الاتجاهات الاستراتيجية، الشرق الأوسط 2019

  المقدمة

الشرق الأوسط من أكثر الأقاليم سيولة وهشاشة في العالم اليوم، كما أن مستوى تداخل المجالات المحلية والإقليمية والدولية مرتفع للغاية مما يزيد من الغموض والضبابية حول كيفية تطور الأوضاع داخل الإقليم. إلا أنه يمكن انطلاقًا من الاتجاهات الأساسية التي تسيطر على المنطقة حاليًا، والتي تتفاعل في سياقها جملة موضوعات ساخنة ذات تأثير إقليمي، بناء مجموعة من التوقعات للمدى المنظور أي في العام 2019.

لذا وفي إطار التحضير لإعداد تقرير سنوي استشرافي تحت عنوان: "الاتجاهات الاستراتيجية: الشرق الأوسط 2019"، عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، على مدى ثلاثة أيام من شهر كانون الثاني 2018، سلسلة حلقات النقاش مغلقة تناولت جملة من الملفات والقضايا ذات الـتأثير العميق في أحوال المنطقة وتوازناتها خلال العام 2019. وبعد افتتاح الندوات بكلمة لمدير المركز الدكتور عبد الحليم فضل الله، تناوب على إدارة حلقات النقاش كل من الأساتذة محمد شري ووليد شرارة وحسام مطر، وثم عرض عدد من الخبراء والباحثين أوراقًا متخصصة في موضوعات محددة سلفًا. وتضمنت كل من هذه الأوراق عرضًا موجزًا لخلفيات ومسار تطور القضية المثارة وثم للسيناريوهات المحتملة لها خلال العام 2019. يعرض هذا التقرير تلك الأوراق كما وردت بهدف إغناء النقاش والمعرفة بين المهتمين والباحثين. 

 

ليبيا: أفُق مسدود للتسوية السياسية

يوسف الصواني / باحث وكاتب ليبي ومدير الدراسات في مركز دراسات الوحدة العربية

 تتناقل وسائل الإعلام وتقارير مراكز الأبحاث الدولية والدبلوماسية بشكل شبه يومي المعلومات عن سوء الأوضاع في ليبيا وكل التقارير والمعلومات تقودنا إلى خلاصة مفادها أن هذا البلد ليس أقرب إلى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان اليوم مما كان عليه قبل التدخل العسكري الخارجي في عام 2011. لقد أضحت آمال وطموحات الشعب الليبي في الديمقراطية والازدهار أبعدُ منالًا فيما يزداد الإحباط رسوخًا لدرجة أن قطاعات معتبرة من السكان صاروا يتمنون عودة التاريخ إلى الوراء أو عودة نظام القذافي. أفضل وصف للحالة الراهنة يمكن أن تختصره عبارة "الوصفة الكارثة" فقد أصبحت ليبيا "خليطًا سامًا من الضعف البنيوي الموروث وتحديات مرحلة ما بعد الصراع وتداعيات أو ارتدادات تغيير النظام ... تبدو البلاد متأرجحة على حافة التذمر... بل وربما تجدد الاستبداد".  هكذا تتراجع فرص السلام والمصالحة والازدهار وبناء الدولة في ليبيا التي وقعت في "حلقة مفرغة": حيث يتطلب بلوغ أهداف الانتفاضة الشعبية بناء مؤسسات الدولة الذي يعتمد على الأمن واحتكار الدولة للعنف والسلاح، والذي لا يتحقق قبل تفكيك الميليشيات، وفي الوقت نفسه فإن هذه الميليشيات ليست مستعدة للتخلي عن نفوذها وامتيازاتها ومصالحها الخاصة وهي اليوم أقوى من أي تمثل رسمي للسلطة والدولة.

ولعل آخر التطورات في هذا الشأن هو الفشل الذي مُني به المؤتمر الذي نظمته الحكومة الإيطالية في مدينة باليرمو في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 وهو الذي جاء في إطار تنافسها مع فرنسا التي نظمت هي أيضًا مؤتمرًا سابقًا في باريس. ورغم أن المؤتمرَين جمعا العديد من الأطراف الليبية المؤثرة في المشهد اليوم مع حضور لافت لحلفائهم أو سادتهم الإقليميين فقد فشل المؤتمران في تحقيق أي تقدم حقيقي لحل الأزمة والوصول إلى توافقات حول سُبل تجاوزها. كما أن الحوار بين مجلس النواب ومجلس الدولة لتعديل الاتفاق السياسي الذي وقع في الصخيرات المغربية برعاية الأمم المتحدة منذ أكثر من عامين فشل هو أيضًا في تجاوز المربع الأول للخلاف حول شرعية المؤسسات ذاتها. لذلك عندما صدر عن رئاسة البرلمان ما يفيد إقرار تعديل دستوري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 يتيح الفرصة لإجراء استفتاء على مسوّدة الدستور الذي أعدته الهيئة المكلفة بذلك وسلمته للبرلمان منذ صيف 2017، فقد تناقضت التصريحات وصدر عن أعضاء البرلمان ومجلس الدولة ما يشير إلى إن هذا القرار وما اعتبره البرلمان تعديلًا دستوريًا يطال تكوين المجلس الرئاسي الذي يعترف به المجتمع الدولي سلطة على ليبيا، ليس سوى مخالفة دستورية قام بها البرلمان الذي يزمع عدد من أعضائه الاعتراض على القرار قانونيًا ونقضه أمام المحاكم. هذا دليل آخر على استمرار حالة الانسداد والأزمة.

ويبدو أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التي أشرفت على تحقيق وتنفيذ اتفاق الصخيرات، كما عبر رئيسها اللبناني غسان سلامة في آخر إحاطة له في هذا الخصوص أمام مجلس الأمن الدولي مؤخرًا، قد وصلت إلى نتيجة مفادها أن تقاسم السلطة لم يعد حلًا وأنها بحاجة لمقاربة جديدة تتبنى مقاربة سلام ومصالحة عبر عقد مؤتمر وطني شامل لكل الأطراف بمن في ذلك من يسمون بأنصار النظام السابق وزعماء القبائل والمناطق بهدف التوصل إلى اتفاق سلام ومبادئ عقد اجتماعي جديد.

على أن التوقف عند هذه الاتصالات والجهود وسط الصراع المتواصل لا يمكن أن يقدم تفسيرًا عميقًا للأزمة وأن ييسر لنا التعرف على بعض أطرافه. لذلك يجب إيلاء الاهتمام لواقع ليبيا وكيف تفاعلت الديناميكيات الجهوية والقبلية والعرقية والدينية لتشكيل ماضيها وحاضرها، وكيفية

إشراكها وممثليها بشكل أفضل لإنقاذ هذا البلد من أزمته الحالية.  هذا أمر تؤكده التطورات الأخيرة حيث بدا ظاهرًا أنه بمجرد أن يتم تسيس أي من هذه الديناميكيات، ولا سيّما الدين، فإن نطاق وأُفق التسامح والتصالح ومن ثم السلام يصبح أشد ضيقًا.  
 يثير هذا الواقع أسئلة جديرة بالاهتمام حول سبب معارضة القوى الغربية والأطراف العربية التي أطاحت بنظام القذافي للاستنتاجات والتوصيات الصريحة التي يقدمها المختصون ومراكز البحوث التي أبرزت الأهمية القصوى لمنع ميليشيات الحرب من أن تصبح أجنحة مسلحة لجبهات أو توجهات أو مجموعات سياسية. العكس تمامًا هو الذي حصل حيث تُركت مهام الأمن وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع في أيدي الميليشيات والقوى السياسية التي شكلتها أو عبرت عنها، على فرضية أن السلطات الليبية المؤقتة، التي ساعدوا على خلقها في الواقع، لم تكن مستعدة لقبول أي عمليات حقيقية ذات جدوى فيما بعد الصراع، وبالتالي سهلوا سيطرة الفصائل المسلحة على البلد. 

ورغم إجراء ثلاثة انتخابات وتوقيع اتفاق سياسي بين الأفرقاء برعاية الأمم المتحدة في بلدة الصخيرات المغربية منذ أكثر من عامين فقد استمر الوضع هشًا على كل المستويات. اتضح أن ترتيبات تقاسم السلطة كهدف للحوار السياسي الليبي، والتي تم إقرارها في الاتفاق السياسي الليبي الموقع في بلدة الصخيرات المغربية، قد أثبتت عدم فعاليتها. فقد تجاهلت حقيقة أنه لا يمكن تقاسم أي سلطة قبل أن يتم إنشاؤها فعليًا. ذلك أن قوة الدولة الليبية وسلطتها ليستا موجودتين ويجب أن يتم إنشاؤهما بديلًا عما جرت بلورته ليلائم مصالح الأطراف الفاعلة غير الخاضعة للدولة والتي جعلتها تتردى للحضيض، في حين أصبحت القوة والسلطة الحقيقية في أيدي الفاعلين من دون مستوى الدولة.  

ولم تقتصر الأزمة والهشاشة على المستوى الأمني والسياسي بل امتدت لتشمل المجال الاقتصادي وصار الليبيون يعانون من تدني مستوى المعيشة فيما تراجعت الصادرات النفطية وتقلصت العائدات والدخل القومي وفقدت العملة قيمتها حيث انخفضت سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية بشكل رهيب وصار الناس يعانون الأمرّين في الحصول على السيولة النقدية من المصارف. لقد بدت موارد ليبيا الطبيعية واحتياطاتها المالية الضخمة كاللعنة وليس النعمة، حيث ظهر واضحًا الأثر السلبي بل المدمر لما قامت به الحكومات المتعاقبة بعد سقوط النظام من دفع المال ومنح الامتيازات للميليشيات وفقًا لحجة زائفة أن هؤلاء ثوار يستحقون المكافأة مقابل دورهم في إسقاط النظام. أدى هذا إلى تنازع بين شرعية الدولة الرسمية وما يُسمّى بالشرعية الثورية، مما فتح الطريق أمام المزيد من الميليشيات وانتشارها لابتزاز الأموال والامتيازات وتولي أدوار اقتصادية واجتماعية وسياسية. لقد ساومت الحكومات المتعاقبة بمؤسسات الدولة وشرعيتها وخصصت الموارد لخدمة مصالح الميليشيات التي أصبحت السلطة الحقيقية وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى دورة أخرى من الحرب الأهلية وتشظي السلطة الرسمية.
 لم تحقق ترتيبات تقاسم السلطة النجاح المرغوب حيث لم تؤكد التطورات حتى الآن سوى عدم قدرة الهيئات المشار إليها في اتفاق الصخيرات (المجلس الرئاسي، وحكومة الوفاق الوطني، والمجلس الأعلى للدولة، والترتيبات الأمنية، ومجلس النواب) على التوحد معًا، واكتساب الشرعية، وامتلاك القدرة على التصرف بطريقة موحدة متماسكة. وقد أفسح ذلك المجال لسلطة الأمر الواقع وللأطراف الفاعلة غير الرسمية وغير الحكومية لكي تمارس المزيد من الهيمنة والتوسع والتغول والافتئات على صلاحيات السلطات الرسمية الهشة، وسط تزايد التهديدات اليومية وتواصل الاستقطاب السياسي الذي يتحدى محاولات بناء الإجماع أو التوافق. ووفقًا للخبراء فإن ما تحتاجه ليبيا الآن هو "ليس فقط إشراك مزيد من الأطراف الفاعلة التي تم استبعادها في العملية، ولكن ضمان المشاركة المناسبة في صفقة تضم جميع الفاعلين". وما لم يتم تدارك هذه النقائص والتحديات فسيبقى الأمر مقاربة نخبوية تتجاهل تمامًا وبشكل ضار للغاية أو مدمر أصحاب المصلحة الحقيقيين من الليبيين بما في ذلك المواطن الفرد والعائلة (الوحدة الاجتماعية الليبية) والحكم المحلي (عبر الميليشيات والمجتمعات المحلية) وهو ما يعني عدم وجود "الصفقة الحقيقية" منظورًا إليها من زاوية أوسع مجتمعيًا. 

 أخيرًا... لا يمكن والحال هذه سوى توقع استمرار الأزمة وتردي مؤسسات الدولة وهشاشة الأمن والاقتصاد مع آثار سلبية وربما مدمرة على السلم الاجتماعي والسيادة والترابط الكياني لليبيا. ولا يوجد سوى مؤشرات قليلة تشجع على تبني أي سيناريو إيجابي للأزمة الليبية، بل إن ازدياد تدخّل الأطراف الخارجية وحدوث الانقسامات داخل كل طرف أو معسكر ليبي يبقيان السيناريو الأكثر رجوحًا.

أما أفضل التوقعات فهو أن تحصل توافقات محدودة تقود إلى استقرار هش دون أن يتم حسم الصراع الذي سيتواصل على المستوى السياسي مع هدر مستمر للثروات والموارد الوطنية. ولا يمكن الجزم بأن هذا الصراع لن يتحول إلى صراع ساخن أو مسلح في أرجاء مختلفة من البلاد بما في ذلك الشرق الذي يتمتع نسبيًا باستقرار أكثر مما هو في الغرب ولاسيما أن الخلاف بين قيادة الجيش الوطني بزعامة خليفة حفتر والبرلمان بات أمرًا ملحوظًا ومتصاعدًا.

أما الغرب الليبي حيث تسيطر ميليشيات جهوية وقبلية وإيديولوجية إسلاموية فإن سلطات المجلس الرئاسي في تلك المنطقة ستظل متقلصة إلى أبعد الحدود بينما تقوم الميليشيات بتبديل هيئتها لتبدو مؤسسات حكومية بدعم إقليمي من حلفائها. وأما الجنوب الليبي ووفقًا لما حدث خلال العامين الماضيين فقد أصبح مسرحًا لداعش وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب وبوكو حرام وغيرها إضافة إلى جماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وربما ساحة لتصفية حسابات إقليمية بدعاوى الهجرة غير الشرعية والإرهاب.

إن ليبيا بحاجة ماسّة إلى خطة سلام وأمن شاملة فلقد طال انتظار المساعدة المباشرة في وضع وتطبيق خارطة طريق جديدة للتحول الديمقراطي الحقيقي تعكس طموحات السكان وتعبّر عن خيارات الناخبين الذين لا ينبغي إخضاعهم ورهن اختيارهم الحر للتحالفات أو لانتهازية الحكومات الأجنبية.

 

حرب اليمن 2019: في انتظار الموقف الأميركي


خليل كوثراني/ كاتب متخصص في الشؤون الخليجية

 لا تشبه الخريطة العسكرية والسياسة لليمن اليوم ما كانت عليه عشية إعلان عملية "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية لما أُطلق عليه "التحالف العربي" في آذار 2015. فقد شهد عام 2018 تحوّلات مهمة، لا شك في أنها ستأخذ مداها في التفاعل هذا العام (2019).

انعكاسات الأزمة الخليجية

أوجدت الأزمة الخليجية (حزيران 2017) مجالًا واسعًا للشقاق بين دول الخليج، سرعان ما تطور مع استفحال الأزمة إلى تناحر متشظ، انتقلت فيه قطر وحلفاؤها من "الإخوان المسلمين" من موقع الدفاع إلى الهجوم. وكان للساحة اليمنية نصيب الأسد من هذا الخلاف. مما أسهم في تحريك المياه الراكدة داخل البيئة التي يفترض أنها موالية للرياض وأبو ظبي، ونجح في تهشيم هذه البيئة ودفعها إلى التنابذ الإعلامي والسياسي. وقد شهدنا في الفترة الماضية تبدلًا كبيرًا في الرأي العام اليمني، لا سيما في جنوب اليمن وشرقه، وصعود حالة اعتراض مناهضة للتواجد الإماراتي - السعودي بأشكال علنية متوسطة الحدة لكنها بالغة الإحراج والإضرار بـ "التحالف". هذا التغيير، فضلًا عن الأزمة الخليجية، مردّه انكشاف فاضح مع الوقت لأهداف الحرب ضد اليمن كدولة وتجلي أطماع أصحابها، ما بدّل أمزجة جمهوري كتلتي "الإخوان المسلمين" (التجمع اليمني للإصلاح) و"الحراك الجنوبي". ولا يزال هذا التباعد بما يحمله من تقاطعات يأخذ مداه مرشحًا للتطور ولأن يخدم أكثر "أنصار الله" عبر تراجع العداء الداخلي للحركة من جهة، وتخفيف حدة الثقل العسكري للجبهات الداخلية من جهة ثانية، بعد أن حسمت الحركة نفوذها في صنعاء عقب مقتل علي عبد الله صالح، واستتبت الأمور لها متجاوزة ذيول الفتنة الداخلية.

 

الوضع الميداني

كل ما تقدم لا يمكن أن يكون عاملًا أصيلًا وحاسمًا لولا الخريطة الميدانية، وأساسها مقدرة "أنصار الله" على الصمود العسكري طوال المدة الماضية، والاستمرار في رفع أوراق القوة المؤلمة، الأمنية والعسكرية، والمؤكدة لحالة الصمود والتوازن، ومن بينها الهجمات الصاروخية. لكن الصمود اليمني العسكري، لا يزال مقتصرًا على الدفاع بشكل رئيسي وإن نجح سلاحا الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية في اختراق المعادلة. وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن وضع "التحالف" أفضل بكثير، إن كان لا يزال يملك زمام المبادرة في فتح الجبهات، ورغم أنه لم يفلح سابقًا في اختراق جبهة صنعاء (جبهات نهم) فإنه قادر على تدشين جبهات جديدة، كعملية الساحل الغربي والحُدَيدة. وتجدر الإشارة إلى أن قدرة السعودية والإمارات على تدشين معركة أو جبهة جديدة تقتصر على اكتساب ورقة (احتلال العاصمة صنعاء أو الحديدة والسواحل والموانئ...) تؤثّر في المفاوضات السياسية لا قلب الطاولة بشكل دراماتيكي. وهنا حجر الزاوية في تقدير الموقف يمنيًا: لا شيء في المدى المنظور يسمح بالاستنتاج أن طرفًا قادر على حسم المعركة عسكريًا، وهذا ما تثبّت وبات بديهيًا. في المقابل، لا شيء يمكن الركون إليه للقول إن أحد الطرفين غير قادر على تحقيق اختراق وازن في خريطة القوى. وهو ما تراهن عليه الرياض وأبو ظبي: إبعاد "أنصار الله" عن البحر الأحمر عبر احتلال الحديدة ومينائها. ويرى التحالف الرباعي (السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا) أن إبعاد "أنصار الله" عن السواحل وحصرهم في إقليم شمال الشمال الجغرافي (إقليم أزال)، بعد اليأس من إسقاط صنعاء، هو الورقة الأخيرة وأقل ما يمكن التنازل عنه للاطمئنان إلى أن "حلفاء إيران" في اليمن قد تم قطع الطريق على مشروعهم بنسبة معقولة ضمن المستطاع ولو كانت غير مرضية بالكامل. عند هذا الحد يمكن لصاحب القرار دراسة التسوية السياسية للتخفيف من أعباء تورّطه، على حساب سقفه المرتفع الذي يتضمن إسقاط صنعاء وتحجيم قوة "أنصار الله" العسكرية والصاروخية في مرحلة لاحقة لتشديد الحصار وإغلاق ميناء الحديدة. وهذا "الحد الأدنى" يوفر إمكانية فرض مخطط الأقاليم الستة الفدرالي.

 

إن بقاء "التحالف" في اليمن سيكون مكلفًا وتترتّب عليه متزايدة، كما أن الانسحاب السريع سيعني خسارة شبه متكاملة الأركان بلا إنجازات استراتيجية. ولا تزال التصريحات الإماراتية حول معركة الحديدة التي تديرها أبو ظبي الأكثر تعبيرًا عن هذه الاستراتيجية، ومنها إعلان مجلس الوزراء الإماراتي (15 حزيران الماضي) أن "هذه العمليات (الحديدة) تهدف إلى تعزيز التوصّل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية من خلال تغيير الواقع على الأرض". وقد نجح "أنصار الله" حتى الآن في إفشال مختلف الهجمات التي شنتها الإمارات على مدينة الحديدة، عبر الاستنزاف في تصعيب المهمة، وهو ما عمّق مأزق "التحالف".
أزمة السعودية: خاشقجي وواشنطن

لا شك في أن قضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي شكلت مفصلًا في الوضع السعودي ولا يمكن استبعاد تداعياتها على مسار الحرب. لقد فجّرت العملية ضد خاشقجي أكبر حالة انفضاح وانكشاف للنظام السعودي وقيادته الحالية. وتنشغل الرياض منذ أسابيع في ما بات يمثل "أزمة" حقيقية وجدية فاجأتها ومن المتوقع استمرار هذه الحالة في المدى المنظور. وهي أزمة متشعبة، بشقّ داخلي يتعلق بوضع العائلة الحاكمة، وشق خارجي يتعلق بصورة المملكة ومكانتها دوليًا وعلاقتها بالولايات المتحدة.
ما يهمنا هنا هو تداعيات الأزمة على مسار الحرب في اليمن. من الواضح أن المواقف حول هذه الأزمة ربطت جميعها بين قضية خاشقجي وحرب اليمن، ودخلت في إطار فتح ملف ولي العهد محمد بن سلمان، وسياساته غير الناضجة والأخطاء المتراكمة، ليكون الرد على هذه السياسات "جذريًا". وبغضّ النظر عن مسار الأزمة، فالواضح من المبادرة الأميركية تجاهها أنها باتت محكومة بسقف عنوانه ضرورة تصويب سياسات الرياض وولي عهدها، إذا استمر التعاون مع هذا "الحليف" فيجب ألا يكون ذلك بأي ثمن أو أن يترك الرجل مطلق اليدين.

 

المفاوضات
الموقف المستجدّ دشن حراكًا أميركيًا لتخفيف التصعيد في اليمن والتمهيد لمفاوضات الحل السياسي وتشجيع مشاورات الأمم المتحدة المرتقبة في السويد. وقد صدرت تصريحات أميركية بهذا الشأن أهمها من وزير الخارجية مايك بومبيو لأنه الذي جدد طرح مشروع الأقاليم والحكم الذاتي لـ "أنصار الله" وهو ما لا يتم تلقفه إيجابًا في صنعاء، لأنه يطلب تنازلًا كبيرًا لم تنجح الحرب في انتزاعه، ولا يخرج من المربع الأول للحرب.
في هذا الطرح تقاطع مع أهداف "التحالف" بالاكتفاء بالحُديدة والقبول بإقليم يحكمه "أنصار الله" فدراليًا. مع ذلك لا يبدو أن التشاؤم سيكون سيد الموقف، حيث من الممكن أن تدفع التناقضات الأميركية الداخلية وصراع الكونغرس والبيت الأبيض الرئيس دونالد ترامب ومعارضيه في المؤسسات إلى فرض قيود أكبر على الضوء الأخضر الممنوح للرياض في حربها سيضطر معها ترامب إلى التنازل وضبط حليفه السعودي. على سبيل المثال قد تكون "تسوية" مرضية مسألة استمرار صفقات السلاح وأرباحها من دون الحرب وصور الضحايا المدنيين التي يضغط بها الإعلام الأميركي.

 

خلاصة
من دون حسم مآلات النقاش الأميركي الداخلي بشأن الحرب (وهو ما سيتضح قريبًا) لا يمكن قراءة الدعوة الأميركية إلى إيقافها سوى كمسعى لخفض التصعيد وضبط إدارة الحرب وتخفيف مشاهدها القاسية لا إيقافها نهائيًا مع الحرص على إنجاز عسكري وسياسي. وتجدر الإشارة إلى أن الحليفين الخليجيين، الإمارات والسعودية، رغم معاناتهما من الضياع والتشتت في اليمن وعدم القدرة على انتزاع الإنجازات، من المستبعد ذهابهما إلى الحل السياسي من دون استكمال مشروع السيطرة على السواحل وإبعاد "أنصار الله" عن المنافذ المائية. خصوصًا أن هذا المعسكر منخرط في حرب شاملة مع محور إيران لتثبيت نظام إقليمي تكون له فيه الهيمنة المطلقة في إطار الوكالة الأميركية، وبالتأكيد فإن اليمن يشكل القاعدة الأساس للبناء على حلم مشابه. وفي حال عدم تدارك ابن سلمان وأخذه تجربة الفشل بعين الاعتبار وكذلك ملاحظته اهتزاز العلاقة مع واشنطن، فإن حرب اليمن ذاهبة إلى مزيد من تثبيت للستاتيكو العسكري، مع احتمال ضبابي لاختراق يحققه "التحالف" عبر إسقاط الحديدة، أو تصعيد مفاجئ من جانب "أنصار الله" بمبادرات عسكرية تكسر ميزان القوى، على أن تبدّل الخريطة السياسية وارد، لا سيما تقارب "الإصلاح" و"أنصار الله".

 

اليمن إلى أين في العام 2019؟ علي شرف الـمَحَطْوري / كاتب سياسي يمني

 

للإجابة عن سؤال اليمن إلى أين في العام 2019؟ لا بد أن نشير إلى توصيف للمرحلة الراهنة لهذه المواجهة التي توشك أن تطوي عامها الرابع وفيها نجد أن الحرب العدوانية على اليمن قد أصيبت بلعنة الستاتيكو رغم محاولات التحالف لتحريك الميدان من خلال تصعيد معركة الحديدة.

إن عجز تحالف العدوان عن حسم المواجهة لصالحه من بداياتها أوقعه في ورطة عامل الوقت، وكلما دارت عقارب الساعة دون أن يضيف التحالف لميزان ربحه أي جديد فهو يراكم الخسائر حتمًا وأمكن للطرف المدافع أن يستثمر ذلك بصبر أسطوري من خلال إيقاع العدو في حرب استنزاف طويلة المدى.

وبالنظر إلى فارق الإمكانيات المادية بين تحالف العدوان من جهة والجيش واللجان الشعبية من جهة أخرى فإن عملية الصد والصمود وكسر الزحوفات في أكثر من أربعين جبهة تمثل في حد ذاتها إنجازًا للطرف المدافع. وعليه وبناءً على ما يتمتع به ذلك الطرف المدافع من مزايا تساعده على الصمود الطويل مثل الحاضنة الشعبية الكبيرة، والتمركز في المنطقة ذات الكتلة السكانية الكبرى بما فيها العاصمة صنعاء، إضافة إلى اتكاء هذه القوة الوطنية على التاريخ العسكري لأنصار الله الذي جعلهم مؤهلين لخوض الحروب الطويلة، كل ذلك يجعل من امتداد زمن الحرب – من الناحية العسكرية البحتة- فرصةً سانحةً لاستنزاف العدو المهاجم المتمثل في السعودية والإمارات وجيوش المرتزقة التابعة لهما.

في هذا العام (2019) سوف يستمر الطرف المعتدي في تصعيده العسكري في جبهتي الساحل الغربي حيث الإمارات تستميت لإحراز تقدّم يجعلها ذات يد طولى في الشأن اليمني، وبإزاء ذلك تحرص السعودية على تأمين حدودها الجنوبية وأن تستعيد بالقوة النارية ما خسرته من مواقع في نجران وجيزان وعسير، وتبعد الجيش واللجان الشعبية إلى داخل الأراضي اليمنية ليتسنى لها لو فكرت في تسوية أن تقدم عليها من موقع المتمكن من فرض السيطرة على الحدود لا الضعيف العاجز عن تأمين حدوده.

أما الطرف المدافع المتمثل بحكومة صنعاء فإنه يؤمن بأن الجغرافيا ليست دافعًا لتغيير الموقف المناوئ للعدوان، ولعدم إدراك المهاجم بعقائدية المدافع فإن أي تقدم ميداني يحرزه الأول لن يكون إلا غرقًا في وحول اليمن.

وما يضاعف من غرق المهاجم أن الطرف المدافع يعمل ليل نهار لمراكمة عوامل القوة، من خلال التصنيع الصاروخي والطائرات المسيّرة وغيرها من أدوات القوة، وقد أنبأت العمليات الصاروخية التي طالت الرياض وأبو ظبي أن اليمنيين قد وضعوا أيديهم على سر سلاح الفقراء بما يجعل عواصم العدوان تحت تهديد جدي، جاءت بالحرب للتخلص منه بتدمير ما كان في مخزون الجيش اليمني من صواريخ سكود، لكنها لم تفلح وباتت رهينة لصواريخ يمنية ذات تصنيع وتطوير محلي.

سياسيًا واقتصاديًا:
أجرت الأمم المتحدة أربع جولات تفاوض في بييل وجنيف1 وجنيف2 والكويت، ثم جنيف3 التي لم تعقد، وجميعها باءت بالفشل، وسبب ذلك أن جماعة الرياض وأبوظبي ليسوا بأصحاب قرار، وسوف يكون الفشل نصيب أي جولة مفاوضات ما دامت الرياض وأبو ظبي تنأيان عن التفاوض، ثم إن لواشنطن الكلمة الأخيرة والفصل في أي تسوية سياسية للملف اليمني، وقد أثبتت وقائع جولات التفاوض الماضية والفاشلة حجم انخراط أميركا في الحرب على اليمن، الذي وصل في جولة الكويت إلى تهديد السفير الأميركي باستخدام سلاح العملة، وهو ما تم تنفيذه لاحقًا بخطوة نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، الأمر الذي أدى إلى تفاقم المعاناة الاقتصادية جراء تدهور قيمة العملة المحلية التي وصلت إلى أكثر من سبعمائة ريال مقابل الدولار في أواخر شهر أيلول/سبتمبر 2018، وبدايات شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018. من هنا يقودنا الحديث إلى التوقعات الاقتصادية للعام 2019 بأنه عام استمرار المحنة الاقتصادية والإنسانية نظرًا لإصرار الطرف المعتدي على أن ينال بالحرب الاقتصادية ما لم يتمكن من تحقيقه بالحرب العسكرية. وفي مقابل ذلك تبدو محدودية الخيارات لدى صنعاء في مواجهة الحرب الاقتصادية، وأي إجراءات تتخذها للحد من تفاقم المعاناة الاقتصادية هي إجراءات نسبية، والتوجه نحو معالجات جذرية كتفعيل الزراعة والمنتج المحلي وإشاعة ثقافة الاقتصاد المنزلي إلى آخر ما هنالك من الإجراءات جميعها تحتاج إلى فترة زمنية تعدّ بالسنوات حتى تعطي المردود المتوخى منه اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا.

وحتى لا نكون متشائمين بشأن فشل أي جولة تفاوض، فإن مما يدفع نحو التسوية أن يحرز الجيش واللجان الشعبية تقدمًا ميدانيًا كاسرًا لحالة الستاتيكو، فيما سيكون العكس في حال أحراز تحالف العدوان تقدمًا ملحوظًا مما يؤدي إلى تصلّب الموقف الدفاعي لدى الجيش واللجان الشعبية.

وفي حال ألقت الأمم المتحدة بثقلها وتعاظم الضغط الدولي على تحالف العدوان لأن يوقف عملياته العسكرية فإن ما سوف يشهده اليمن خلال النصف الثاني من العام 2019 هو هدنة مؤقتة لمعالجة الوضع الإنساني ليس إلا، فيما بوادر الحل النهائي لا تزال مؤجلة إلى ما بعد 2019. 

اليمن وحروب الشرق الأوسط:
نعلم جيدًا أن منطقتنا هذه التي أخذت اسمها من المستعمر البريطاني تموج بصراعات وأزمات وحروب متداخلة ومتشابكة، وأي انزياح في حرب أو أزمة هنا يكون له تأثير على أزمة أخرى هناك بشكل أو بآخر.

وتاريخ المنطقة حافلٌ بأحداث جاءت على حساب أحداث أخرى، فتخضع المنطقة لمنطق الحروب المتنقلة من بلد إلى بلد وتنسحب الأضواء الإعلامية تلقائيًا إلى الحدث المستجد، ويخفت الاهتمام بالحدث الأول بوضعه في منطقة تبريد بفرض حلول هي عبارة عن مهدئات أكثر من كونها حلولًا ناجعة. 

هذه الخلفية أجدها مدخلًا إلى استشراف الحل في اليمن سواء في هذا العام 2019 أو ما بعده، في ضوء قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي التي ساهمت في اتساع دائرة النقد العالمي لسلوك السعودية داخليًا وخارجيًا وفي حربها على اليمن، وارتفعت أصوات غربية تدعو لوقف بيع السلاح للرياض لكنها دعوات لا تزال في أغلبها مجرد ظاهرة صوتية لم تترجم إلى سياسة، وتأثيرها على مجريات الحرب محدود، ذلك لأن الموقف السعودي مرتبط ارتباطًا كليًا بالموقف الأميركي والأمن الإسرائيلي، كما أشار إلى ذلك رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقوله إن استقرار السعودية ضروري لاستقرار العالم، والحقيقة أن استقرار السعودية مهم للكيان الصهيوني، واستقرار كليهما دوامٌ لحالة الاضطراب الإقليمي.

إن أزمات السعودية يجب ألا توقعنا في فخ الوهم القائل بأن حرب اليمن أوشكت أن تضع أوزارها، ذلك لأن الفاعل المركزي فيها هو أميركا، بينما السعودية أداة تنفيذ أساسية، وإجمالًا فإن انزلاق المملكة في أزمات جانبية على هامش حربها اليمنية يصب على المدى الاستراتيجي في مصلحة اليمن. وما دام الثلاثي (ترامب- بن سلمان -بن زايد) على سدة الحكم يصعب الاعتقاد بإمكانية تحقق سلام حقيقي في اليمن في المدى المنظور.

وما أخلص إليه من مقاربتي هذه لملف اليمن هو أن الشعب اليمني بات يحمل عن المنطقة عبئًا ثقيلًا، وأصبح في القرن الواحد والعشرين هو الشعب المعوَّل عليه لأن يصدّ أخطر عدوان جمعت أطرافُه جاهليةَ كل العصور، وعواقبُ أي انكسار لليمن ستكون كارثية على كل المنطقة، وستكون سنوات ما سُمّي بالربيع العربي مجردَ بروفة أمام ما سوف يحصل لو قُدّر لتحالف العدوان أن يستعيد هيمنته على اليمن.

أخيرًا لا بد من التعريج على ما حدث مؤخرًا في غزة من جولة محدودة حدّت من اندفاعة العدو الإسرائيلي وجعلته ينظر إلى عواقب أي مواجهة مفتوحة أكثر مما مضى. لقد ثبتت المقاومةُ الفلسطينية معادلة ردع تضاف إلى معادلات الردع المكرّسة من جهة الشمال لبنانيًا وسوريا، وظهرت "إسرائيل" على شاكلة وحش داخل قفص كبير اسمه فلسطين، وهو ما ينسحب ضعفًا على المحور الذي تنتمي إليه، يقودنا لطرح السؤال الآتي: ما علاقة ذلك بما يجري في اليمن؟ للإجابة عن هذا السؤال أن نأخذ في الاعتبار موجة التطبيع الخليجي العلني التي كشفت عن أن "إسرائيل" والسعودية هما في مركب واحد، وأن العلاقة بينهما علاقة عضوية، وبالمعنى العسكري أثبتت الأحداث أن الرياض هي آخر خط دفاع عن تل أبيب، وغرق إحداهما هو نهاية للثانية، من هنا فإن أي حرب إسرائيلية قادمة ستكون الأولى بعد غرق السعودية في المستنقع اليمني، لذلك أدعو الباحثين والكتاب المعنيين بشؤون المنطقة وهموم الأمة أن يستحضروا اليمنَ كقوة شعبية عسكرية ذات مشروع رسالي أسهمت بما لم يخطر على بال أحد في تعرية أعرابَ أميركا، وفي الوقت ذاته مثلت رافدًا استراتيجيًا مهمًا لمشروع التحرر العربي والإسلامي.

 

تحميل الملف
المقال السابق
البحث الراجع: قراءة في نتائج انتخابات الكونغرس النصفية لعام 2018/ العدد 33 - شباط 2019
المقال التالي
دراسات وتقارير: الآثار البيئيّة للتلوّث بالنفط: الواقع وخطط الطوارئ والتشريعات المطلوبة في لبنان / العدد 14 - كانون الثاني 2019

مواضيع ذات صلة: