وعلاقاتهم وقادتهم وتعطيل الهجمات وكذلك تقييد النفاذ والإسقاط الإستراتيجي لشبكات الأعداء. وقد شمل الطور الأول من الحرب المالية بعد 2011 الداعمين الماليين للإرهاب والشركات والأعمال التي يملكونها أو يسيطرون عليها أو المرتبطة بهم. وشملت الموجة الأولى من هذه الحرب التصنيف وفق آلية "سمّي وألحق العار" “name & shame” (ضرب سمعة المؤسسات المالية) والعقوبات وتجميد الأصول وصفقات "الإرهابيين" وداعميهم.
بعد أسبوعين من هجمات 11 أيلول صدر الأمر التنفيذي EO13224، الذي جمد الأرصدة المالية ومنع التعامل مع 27 كيانًا مشبوهًا بالتعامل مع إرهابيين، وأناط بوزارة الخزانة دورًا عملانيًا جديدًا في مكافحة الإرهاب، ثم أنشىء مركز لتعقب الأصول الأجنبية للإرهابيين في الوزارة. كما وقَّع الرئيس بوش (PATRIOT Act) ما أنتج التوسع الأكبر لنظام مكافحة تبييض الأموال الأميركي منذ 1970 بحيث أصبحت هذه الإجراءات تقتصر على المصارف فقط وشملت البنوك غير المالية والصناعات والخدمات المالية وشركات التأمين والسماسرة والوسطاء في المعادن والأحجار النفيسة.
ثم باشر المشرعون الأميركيون وضع ضغوط على المؤسسات المالية لمكافحة غسيل الأموال والالتزام بالآليات الضابطة لضمان عدم استخدام الإرهابيين هذه المؤسسات، إضافة للتعاون مع الشركاء حول العالم وبناء القدرات من خلال قوانين وتشريعات وأدوات جديدة. وقادت الإدارة جهود دولية (خاصة الدول السبع الكبرى) لنشر الإجراءات الجديدة وشرحها وضمان الالتزام الدولي بها بهدف تعزيز الشفافية المالية والمحاسبة والمراقبة حول العالم بما في ذلك صندوق النقد والبنك الدولي والأمم المتحدة "ما خلق شبكة التزامات حول العالم". وفي هذا السياق جرت توسعة القرار 1267 لمجلس الأمن بما يمكّن أميركا من تدويل عملية وضع أشخاص على اللوائح لتجميد أصولهم بحال ربطوا بالقاعدة أو طالبان، كما صدر القرار 1373 عن مجلس الأمن (28 أيلول 2001) حول مكافحة تمويل الإرهاب التي لم تعد محصورة بالقاعدة أو طالبان.
في السابع من تشرين الثاني 2001 كانت "شبكة البركات" أولى الضحايا لاتهامها بصلات تربطها بالقاعدة وتم تصنيف كل المرتبطين بها بالإرهاب وقد لجأ بعضهم للمحاكم الأميركية ونجح من حذف اسمه من التصنيف. رغم ذلك يرى الكاتب أن عملية التصنيف كانت ناجحة لأنها ضربت الشبكة كلها وأُتيح لمن ليس لهم صلات بالقاعدة استخدام آليات للدفاع عن أنفسهم. فالتصنيف جرى وفق قاعدة 20/80، أي عندما تكون متأكدًا بنسبة 80% من المعلومات تتصرف ولا تنتظر تحصيل الـ 20% المتبقية والتي ستأخذ وقتًا ولا تكون مفيدة ربما. لاحقًا جرى التخلي عن هذه القاعدة بسبب القلق حول شرعية القرارات الأميركية والتداعيات الدبلوماسية الناتجة عنها وأصبح التصنيف يتحدد وفق قاعدة 100%.
ويذكر زاراتي أنه في أوائل بدايات 2002 حين بدأ يظهر تأثير وزارة الخزانة من خلال تصنيف الكيانات، حضر مدير مكتب مكافحة الإرهاب في CIA طالبًا منهم عدم تصنيف الكيانات التي تمول القاعدة في أوروبا لأن الاستخبارات تلاحقها ولا تريدها أن تنتبه أنه جرى تعقبها، وقد التزمت الخزانة بذلك. ومن حينها بدأت مجموعة صغيرة في وكالة المخابرات المركزية والـ أف بي آي ووزاة الخارجية والدفاع والخزانة والبيت الأبيض بالاجتماع دوريًا للتنسيق العملاني.
وفي 2002 وبعد مداهمة لأحد مراكز تمويل القاعدة عثر على لائحة احتوت 23 أسمًا من أهم المتبرعين للقاعدة وعرفت اللائحة بالـ "السلسلة الذهبية" وكان العديد منهم سعوديين مثل سليمان الراجحي وخالد بن محفوظ. ولم يكن هؤلاء داعمين سلبيين ولكنهم "مستثمرون في القضية" فطالبوا بلقاء بن لادن وأن تستخدم أموالهم في هجمات محددة.
وبالتوازي مع الضغوط على النظام المالي الرسمي، بدأت وزارة الخزانة تتعامل مع حركة المال عبر شركات الحوالة. وهذا ما دفع بعد 11 أيلول إلى فرض تنظيم عمل شركات الحوالة حول العالم. وكانت البداية مؤتمر في الإمارات (2002) تم بموجبه الاتفاق بشكل جانبي (الإمارات –أميركا) على خارطة طريق لتنظيم هذا القطاع وتعزيز الشفافية والمحاسبة والرقابة الحكومية. وبعد تقدير ميداني لنظام الحوالة في أفغانستان كانت الخلاصة استحالة إيقاف هذا النظام نظرًا لحجم المصالح التي يحويها ولذا كان الاقتراح تنظيم هذا النظام واستخدامه لمراقبة وعزل كل سلوك سيىء.
الخطوات التي اتخذت لضبط نظام الحوالة شملت: تشديد الرقابة وفحص دخول وخروج الأموال عالميًا وإقرار ضوابط جديدة حول العالم وتدريب وكالات فرض القانون والجمارك على تطبيقها والبحث عن نقاط الاختناق "أي البوابات الأساسية لعبور المال" إلى شبكات القاعدة مثل دبي وكراتشي أو من لندن إلى إسلام أباد. وفي آب 2003 أوقفت السلطات البريطانية في مطار هيثرو عبد الرحمن محمد العامودي (أميركي من أصل ارتيري) ومؤسس المجلس الإسلامي الأميركي بعد ضبطه وبحوزته كميات من الأموال وتبين أنه على صِلة بالليبيين للقيام بأعمال غير مشروعة، بحسب زاراتي.
كما سعى الأميركيون مع الأوروبيين لحيازة معلومات برنامج SWIFT بعد أن ساهمت معلوماته في القبض على العديد من الإرهابيين. وكان مديرو SWIFT قلقين من تسرّب معلومات البرنامج فيما يطالب الأميركيون بالنفاذ إلى كامل الداتا. في البداية كان الأميركيون حريصين على تقليل الطلبات حيث انحصرت منذ تشرين الأول 2001 بمعدل مذكرة واحدة كل شهر (تتضمن عدة طلبات). وعرض الأميركيون لمسؤول البرنامج قضايا واقعية ساهمت فيها معلومات SWIFT بإيقاف إرهابيين، فيما طالب الأوروبيون بضوابط لضمان الخصوصية والحيادية.
ثم صمم الأميركيون من المعلومات المتوفرة من SWIFT برنامج Treasury Terrorist Financing Tracking وله رمز ((Turtle الذي أتاح القبض على أبرز مطلوبي القاعدة خلال عملية في تايلند عام 2003". في شهادة لستيوارت ليفي أمام اللجنة الفرعية للمعلومات المالية في الكونغرس أفاد أنه "خلال سنتين من مراجعة التقارير الواردة من سويفت كل صباح لم يخلِ نهار من معلومات تقودنا إلى إمر مرتبط بالإرهاب".
وفي 2006 اكتشفت نيويورك تايمز وجود نفاذ أميركي إلى سويفت وظنت أنه غير قانوني. وحاول المسؤولون الأميركيون أن يؤكدوا للصحيفة أن البرنامج قانوني وطالبوها بعدم النشر لأسباب مرتبطة بالأمن القومي. لكن الصحيفة قررت في النهاية النشر بهدف إضعاف الرئيس بوش، كما صرح أحد مسؤوليها لرجال الاستخبارات لاحقًا. وقد احتوت الإدارة النشر كون المسألة قانونية وأتاحت لصحافي آخر معلومات مضادة نشرت بالتوازي مع خبر نيويورك تايمز ولوس أنجلوس بوست. وقد ردت سويفت على التقارير بأن "الاستخدام قانوني ومحدود ومحمي ومراقب ومدقق". وأدى كشف القضية إلى إثارة سجالات واعتراضات داخل أوروبا حيث جرى تقديم الأمر كخرق لخصوصيات المواطنين الأوروبيين. وبعد عدة جولات تفاوض أوروبية أميركية جرى توقيع اتفاقية 2010 التي حددت بوضوح نوعية المعلومات التي يمكن للولايات المتحدة أن تحصل عليها مع ضمانات بأن يكون استخدام المعلومات قانونيًا ولا يؤثر على الخصوصية أو يكون فيه تعسف.
أدى الكشف عن البرنامج إلى إظهار ما لدى الخزينة من قدرات وموارد وقيمتها الاستخباراتية وشبكة علاقاتها. وقد وضع البرنامج الوزارة في مركز متنام للأمن القومي وساعد في تقديم شرح دقيق للدافع إلى امتلاك وزارة الخزانة اطارًا استخباريًا تحليليًا هو الوحيد في العالم. هذا النوع من الاستخبارات المالية "أتاح تتبع البصمات المالية للإرهابيين وعزل السلوك المالي الضار، وهذا العمل يستلزم تعاونًا مع الحلفاء الاقربيين حيث يحصل الإرهابيون على التمويل".
كذلك تركّز جهد أساسي لوزارة الخزانة على السعودية لضبط التمويل والتبرعات والأموال الشرعية والشبكات التي تمول القاعدة وبعضها قائم منذ حقبة "الأفغان العرب". ففي ربيع 2002 وصلت بعثة من وزارة الخزانة إلى الرياض بهدف إغلاق الشبكة الأكبر للتبرعات الإسلامية وهي "مؤسسة الحرمين" التي كانت تستفيد منها القاعدة. وبحسب زاراتي، كانت البعثة حريصة على أن لا تخلق تصورًا بأنها تستهدف كل "العمل الخيري الإسلامي" ولكن فقط تمويل الإرهاب. واقترح الأميركيون في اللقاء مع الأمير عبد الله العمل معًا لإغلاق بعض الفروع الأساسية وإجراء تحقيقات مع مسؤولي "الحرمين" تمهيدًا لإنهاء كل عملياتها حول العالم. هذا التدرج انطلق من إدراك أميركي بأن الحكم السعودي عاجز عن القيام بخطوة كبيرة دفعة واحدة نظرًا للتوازنات الداخلية مع القبائل والمؤسسة الدينية، لذا كان التركيز على إرسال إشارة وبدء مسار التعاون بين السعودية وأميركا في مكافحة تمويل الإرهاب.
وفي 11 آذار 2002 جرى تصنيف فرعي "الحرمين" في الصومال والبوسنة واستدعي الشيخ عقيل عبد العزيز العقيل للتحقيق، واستمر تصنيف الفروع وساهم في ذلك هجوم للقاعدة داخل السعودية في أيار 2003. في ذلك العام زار بندر وزارة الخزانة الأميركية معربًا عن قلقه من تحقيق الـ أف بي أي بشأن المعاملات البنكية للسفارة السعودية التي استفاد منها خالد المحضار ونواف الحازمي اللذين شاركا في هجمات 11 أيلول. والخلاصة أن الأميركيين أفهموا بندر أن "هذه حقبة جديدة حيث الشكوك بين الحلفاء لا بد منها"، بتعبير زاراتي. وبحلول 2004 أغلق السعوديون مؤسسة "الحرمين" بشكل كامل.
ومن أبرز الممولين الذي جرى تصنيفهم ياسين القاضي (2001) وهو صاحب استثمارات واسعة في الشرق الأوسط وأوروبا وتركيا، وجرى تجميد أمواله إلى درجة دفعته للطلب من محاميه تحدي التصنيف قانونيًا أمام المحاكم في لندن ومحكمة العدل الأوروبية. وقد رفض أردوغان يومها تجميد أموال "القاضي" ونجح في رفع اسمه عن لوائح الإرهاب للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أن الكاتب يعتبر أن النجاح كان في تسليط الضوء على أمثال "القاضي" ودفعهم للتوقف عن دعم القاعدة.
في تلك المرحلة ساد انطباع لدى مسؤولي الخزانة أن التعاون الخليجي لم يكن كاملًا وبقي متوترًا وارتد إحباطًا في واشنطن عبّر عنه المستشار العام للخزانة في شهادته أمام مجلس الشيوخ بأن السعودية هي "البؤرة الزلزالية لتمويل الإرهاب". ليتبيّن لاحقًا، كما يشير الكاتب، أن هذا الانطباع لم يكن دقيقًا حيث ظهر أن أجهزة الاستخبارات الأميركية كانت تحجب عن وزارة الخزانة المعلومات التي كان يسلمها السعوديون.
ومنذ 2003 بدأ فريق الخزانة يدرك الحاجة لتوسعة العقوبات والضغط المالي للتأثير على "الروابط المتزايدة بين الإجرام الدولي والإرهاب". وهنا جرى استهداف داوود ابراهيم (لورد إجرامي هندي) الذي قدم مساعدة للقاعدة وعسكر طيبا. كما بدأ الالتفات لمنطقة "المثلث الحدودي" في أميركا اللاتينية ودور حزب الله هناك من خلال الحديث عن أسعد أحمد بركات باعتباره أمين صندوق حزب الله في المنطقة والذي جرى تصنيفه في 10 حزيران 2004.
نظرًا لهذه الحملة المكثفة بعد 2001، بدأت المصارف حول العالم تعزز من إجراءاتها لتضمن أنها لا تتعامل مع أفراد وكيانات مصنفة. حتى الدول التي تتبنى السرية المصرفية كانت أمام تحد وحاولت وضع ضوابط تضمن نزاهة النظام المالي والتكيف مع حسابات المخاطر الجديدة. بالمحصلة، كان هدف الحرب المالية على القاعدة هو التأثير على الشبكات المتعددة الضرورية لبقاء القاعدة ونجاحها، شبكات تبدأ من المتبرعين الكبار وتصل إلى شبكات التهريب والمزودين ممن يساعدون القاعدة لأجل الربح، ومنذ 2006 توسع هذا الجهد ليشمل الداعمين الإيديولوجيين للقاعدة.
البنوك السيئة
إن حصرية وزارة الخزانة في "إدارة نزاهة النظام المالي المحلي والدولي أدت إلى حصولها على صلاحيات خاصة من داخل النظام القانوني الأميركي لتنظيم ومعاقبة وتحديد النفاذ إلى النظام المالي"، كما يقول زاراتي. وهذه الصلاحيات تشمل حق الطلب من البنوك والمؤسسات المالية تجميد الأصول وإغلاق الحسابات ومنع التحويلات وطلب تقارير معلومات عن أنواع من الزبائن والمعاملات والحسابات البنكية المراسلة. وتحافظ الخزانة على حق الوصول لمعلومات مالية فريدة عن جريان الأموال في النظام المالي العالمي والتجاري. والخزانة هي المحاور الأساسي مع وزارات المالية والبنوك المركزية والمشرعين الماليين وصندوق النقد والبنك الدولي ومصارف التنمية الاقليمية. بالمحصلة أصبحت " كلمة وزارة الخزانة تستطيع أن تحرك الأسواق".
ركزت الحرب المالية على سلوك المؤسسات المالية (مصارف – شركات تأمين) التي هي "أربطة النظام العالمي" وليس العقوبات التقليدية، فمركز الجاذبية هو القطاع الخاص. وقد رأى مسؤولو الخزانة أن الضغط على القطاع الخاص لعزل المارقين أكثر فعالية من الضغط على الدول، لأن القطاع الخاص أكثر عرضة للتأثير خوفًا على مصالحه وسمعته ونفوره من المغامرة. بناء عليه "انتقلنا من التقسيم القديم بين العقوبات الأحادية والجماعية إلى السؤال الاستراتيجي حول كيفية مزامنة تأثيرات الضغط المالي مع اللاعبين الدوليين الآخرين بما فيهم دول ومؤسسات دولية وبنوك".
في بداية 2003 بدأت الخزانة العمل بمشروع جديد عنوانه "مبادرة البنك السيىء" أعاد تشكيل دور الخزانة في الأمن القومي الأميركي، حيث "ستصبح البنوك السيئة هدفنا". هذه المصارف تتيح نفاذ المجرمين إلى الخدمات المصرفية وكذلك الأنشطة المالية غير المشروعة للإختفاء عن نظر المشرعين ووكالات تطبيق القانون والخدمات الاستخباراتية. وبذلك أصبحت "المخاطرة بالسمعة" جزءًا من حسابات المصارف في سلوكها، وهو ما حدا بالمصارف لوضع موارد هائلة لضمان خلوّها من حسابات وعمليات مرتبطة بالإرهاب. وأتاح الأمر التنفيذي لبوش حول تمويل الإرهاب وسم البنوك بتمويل الإرهاب وتجميد أرصدتها حتى لو لم تتوفر النية الجرمية لدعم الإرهاب.
فقد منح القسم 113 من BATRIOT ACT الخزانة صلاحية اعتبار المؤسسات المالية محفوفة بالمخاطر من منظار مكافحة غسيل الأموال، أي تهديد لنزاهة النظام المالي وهذا تعريف واسع لا يحتاج إلى أدلة جرمية. هذا إلى جانب فرض شروط على حسابات المصارف الأجنبية في أميركا، فالقسم 113 أتاح تصنيف مؤسسات وأنواع من الحسابات والمعاملات على أنها “primary money Laundering concerns” وهذه الصلاحية تتيح للخزانة فرض إجراءات مضادة وإلزام المصارف ببعض الخطوات.
أصبح للخزانة قدرة نفاذ إلى "وعي السمعة" للنظام المصرفي العالمي بما يقطع أي مصرف عن هذا النظام عندما يصبح مدار شبهة. وهكذا أصبحت الخزانة جاهزة للذهاب إلى الحرب. ويقول زاراتي أن المصرف أو الزبون حين يصبح مشتبهًا، بكلمة من وزارة الخزانة، يتحول إلى "سمعة سيئة مشعة تلطخ أي جهة يتعامل معها". وهذا ما يدفع الكاتب للتأكيد مرارًا أن ممارسة معينة قد لا تحقق شيئًا بذاتها ولكنها توجه رسالة إلى المصارف لكي تغيّر سلوكها.
وكانت البداية مع مصرفين في ميانيمار أخطرت الحكومة لسحب رخصتيهما لاحقًا. ثم في 10 أيار 2004 وافق المصرف السويسري VBS على دفع غرامة 100 مليون $، و 24 مليون $ من البنك العربي PLC بسبب معاملات تخالف الضوابط الأميركية. وهذا ما دفع المصارف نفسها إلى حمل عبء قطع الصلات المصرفية وعزل المارقين عن النظام المالي العالمي وهو "البرادايم المحرك الجديد" للحرب المالية.
وبعد إصدار بوش قانون محاسبة سوريا 2002، اجتمعت لجنة برئاسة أبرامز للبحث في تطبيق بنود القانون ودار النقاش حول كيفية منع التصدير وتقليص الاستثمارات قبل أن يتدخل زاراتي نفسه ويقترح تفعيل القسم 113 والبحث عن أنشطة غير مشروعة داخل النظام المصرفي السوري وقد تبنى أبرامز الفكرة مباشرة. وفي أيار 2004 صنفت الخزانة المصرف التجاري السوري وفرعه اللبناني تحت عنوان وفقًا للقسم 113 باعتبار أن المصرف يستخدمه "نظام الأسد للتهرب من العقوبات وتمويل الإرهاب". ولاحقًا استخدم القسم 113 ضد مصارف في بورما، ولاتفيا، وبيلاروسيا، وقبرص.
كانت "مبادرة المصرف السيىء" بحاجة إلى ثلاثة عناصر أساسية:
1. جذب الصين وروسيا إلى المراكز المالية لمنحهما حصة من المشروعية والشفافية والدفاع عن النظام المالي العالمي.
2. مد قواعد مكافحة غسيل الأموال إلى كل العالم.
3. تمكين القطاع الخاص من لعب دور "حارس البوابة" للنظام المالي.
بعد جولات من التفاوض الثنائي أجرت روسيا تعديلات جدية لقوانين مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب ما أتاح دخول روسيا إلى TATE financial Action task force on money Laundering (مجموعة العمل المالي). وفي 2007 انضمت الصين إلى المجموعة بعد مفاوضات استمرت لسنوات ولحقت بها الهند في 2010. كما بدأت جهود أميركية بمعاونة بريطانية وفرنسية لإنشاء جسم شبيه بـ TATE خاص بالشرق الأوسط، وذلك لأخذ الخصوصيات المحلية بعين الاعتبار مثل ما له علاقة بالنشاط المالي الإسلامي وطبيعة العقوبات. وأختير لمنصب الرئيس الأول للمجموعة محمد بعاصيري الذي كان يشغل موقع رئيس وحدة الاستخبارات المالية اللبنانية.
ولتحقيق مزيد من الضبط والنفاذ إلى المصارف حول العالم أطلقت وزارة الخزانة مبادرة Buddy bank أو "البنك الزميل"، كنظام مراقبة طوعي بين المصارف لمشاركة المعلومات والتعاون والحوار مع القطاع الخاص وبناء قدرات المصارف في هذا المجال. وقد أتاحت المبادرة إنشاء حوار مع مؤسسات مالية منتقاة وهو ما أتاح للمصارف الأجنبية تطوير علاقة شراكة مع مراسلين شركاء في الولايات المتحدة، وكذلك سمح للمؤسسات الأميركية بتعليم المصارف الأجنبية المتطلبات التي يجب الإيفاء بها ليكونوا شركاء مراسلة موثوقين. ثم بدأت مبادرة Buddy Bankتأخذ أبعادًا إقليمية في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.
كل هذه الخطوات أكدت دور وزارة الخزانة كلاعب في الأمن الوطني. فقد أصبح للخزانة حق تقرير وتعريف الأنشطة والفاعلين الماليين المشروعين، كما صار ممكنًا لها تحت القسم 113 استهداف "مصارف سيئة" في إيران وكوريا الشمالية كأخطر الأنظمة المارقة. كل هذه الإجراءات ستثبت أخيرًا أنها أكثر الأفعال أهمية للحرب المالية التي تطلقها وزارة الخزانة.
العراق: "أم كل التحقيقات المالية"
بعد أيام من سقوط نظام صدام حسين وجد الأميركيون في مناطق ريفية متفرقة صناديق مالية وصل مجموعها إلى 800 مليون$ و 100 مليون يورو كانت سحبت من البنك المركزي قبيل الغزو مباشرة. أطلق الأميركيون مباشرة تحقيقًا ماليًا حول مصير الأموال المرتبطة بالنظام العراقي مستندين إلى وثائق المصرف المركزي، وكانت شاملة ودقيقة، وعلى تحقيقات مكملة مع عاملين ووزراء (جرى استخدام المشروبات الباردة لتحفيز الموقوفين على الكلام بعد احتجازهم في أماكن حارة)، وبدأ جهد إقليمي لاستعادة أموال النظام من المصارف الخارجية. وقد ألزم قرار مجلس الأمن 1483 كل الدول بإعادة الأموال العراقية التي يجري تجميدها إلى حساب واحد تحت عنوان "صندوق التنمية لأجل العراق" في مصرف الاحتياط الفيدرالي في نيويورك.
كانت بعض المصارف العربية تغسل الأموال لصالح صدام حسين وتحرك الأموال إلى حسابات حول العالم ولا سيما بيروت. ففي الأردن تم تحديد 1600 حساب تعود لأركان النظام في ثمانية مصارف، وبالمحصلة تم ضبط 300 مليون$ تعود للعراق. أما في سوريا فقد تبين أن الحسابات العراقية قبل الحرب احتوت مليار دولار ولكن مع بدء الحرب تبقى منها 200 مليون$ فقط. ويعتقد الأميركيون، بحسب زاراتي، أن الحكومة السورية استحوذت عليها وربما استخدمتها لدعم جنرالات صدام ولتمويل حرب العصابات في العراق. وفي 2004 تم تصنيف شركة الواصل وبابل كمواجهة لنظام صدام وطلبت تجميد ارصدتها حول العالم. كما ضبطت عمليات وكيانات لشراء السلاح من روسيا، وجرى تجميد أرصدة سفراء عراقيين مثل السفراء في روسيا وسويسرا. أما في بيروت، فيذكر الكاتب أنه التقى الرئيس رفيق الحريري الذي بدا أن لديه هواجس حول توفر السيولة لإعادة الأصول العراقية وكذلك حول وجود مطالب لدى التجار والمصارف لأن هذه الأموال ضمانة لالتزامات. في النهاية تجاوب الرئيس الحريري لا سيما بعدما انضم السنيورة إلى الاجتماع. مع العلم أن الأموال العراقية التي رصدت في لبنان هي 500 مليون$.
وفي العام 2006 وفي ظل ما كانت تتعرض له القوات الأميركية من هجمات في العراق، أنشأت الخزانة مع القيادة المركزية "مجموعة مهام" تضم مندوبين من عدة الوكالات ركزت على تتبع التمويل والتجنيد للقاعدة في العراق (خلية التهديد المالي للعراق). وتستهدف المجموعة "التهديد المالي" أي جريان الأموال الذي يمثل تهديدًا للعناصر والمصالح الأميركية العسكرية. وبعد 2007 اُنشئت خلية مشابهة في أفغانستان ضد طالبان بقيادة وكالة مكافحة المخدرات.
كوريا الشمالية: اقتل الدجاجة لتُخيف القرود
كان النظام الكوري الشمالي قد بنى شبكة علاقات مع مصارف ومؤسسات مالية كواجهات للدخول إلى الاقتصاد العالمي في ظل العقوبات القاسية المفروضة عليه. وكانت خطة وزارة الخزانة هي البحث عن مصرف أساسي في شبكة كوريا الشمالية وتصنيفه ومعاقبته ما كان سيؤدي إلى أن "النشاط المالي لكوريا الشمالية سيُرفض كأنه عدوى عبر مضادات حيوية نحن أوجدناها داخل النظام المالي العالمي". وقد وقع الخيار على بنك دلتا آسيا (BDA) ومركزه ماكاو الذي كان حيويًا في شبكة كوريا الشمالية المالية العالمية.
لاحظ فريق متخصص في وزارة الخزانة، كان يتابع لفترة مسألة كوريا الشمالية وبعد فحص كميات من الداتا، أن كوريا الشمالية رغم معاناتها من عجز تجاري بقيمة مليار$ سنويًا إلا أن اقتصادها لم ينهر ولم يكن يعاني من التضخم. فما السر الذي يملأ الفراغ؟ إنه الأعمال المالية غير المشروعة ومنها التزوير ذي الاحترافية العالية للدولار الأميركي، بسحب زاراتي. كان العمل الأميركي المضاد يستند إلى معالجة القضية باعتبارها مسألة قانونية وليس سياسية لجذب أكبر تعاون دولي ممكن. وأصبح الكاتب جزءًا من لجنة ما بين الوكالات مرتبطة بمجلس الأمن القومي لبوش، وبدأ التركيز على دور المصارف الصينية في شبكة كوريا الشمالية المالية. هذا التعاون نتج عنه حملة ضغط على كوريا الشمالية من ثلاث مراحل:
1. عمليات استخباراتية وتحقيقات تستهدف عناصر محددة في شبكة كوريا الشمالية الإجرامية.
2. قطع مسارات التمويل التي يستخدمها النظام وللخزانة دور أساسي في هذه المرحلة.
3. جهود لاستهداف الأصول المملوكة للقيادة الكورية وإطفاء محركات أنشطتها غير المشروعة.
في عام 2004 ووفق القسم 311 وضمن "مبادرة البنك السيىء" بدأ التحضير لتصنيف بنك دلتا آسيا ضمن “primary money Laundering concerns” لقطع أي تعاملات بنكية له مع الولايات المتحدة. أي لم يكن مقترحًا إجراء أي تجميد لودائع أو معاملات، فالرسالة الأميركية للمجتمع المالي هي أن هذا البنك منبوذ ماليًا لقيامه بأعمال غير مشروعة مع كوريا الشمالية وسيكون هذا كافيًا لأن يتكفل السوق بالباقي.
وفي 15 أيلول 2005 نصحت وزارة الخزانة البنوك الأميركية بقطع العلاقة مع بنك دلتا آسيا ما أدى لموجة صدمات في النظام المصرفي العالمي عازلة كوريا الشمالية عن النظام المالي العالمي لدرجة غير مسبوقة. وفي 30 أيلول 2005 أعلن متحدث باسم البنك إغلاق كل حسابات كوريا الشمالية. وتلقائيًا بدأت البنوك حول العالم، من باب تجنب المخاطرة، إلغاء حسابات كوريا الشمالية وتجميد أية معاملات مرتبطة بها وكذلك تجميد ودائع لا سيما في الصين وهونغ كونغ وسينافورة وفيتنام.
وخلال شهر واحد أدرك الكوريون عمق المأزق، فاتصلوا عبر مندوبتهم في الأمم المتحدة بوزارة الخارجية الأميركية معبرين عن الرغبة بالكلام وهو "أمر لم يكن مسبوقًا"، يقول زاراتي. لم يتخيل المسؤولون الأميركيون خارج وزارة الخزانة أن يكون لقرارات مالية مثل هذا التأثير وهو ناشىء بشكل أساسي من خوف المصارف حول العالم ووقفها تعاملاتها مع كوريا الشمالية. وعبّر مدير CIA حينها ميشال هاويون عن ذلك قائلًا: "هذه هي الذخيرة الحقيقية الموجهة للقرن الواحد والعشرين". أما مستشار الأمن القومي حينها ستيفن هادلي فقال يومها: "لم يتوقع أحد هذه الآثار الهائلة لقرار الخزانة". وكتب زاراتي مذكرتين عامي 2005 و 2008 يشرح فيهما للرئيس بوش هذه القوى والأدوات الجديدة للضغط وعزل "القوى المارقة عن النظام المالي العالمي".
في آذار 2006 أُرسل بوش دانيال غلاسير (معاون وزير الخزانة) إلى بكين للقاء الكوريين وحل مسائل تقنية مرتبطة بأزمة BDA. في المقابل دمجت كوريا الشمالية ردودها المضادة لحل المشكلة بين الأدوات السياسية والأدوات العسكرية مثل اختبار صواريخ باليستية واختبار نووي في تشرين الأول 2006. وفي تشرين الثاني وافقت كوريا على العودة للمفاوضات السداسية شرط أن يناقش موضوع العقوبات المالية ويحل.
وفي ظل الحاجة لإعادة الكوريين إلى المحادثات كان على وزارة الخارجية الأميركية أن تجد حلًا لـ 205 مليون$ المجمدة في بنك دلتا آسيا في ماكاو. جرت المفاوضات في بكين ولكنها عانت من عدم فهم فريق الخارجية الأميركية لطبيعة القرار الأميركي تجاه BDA. فقرار وزارة الخزانة لم يجمد أية ودائع بل أوصى القطاع المصرفي الأميركي بعدم التعامل معه، فالضرر الذي لحق بالمصرف يعود لردة فعل حكومة ماكاو والمصارف العالمية وبالتالي لا يمكن للولايات المتحدة عكس كل هذه الآثار بمجرد التوقيع على اتفاق. وقد أدرك الكوريون ذلك وكانوا يصرون على إعادة المبلغ رغم قيمته الضئيلة لأنهم كانوا يسعون لتبرئة سمعتهم وإرسال إشارة للنظام المالي العالمي أنهم لم يعودوا ملاحقين. وأدى عجز فريق الخارجية عن فهم الموضوع إلى صدام مع موفدي الخزانة داخل فريق التفاوض (انهار أحدهم وبدأ بالبكاء).
وفي النهاية حين جرى التوصل لاتفاق نقل الأموال المجمدة إلى كوريا الشمالية عبر الصين برزت عقبة تمثلت في رفض المؤسسات المالية في أميركا وخارجها الانخراط في العملية خوفًا من أية عقوبات مستقبلية. وبعد سلسلة من الاتصالات والتعهدات الأميركية جرى التوصل إلى أن تحوّل الأموال المجمدة في BDA إلى المصرف المركزي في ماكاو ومنها إلى مصرف الاحتياط الفيدرالي في نيويورك ومنه إلى المصرف المركزي الروسي ثم إلى مصرف روسي ومنه إلى مصرف التجارة الخارجية لكوريا الشمالية، وكل ذلك بعدما تعهد الأميركيون بعدم معاقبة المصارف الروسية على هذه المشاركة.
ينتقد الكاتب الاتفاق الذي حصل باعتبار أنه جعل الكوريين جزءًا من الحل وخفف الضغط عن الصين فيما يخص نزاهة النظام المالي ولم يلزم كوريا الشمالية بأية اصلاحات مالية، وهذا ما أدى لظهور الولايات المتحدة على أنها تستخدم الموضوع المالي العالمي بهدف الضغط السياسي ولا تعنيها نزاهة النظام المالي العالمي. في المحصلة عادت كوريا الشمالية للأنشطة المالية غير المشروعة فيما قبضت أميركا الثمن باكرًا وأفلتت كوريا الشمالية من "الصنارة"، بحسب زاراتي.
إيران: حملة التقييد
يفتتح زاراتي كتابه معلنًا صدق حديث الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد بأن إيران كانت تتعرض لحرب خفية، إنها "حرب الخزانة". ويخصص الكاتب الفصل الثالث عشر للحديث عن إيران تحت عنوان "حملة التقييد". بدأت العقوبات الأميركية على إيران منذ 1979 وشملت حظرًا تجاريًا وتجميد أرصدة وعقوبات بهدف "معاقبة النظام وعزله"، ولكن حتى تاريخ هجمات 11 أيلول كانت أداة العقوبات محدودة التأثير والنجاح. وبعد اختبار الحرب المالية على القاعدة رغب ستيوارت ليفي باستخدام تلك الأدوات لعزل إيران، وجرى نقاش لشهور في وزارة الخزانة للبحث في إمكانية هندسة وتكييف البيئة المالية العالمية لرفض السلوك الإيراني المالي والتجاري، وهل يمكن لنوع جديد من الحرب المالية أن يخاض بنجاح ضد طهران.
بعكس كوريا الشمالية، لم تكن إيران معزولة تجاريًا كما أنها من أكبر مصدري النفط. وبعد تحليل النظام البنكي الإيراني بدقة تم اكتشاف هشاشة ساطعة. ذلك أن البنوك الإيرانية كانت حيوية للعمليات التجارية والأعمال في الخارج ومتصلة بالنشاط المالي غير الشرعي للدولة مثل تمويل حزب الله وشراء معدات من كوريا الشمالية لبرنامجها النووي.
في العام 2004 جرت محاولة من وزارة الخزانة لتصنيف بنك صادرات إيران ضمن "مبادرة البنك السيىء" لدوره في نقل التمويلات إلى حزب الله، وهو أمر لو تم كان سيعرقل نقل الأموال الإيرانية للحزب، ويرسل تحذيرات للمصارف اللبنانية للتوقف عن القيام بأعمال للحزب وإطلاق شرارة تحذير مالية ضد إيران وحلفائها، بحسب تقويم زاراتي. لكن مجلس الأمن القومي رفض الاقتراح تخوفًا من أنها أداة غير مجربة ويمكن أن تتسبب بارتفاع أسعار النفط.
عاد النقاش حول القضية في شباط 2006 حين طلبت كونداليزا رايس من ليفي شرح الفكرة، فأشار إلى أن العقوبات المالية بمثابة أداة غير تقليدية لاستهداف البنوك الإيرانية التي يمكن أن تكون "كعب أخيل" الإيرانيين. وهذه الحملة ستقيد قدرة إيران على النفاذ إلى النظام المالي العالمي بالتدرج، ولذا فالصبر والتنسيق يمكن أن تكون هذه الأداة خيارًا مناسبًا لعزل إيران ماليًا. ومبرر الحملة هو مواجهة نشاطات إيران غير المشروعة وحفظ نزاهة النظام المالي العالمي، أي "نهاجم بنوك إيران من خلال نشاطاتها في دعم الإرهاب والانتشار النووي وغسيل الأموال". كان الإيرانيون، يقول زاراتي، يخلطون أعمالهم المشروعة بغير المشروعة باعتماد البنوك نفسها، ولطالما حاولوا إخفاء طبيعة المعاملات وهويات الكيانات الحكومية وخلق شركات واجهات "للتحايل على العقوبات والوصول للأسواق. فكان المطلوب أن تصبح جهود الإخفاء أكثر إثارة للشكوك وبالتالي المزيد من إغلاق الحسابات وخطوط الائتمان فتصبح أفعال إيران لتجنب الكشف تقود لمزيد من التقييد. هذه الأنشطة المختلطة وجدتها الخزانة نقطة ضعف ينبغي الاستفادة منها.
كان هدف ليفي التركيز على البنية المالية للحرس الثوري والنظام. وكانت نقطة قوة هذه الأداة أنها لا تحتاج إلى الأمم المتحدة. اقتنعت رايس بهذه الأداة وقدمت دعمها ومعها ستيفان هادلي ثم تبناها البيت الأبيض. والهدف النهائي هو دفع طهران للتساؤل إذا ما كان الاستمرار بالبرنامج النووي يستحق كل هذه الأكلاف الاقتصادية والعزلة. بدأ التنفيذ بخلق مسار ثنائي يجمع الدبلوماسية والضغط المالي. في كانون الثاني 2006 أنشأت أميركا مجموعة تفاوض ضمت الأوروبيين للانخراط في حوار مع إيران بموازاة البدء بتحريك الضغط المالي. كان المطلوب جذب المجتمع الدولي إلى جانب أميركا بعيدًا عن إيران، فيما الهدف النهائي التوصل إلى اتفاق حول البرنانج النووي. وفي 1 حزيران 2006 قدمت أميركا وشركاؤها عرضًا علنيًا للتفاوض وحين رفضته إيران تحولت واشنطن نحو حملة شاملة للضغط المالي.
تولى ليفي حملة للضغط المالي على القطاع الخاص العالمي لينعزل عن أنشطة إيران المالية والتجارية من خلال إظهار المخاطر العالية للعمل مع إيران. وبالنظر للمصالح، كان لدى الجميع مصلحة في النفاذ إلى الأسواق والشركات والتكنولوجيات الأميركية أكثر من المخاطرة بإبقاء العمل مع إيران. وأصبح ليفي ونيكولاس بيرنز ثنائيًا ديناميكيًا في الموضوع الإيراني، وتولى جيمس جيفري، نائب مستشار الأمن القومي تنسيق المسار الثنائي من خلال مجموعة صغيرة من وزارات الخارجية والدفاع والخزانة ومجمع الاستخبارات ومجلس الأمن القومي من خلال اجتماعات أسبوعية في البيت الأبيض.
كان بيرنز يريد أن يشرك الأمم المتحدة في العقوبات، ولكن الأمر استلزم شهورًا ليأخذ مجلس الأمن قرارًا بالعقوبات في كانون الأول 2006. لم يتضمن القرار كل ما تريده أميركا ولكنه مهد لقرارات أخرى صدرت في عام 2008. لكن مع رفض الروس والصينيين تضمين العقوبات إجراءات قاسية تحوّل بيريز إلى ليفي لتأمين "الذخيرة الدبلوماسية" لحملة العزل، فالمسار الثنائي يعززه بعضه بعضًا.
بدأ ليفي بعقد لقاءات مع مدراء المصارف (أكثر من مئة لقاء) قبل وبعد اللقاء مع حكومات بلادهم لعرض الأنشطة غير المشروعة لإيران وكيف أنها تتجاوز النظام المالي العالمي. وقد أطلق البعض على هذه اللقاءات عنوان "حملة الهمس". كان فريق الوزارة يقدم معلومات دقيقة عن نشاطات كل مصرف مع إيران وكيف يستخدم الإيرانيون شركات واجهة لتمويل الأجهزة العسكرية والنووية، وهذا ما أدى في بعض الحالات لأن تقوم المصارف بإقفال الحسابات الإيرانية من دون قرار حكومي أو قرار دولي. كانت الخزانة مهابة لما يمكن أن تفعله، ما جعل المدراء التنفيذيين في البنوك يستمعون ويمتثلون. إلا إن هذه اللقاءات استفزت الحكومات الأجنبية لما فيها من تجاهل لها.
في هذا سياق بدأت عدة مصارف أوروبية تعلّق أعمالها مع الشركات الإيرانية، وبدأت واشنطن تصنيف المصارف الإيرانية مثال صادرات إيران، وملة، وسيباه، وملي ثم صنفت مصارف عالمية للقيام بأعمال مع إيران. وفي عام 2012 كانت أميركا استهدفت 13 مصرفًا إيرانيًا.
في 2008 بدأ استهداف شركات النقل البحري والتأمين وخطوط شحن الجمهورية الإسلامية في إيران. وكرر ليفي جولاته على هذه الشركات والهدف منع تصدير النفط الإيراني. وفي 10 تشرين الثاني 2008 أطلقت واشنطن مسارًا عكسيًا للـ turn u أي إن كل بنك أو مؤسسة تسهل تمويل مشاريع الطاقة لن يسمح لها بالعمل مع نظرائها في أميركا. وقد تكيفت إيران من خلال التبادل بالعملة المحلية أو المقايضة بالبضائع، وفي كانون الأول 2008 فرضت أميركا عقوبات على شركة النفط الوطنية الإيرانية وشركات نفطية إيرانية أخرى.
بدأ الأوروبيون بقيادة فرنسا في عهد ساركوزي الالتحاق بالتصنيفات الأميركية، فيما وجدت قطاعات المصارف أن المخاطرة بعلاقات مع الإيرانيين أصبحت مكلفة وبدأت بالتراجع. وبدأ مكتب الادعاء في مانهاتن التحقيق مع البنوك المخالفة للقرارات الأميركية، فتم تغريم مؤسسة بريطانية Loyds TSB group، بمبلغ 350 مليون$، وتوسعت التحقيقات إلى مصارف في نيويورك مع التركيز على دور البنوك الفينزويلية في مساعدة الإيرانيين.
ثم تم جذبFinancial Action task force FATA، الجسم المعني بتقويم ووضع معايير مكافحة غسيل الأموال عالميًا، إلى الحملة ضد إيران. وذهبت "فاتا" (وتشمل "فاتا" 33 ممثلًا بمن فيهم عن الصين وروسيا) إلى إثارة قضايا منع الانتشار النووي وتمويل الإرهاب وليس فقط ضبط معايير غسيل الأموال. ويكشف زاراتي أن اللعبة قامت على حشر الإيرانيين بتوجيه رسائل للاستيضاح وأسئلة للإجابة وحين كان يخفق الإيرانيون بتقديم إجابات مقنعة كانوا يقودون أنفسهم نحو العزلة المالية.
وفي العام 2008 تم اكتشاف ملياري دولار للبنك المركزي الإيراني في حساب Citi bank لدى Clearsteam Banking حيث جرى تجميدها لتضاف إلى 12 مليار$ المجمدة عام 1979. ولم يكن التجميد عبر الخزانة كي لا يشاع أن أميركا بيئة عدوانية للأموال بل من خلال دعوى تقدم بها محامو ضحايا أميركيين لعمليات متهم بها إيرانيون. وقد وقعت معارك قانونية بين هؤلاء والمصرف ولم يحسم هذا الصراع حول الملف متى تاريخ تدوين الكتاب.
وللاشارة إلى إحساس الإيرانيين بقوة العزل المالي يحيل زاراتي على تصريح لـلشيخ هاشمي رفسنجاني في 14 أيلول 2010 يقول فيه: "منذ الثورة، لم نتعرض لهذا الكم من العقوبات، وأنا أدعوكم وكل المسؤولين إلى أخذ العقوبات على محمل الجد وليس على سبيل النكتة... خلال 30 سنة الماضية لم نشهد مثل هذه الغطرسة لتخطيط اعتداء محسوب ضدنا". ومع نهاية ولاية بوش الثانية لم يكن تبقى للاستهداف إلا البنك المركزي وقطاع النفط. ورغم أن بوش "لم يتمكن من إخضاع الإيرانيين إلا أن إدارته أسست بيئة دولية كانت تعزل بنجاح أنشطة إيران المالية والتجارية ما أدى إلى تقييد إيران ماليًا بشكل غير مسبوق".
عند وصول أوباما إلى السلطة كان راغبًا بالتفاوض مع "الدول المعادية"، ولذا تم تجميد إجراءات الحرب المالية على إيران وكوريا الشمالية قبل أن تفعّل سريعًا مجددًا على كوريا بعد تجربة صاروخية. أما مع إيران فتم وضع هذه الإجراءات بحالة "انتظار" لمحاولة جذب الإيرانيين نحو التفاوض. وينتقد زاراتي مقاربة أوباما كونها أظهرت أن الطابة في ملعب الغرب وليس الإيرانيين، ثانيًا أن الحرب المالية لا يمكن تشغيلها وإطفائها بكبسة زر، بل هي عملية بحاجة لإدارة ورعاية لمنع الإيرانيين من النفاذ مجددًا إلى الأسواق، وثالثًا بدا أن أميركا تستخدم الحرب المالية ليس لنزاهة النظام المالي العالمي بل لأهداف جيوبولتيكية.
مع فشل محاولات أوباما لجذب الإيرانيين إلى التفاوض "مسح البيت الأبيض الغبار" عن حملة الحرب المالية التي انطلقت عام 2005 وتفعّلت عام 2006. استُدعي ليفي مع آخرين إلى البيت الأبيض في خريف 2009 لمناقشة السياسة الأميركية تجاه إيران. وقد إستفاض ليفي بالشرح عارضًا إمكانية استهداف مزيد من البنوك التي تتعامل مع إيران وشركات التأمين لضرب التجارة والنفط الإيرانيين. إلا أن سوزان رايس طلبت أن يسبق ذلك قرار من مجلس الأمن لجذب الشركاء الدوليين للتعاون وقد وافق أوباما على ذلك. كانت الخطة هي العودة للمسار الثنائي: الخزانة تستهدف القطاع الخاص بشكل رئيسي ومجلس الأمن يركز على "النظام الإيراني".
وفي 1 حزيران 2010، صدر قرار مجلس الأمن 1929 الذي صنّف الحرس الثوري كتهديد وفرض عقوبات على خطوط الشحن الإيرانية والنقل الجوي والبنوك والشركات. بعدها بدأت الخزانة التركيز على ضرب الروابط الضعيفة لإيران وبالتحديد "شركات الواجهة" للحرس الثوري. وفي هذا السياق تم فرض غرامات بمئات ملايين الدولارات على بنوك أوروبية كونها لم تراع القيود الأميركية بوقف التعاون مع إيران. وركزت الجهود على كشف "شركات الواجهة" وتعطيل السفن الإيرانية عن نقل النفط والبضائع بالضغط على الموانىء وشركات التأمين.
في تموز 2010، التحق الجهاز التشريعي بوزارة الخزانة وأصدر قانون comprehensive Iran Sanctions, Accountability and Divestment Act لمعاقبة أي بنك أجنبي يقوم بمعاملات مرتبطة بإيران. وفي آب 2010 أصدرت الخزانة أوامر تطبيقية لهذا القانون. ثم تم تفعيل "القسم 311" ضد المصرف المركزي الإيراني بحجة وجود قلق من عمليات غسيل أموال، وهي المرة الثانية الذي يتخذ فيها إجراء مماثل منذ 2005 (يومها استهدف بنك Bank Detta Asia)، والمرة الأولى ضد مصرف مركزي.
وبحلول تموز 2010 تراجعت صادرات الغاز الإيراني 50%. وفي نيسان 2011 أصدر الاتحاد الأوروبي أمرًا رسميًا بإنهاء كل واردات النفط الإيراني بحلول تموز 2012. وبحلول 2012 تراجعت واردات النفط الياباني من إيران بنسبة 80%. وفي أيار 2011 صنف الأميركيون أكثر من مئة شركة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
قرر الأوروبيين عام 2012 إخراج إيران من نظام سويفت، إلا أن الأمر لم يكن مجانيًا. يشير زاراتي إلى أن هذا القرار عزز النقاش، لا سيما من الصين وروسيا، في ما إذا كان سويفت مجرد أداة سياسية للغرب، وهذا قد يؤدي إلى دفع العديد من الدول إلى إنشاء نظام شبيه بالسويفت وتطويره بمرور الوقت. وقد أدرك الأوروبيون أن مزيدًا من الاقصاء سيزيد من النقاشات حول الأمن المالي العالمي ويعزز من تحالف المتضررين لبناء بدائل ولذا أراد الأوروبيون أن تكون حالة إيران مجرد استثناء وأن لا يجري اللجوء إلى هذا التدبير إلا كإجراء شديد التطرف عند الحاجة القصوى.
وفي المحصلة، أدت هذه الإجراءات إلى تراجع هائل في الصادرات الإيرانية ونزف في احتياطيات العملات الصعبة لدى البنك المركزي. وفي كانون الثاني2011 استقال ليفي من الخزانة، وهو الذي ينظر إليه على أنه "المحارب المالي المبدع" الذي أتاح لأميركا أداة لم تمتلكها لسنوات ضد إيران. وقد وصف رئيس غرفة التجارة في إيران استقالة ليفي بأنها "أخبار جيدة" لإيران.
منحى التعلم والحروب المالية المقبلة
يختم زاراتي كتابه معبرًا عن القلق من قدرة التعلم لدى المستهدفين من الحرب المالية الأميركية. ويقول إن "الدول وغيرها تعلمت من حملاتنا المالية التي أطلقناها خلال العقد الماضي. لقد شاهدوا كيف جرى استخدام التأثير المالي للمصلحة الوطنية، وبدأو يستخدمون ذات الأدوات والتقنيات لخلق تأثيرهم الخاص".
ومن شواهده ما يسميه "تحوّل حزب الله إلى تبييض أموال أميركا الجنوبية من خلال الإتجار بالسيارة المستعملة من الولايات المتحدة إلى غرب أفريقيا". بدوره كان تنظيم القاعدة يتكيف حيث أصبح أكثر اعتمادًا على التمويل المحلي وعلى الأنشطة الإجرامية. فبعدما أُضعفت الشبكات المالية للقاعدة بعد 2001، عادت ونشطت حول قضايا محددة مهمة للجماعات المتطرفة العنيفة مثل العراق بعد الاجتياح وحروب القوقاز، والصراع المذهبي في لبنان، ثم التوتر الطائفي في المنطقة والانتفاضات العربية، وأجدت فرصًا هائلة لإنعاش هذه الشبكات.
أصبحت نواة القاعدة معتمدة على أموال الجماعات التابعة لها التي أصبحت بدورها أكثر استقلالية وابتكارًا وتطويرًا لآليات التمويل الذاتي. في العراق القاعدة تاجرت بالنفط وسطت على البنوك، وفي المغرب قامت بعمليات خطف وفي أفريقيا تاجرت بالمخدرات، وفي الصومال كان جمع التمويلات أكثر إبداعًا وتعقيدًا عن جمع الضرائب وحواجز التفتيش وأموال الجاليات وضرائب على التجارة والأعمال والبضائع والمنتجات الزراعية. وبهدف التكيف المالي تقوم القاعدة بتطوير علاقاتها وعملياتها التي تربط ماليتها بالبنى التحتية والعملياتية بمجموعات أخرى مثل عسكر طيبة. كما يتطور" زواج المصلحة" مع المنظمات الإجرامية مثل شبكات الإتجار بالمخدرات من أميركا الجنوبية إلى أوروبا مرورًا بأفريقيا.
حين يكون من الممكن تحقيق أرباح مالية سيجري خلق وسائل للتكيف مع الضغوط المالية، يقول الكاتب. فحين جرى تشديد الضغط على المصرف المركزي الإيراني أصبحت العمليات المالية تتم عبر مصارف متعاطفة ومصارف فينزويلية وصينية وعراقية، وحتى مصارف غربية تحاول إخفاء تعاملاتها مع إيران المرتبطة بالنفط والبنى التحتية. وهذا أيضًا ما تحاول كوريا الشمالية القيام به عبر المصارف والشركات الصينية على وجه التحديد. كما يشهد العالم إختراعات وتكنولوجيا جديدة لتخزين ونقل الأموال مثل الهواتف الذكية والعملات الرقمية التي تزيد قدرة "الجماعات المتطرفة" وداعميها على استغلالها باعتبار أن لأميركا تأثيرًا ضعيفًا على الأنظمة النقدية والمالية المنفصلة الصادرة في المجال السايبري، يقول زاراتي.
هذه القدرة الجديدة على استخدام الأموال ستعزز من الإختلاط والتعاون بين المنظمات الإرهابية والإجرامية. أثار زاراتي خلال إجتماع في البيت الأبيض في تشرين الثاني 2008 قضية الجريمة المنظمة، وبناء لذلك أصدرت المخابرات تقدير الإستخبارات الوطنية عام 2010 الذي أشار إلى التوسع في أدوار هذه المنظمات وتمددها حول العالم بحيث أصبحت تمثل تهديدًا للأمن القومي الأميركي لما لها علاقات مع أنظمة وجماعات إرهابية. وفي 25 تموز 2011، أصدر أوباما إستراتيجية مواجهة الجريمة المنظمة ما فوق الوطنية. كما وقّع أوباما أمرًا تنفيذيًا منح بموجبه وزرير الخزانة سلطة تجميد أصول مجموعات الجريمة المنظمة وشبكاتها المالية.
يكشف الكاتب أن الروس عرضوا عام 2008 على الصينين في أعقاب الأزمة المالية أـن تقوم الدولتان ببيع حصصها في شركات أميركية عملاقة تقدم تمويلات لشراء المنازل. رفض الصينيون ذلك ولكن لو تم الأمر لكان ضرب خطط التعافي الأميركية. هذا العرض كان مؤشرًا ان أعداء أميركا يبدون إرادة أكبر لاستخدام الأسلحة المالية لضرب الولايات المتحدة. إن "صراعات هذا العصر سستخاض على الأغلب في الأسواق وليس عبر الأدوات العسكرية فقط وفي غرف مجالس الإدارة وليس فقط في الميادين الحربية". والجيوبولتيك الآن هي لعبة أفضل أدواتها الأسلحة المالية والتجارية، وأصبح يمكن للدول الكبرى والصغرى وكذلك شبكات وأفراد متمكنين استغلال التشابك الاقتصادي لزيادة قوتهم العالمية على حساب منافسيهم الجيوبولتيكيين.
فرغم ما امتلكته أميركا من احتكار لأدوات الضغط المالي خلال العقد الأخيرة، فإن هذا الأمر سيتراجع وستكون أكثر هشاشة للضغط المالي الخارجي وأقل قدرة على استخدام الضغط المالي كرافعة للسياسة الخارجية. هذه الاتجاهات ستضعف قدرة أميركا على استخدام قوتها المالية لتعزيز مصالح أمنها القومي. وستكشف الحروب المالية المقبلة عن مخاطر معقدة وغير مألوفة لن تكون أميركا جاهزة لها وأنها قد تقع مباشرة في مرمى أعدائها ومنافسيها. وبناءً عليه يدعو الكاتب الولايات المتحدة لإعادة تعريف أمنها القومي تماشيًا مع الخطوط الاقتصادية وإعادة بناء سياستها الخارجية على هذا الأساس.
يحاجج الكاتب أن أميركا وشركاتها الخاصة لا تدمج بشكل مباشر بين الاقتصادي والسياسي في الخارج (النفط في العراق وأفغانستان أخذته شركات صينية وروسية)، وهذا سيؤدي مع احتدام المنافسة العالمية إلى تراجع في نفوذ أميركا العالمي. في المقابل فإن المنافسين من الدول غير الديمقراطية قادرون على ممارسة سيطرة كاملة وتامة على نشاطهم المالي العالمي ودعم الوكلاء من غير الدول. فالصين تُقدم نموذجًا للدولة الرأسمالية والشمولية أصبح نموذجًا جذابًا. وتستخدم الصين وروسيا العقوبات الاقتصادية، كما في حظر الصين تصدير معادن نادرة لليابان وقطع روسيا إمدادات الغاز عن أوكرانيا، لخدمة مصالحهما السياسية. وتستخدم الصين ثرواتها السيادية (ضم صندوقها السيادي 200$ مليار عام 2007) والتكنولوجية لدعم شركاتها والاستحواذ على شركات غربية وهذا ما يشجع غيرها من الدول وحتى في الغرب على تأسيس صناديق سيادية للغايات ذاتها. هذا النموذج الاقتصادي انعكس في صعود هائل للشركات الصينية في مجالات الطاقة الشمسية والقطارات السريعة وصناعة الطائرات. وفي عام 2010 بلغ احتياطها الأجنبي 2.85 تريليون دولار، وفي 2009-2010 قدمت قروضًا طويلة الأجل بقيمة 110 مليارات دولار للدول النامية ما يتجاوز ما أقرضه البنك الدولي في الفترة ذاتها.
ويرى زاراتي أن الحروب المالية السايبيرية قادمة، حيث يمثل الدمج بين الحربين السايبيرية والمالية الجبهة الجديدة، وهي حروب تشترك فيها الدولة ووكلاؤها من المنظمات. وهناك مؤشرات على اشتداد الحروب السايبرية برعاية الدولة كما في الهجوم السايبيري على المنشآت الإيرانية الذي "يُعتقد أنه طوّر بالتعاون بين أميركا وإسرائيل". ويشير الكاتب إلى استهدافات لأنظمة الداتا من خلال فيروسات لسرقة معلومات المصارف ومنها فيروس "GAUSS" الذي استهدف بهدوء لفترة طويلة أكبر المصارف في الشرق الأوسط ومنها اللبنانية. هذا النوع من الهجمات يعمل على المدى البعيد وبدرجة منخفضة ومستمرة بدل الصراع السريع والمعارك ذات الجاذبية العالية مع نتائج حاسمة، أي شيء يشبه أساليب حرب العصابات لكن المالية. كما يمكن استخدام السايبر للتلاعب بالأسواق والتوقعات بشأنها وزيادة تقلباتها لإلحاق أضرار بها.
تحدّيات القوة المالية الأميركية
هناك ثلاثة إتجاهات أساسية، بالإضافة إلى أن تفوقها الاقتصادي يتعرض للتهديد، تتحدى استخدام أميركا لقوتها المالية:
1- استخدام العملات والتكنولوجيات الجديدة خارج النظام المالي الرأسمالي عبر الإنترنت حيث تقل الشفافية والمحاسبة. يستخدم هؤلاء اللاعبون الأدوات الرقمية (كالعملات الرقمية) للتهرب من جهود مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. في نيسان 2012 اعتبر تقرير للـFBI أن الـ "بت كوين" تزداد جاذبيتها كخيار للمجرمين السايبيريين وكل المجموعات المارقة. وهذه الإمكانية ستتزايد كلما نمت شعبية هذه العملة واستقرت أسعار صرفها. فالإنترنت تتيح تزايد الروابط بين الدول والشبكات الإجرامية (مافيا الدولة) التي تصبح قادرة على إستهداف نقاط الضعف الاقتصادية لأميركا.
2- تكتل اللاعبين المارقين حول هدف مشترك لمحاصرة وإضعاف الضغط المالي الأميركي واستخدام السلاح المالي بأنفسهم. لقد تجهّز اللاعبون غير الحكوميين استعدادًا للعصر القادم من الحرب المالية والاقتصادية. فالقاعدة حاولت إستهداف خطوط الطاقة ونقاط "الاختناق المروري" الواقعية والافتراضية والموانىء حول العالم بهدف هز الاقتصاد العالمي والأميركي وإطالة أمد فترات التوعك الاقتصادي. كما أن "المجموعات الإجرامية العالمية بدأت تعرف أي استثمارات ونفوذ يمكن أن تشكل لها درعًا بوجه الضغوط السياسية وقوى فرض القانون" يقول زاراتي. لذا تركز هذه المجموعات على التحكم ببعض مجالات الأعمال وممارسة نفوذ في أسواق معينة أو دول عبر إضعاف الأطر السياسية من خلال الفساد والنفوذ العميق.
3- استهداف الدولار الأميركي وتفوقه كعملة مقبولة لتخزين القيمة والتجارة من قبل المنافسين والناقمين. فقد تراجعت حصة الإحتياطات العالمية من الدولار من 72% عام 2000 إلى 62% عام 2012 حيث يحاول العالم فك ارتباطه عن الاقتصاد الأميركي. فيما الصين تزيد من استخدام عملتها بدل الدولار في التبادلات الثنائية. كما أن دول البريكس تسعى لتنويع إحتياطاتها من العملة الأجنبية. وفي عام 2011 أصدر صندوق النقد خطة لاستبدال الدولار بحقوق سحب خاصة SDS مرتبطة بالوزن النسبي لكل من الدولار واليورو والين والباوند. يضاف إلى ذلك اشتداد حرب العملات (حرب العملات الثالثة بوصف جايمس ريكاردس) منذ 2010 حيث تسعى الدول الكبرى لخفض قيمة عملاتها لتقوية صادراتها. وتحاول الصين تحويل عملتها إلى عملة عالمية من خلال طريقتين:
أ. شراء الديون السيادية لدول آسيوية.
ب. السماح للمؤسسات المالية الأجنبية بإستثمار ودائعها بالعملة الصينية في شراء الأسهم الصينية في أسواق السندات والأوراق المالية.
لقد أصبحت أميركا أكثر اعتمادًا على النظم الرقمية والاقتصادية للتجارة والتمويل والمعلومات التي بني عليها النظام المالي والتجاري المعولم. وهذا يمنحها قدرة لخوض الحرب المالية ولكن يجعلها مكشوفة لها بسبب:
- أن الولايات المتحدة تجد نفسها مكشوفة بشكل متزايد للاعتماد على التمويلات الأجنبية "للخلاص النقدي". ونظرًا لحجم الدين الصيني لأميركا أصبحت الصين وقراراتها بخصوص الاستثمار في أميركا "أمرًا مركزيًا لبقائنا الوطني".
- إعتماد أميركا المتزايد على نظام التجارة العالمية عزز اعتمادها على مصادر الطاقة الأجنبية وأضعف التصنيع الأميركي، أي تقلصت القاعدة التصنيعية (إلكترونيات، بيو تكنولوجي، صناعة الطيران).
- إعتماد أميركا على سلسلة توريد عالمية للقطاع السايبيري (النظم الافتراضية)، لا سيما من شرق آسيا، في وقت يتحول فيه المجال السايبيري إلى "أحدث خط جبهة أخير في المنافسة الجيوبوليتكية".
ولكن رغم التحديات المالية والاقتصادية التي تعاني منها أميركا لا ينبغي تقليد الأنظمة الإستبدادية الانسحاب من العالم والعولمة. بل يمكنها القيام بالآتي:
1. إعادة تعريف الأمن الاقتصادي القومي بالتناسق مع الوقائع الجيوبولتيكية الجديدة. وهذا الأمن في القرن الواحد والعشرين هو "قدرة الولايات المتحدة على إسقاط قوتها ونفوذها عبر الوسائل الاقتصادية والمالية والتجارية، والدفاع ضد المخاطر والتهديدات المنهجية والمحددة والمرتبطة بنقاط ضعف الاقتصاد الاميركي". يجب الإقرار أنه في عصر العولمة وجريان المعلومات والاعتماد الرقمي أصبحت تتقاطع مجالات الأمن القومي والاقتصادي.
2. يجب أن يتضمن الأمن الاقتصادي الأنشطة والسياسات الممتدة من العوامل من مستوى الماكرو مثل الدين العام و GDP، إلى التهديدات المحددة مثل الهجمات الإرهابية على وول ستريت أو المرافئ الأميركية. وتشمل التهديدات الممنهجة للنظام المالي: التلاعب بالسوق، الهجمات السايبيرية، التجسس السايبيري طويل الأمد، والنفاذ الى الموارد، وقدرة الاستثمار في الأسواق الحساسة.
3. إعادة التأكيد على القيم الأميركية الجوهرية (الحرية الاقتصادية، الفصل بين القطاعين العام والخاص، رفض الحماية، التجارة الحرة، الفرص الاستثمارية المتبادلة، مكافحة غسيل الأموال).
4. إتاحة نظام جديد للأمن القومي الاقتصادي ما يقتضي إزالة الحواجز بين خبراء الاقتصاد والأموال والتجارة ومجتمع الأمن القومي.
5. وسائل جديدة للتعاون بين القطاعين العام والخاص.
الخلاصة
قبل 11 أيلول 2001 كان لوزارة الخزانة دور مؤسساتي محدود في عالم الإرهاب الذي كان مجالًا خاصًا "بالصبية الكبار"CIA-FBI-USA والدفاع والخارجية. لكنها بعد 2001 أصبحت حجر الزاوية في بناء قدرة على شن حرب مالية بشكل واسع وعنصرًا حيويًا في تشكيل بيئة مالية عالمية معادية لتمويل الإرهاب. إلا أن الكاتب يرى أن أعداء الولايات المتحدة يتكيفون مع تقنيات هذه الحرب الجديدة، وهي مسألة وقت قبل أن يتمكنوا من استخدام دروس العقد الماضي لشن حرب مالية خاصة بهم خاصة ضد الولايات المتحدة.
يخلص زاراتي إلى أنه يصبح واضحًا بشكل متزايد أن أميركا تخسر هامش تنافسيتها في حقبة الأمن الاقتصادي. وإن مجال الحرب المالية لن يبقى طويلًا حكرًا على القوة الأميركية، فهناك مجموعة واسعة من الدول والمنظمات والقوى غير الحكومية يمكن أن تمارس القوة والنفوذ الاقتصادي في القرن الواحد والعشرين. لذا يجب مواجهة التحديات والتقاط الفرص وتقليل نقاط الضعف النظامية من ضمن جهد منسّق. إن الحروب المالية آتية وحان الوقت لإعادة تصميم نموذج للأمن القومي الاقتصادي. ويختم محذرًا: "إن فشلنا في ذلك فإن أميركا تخاطر بأن تُترك مكشوفة ومتأخرة عن المنافسين في السباق نحو المستقبل".