مقدّمة
يُطلق مصطلح «الساحل الإفريقي» على الشريط الجغرافي الفاصل بين الصحراء الكبرى وشمال القارة، ويمتدّ عبر السودان وتشاد والنيجر ومالي وموريتانيا والسنغال، وقد يتّسع تبعًا لبعض الاعتبارات ليضمّ بوركينا فاسو ونيجيريا والرأس الأخضر. وقد صار هذا النطاق يُعرف في أدبيات السياسة الدولية بـ«قوس الأزمات» نظرًا لما يعتمل فيه من شروخ أمنية وبؤر توتّر متراكبة . وما يميّز هذه المنطقة عن سائر أقاليم القارة أنها جمعت متناقضات حادّة في حيّز جغرافي واحد: فهي من جهةٍ مسرحٌ لتهديدات أمنية عابرة للحدود، من أنشطة العنف المسلّح إلى الجريمة المنظّمة وتهريب السلاح والمخدّرات؛ ومن جهةٍ أخرى خزّانٌ هائل لاحتياطات الطاقة والمعادن والموارد الخام. وكِلا الأمرين دافعٌ رئيسي يحرّك القوى الكبرى لتثبيت نفوذها في الإقليم، بل ويُذكي التصارع بينها على هذا النفوذ.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أنّ ما تشهده منطقة الساحل وغرب إفريقيا منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ليس مجرّد سلسلة اضطراباتٍ معزولة أو «انقلابات» متناثرة، بل لحظةٌ تاريخية مفصلية تتقاطع فيها ثلاث تحوّلات كبرى: تحوّلٌ في بنية النظام الدولي من الأحادية القطبية إلى التعدّدية، وأفولٌ متسارع للنفوذ الاستعماري التقليدي الفرنسي خاصّةً، وصعودٌ لوعيٍ شعبي وجيلٍ جديد من النخب يطمح إلى استعادة السيادة على الثروة والقرار. ومن رحم هذا التقاطع يمكن — بقدرٍ من التحوّط المنهجي — استشراف ملامح مشروعٍ تحرّري نُسمّيه في هذه الدراسة «حزام التحرّر».
يُطلق مصطلح «الساحل الإفريقي» على الشريط الجغرافي الفاصل بين الصحراء الكبرى وشمال القارة، ويمتد عبر السودان وتشاد والنيجر ومالي وموريتانيا والسنغال وقد يتّسع تبعًا لبعض الاعتبارات ليضمّ بوركينا فاسو ونيجيريا والرأس الأخضر، ويُعرف بـ «قوس الأزمات» لكثرة شروخه الأمنية وبؤر توتره. يتميز الإقليم بجمع متناقضات تتمثل في تهديدات أمنية عابرة للحدود من جهة، وخزان هائل من موارد الطاقة والمعادن يذكي صراع القوى الكبرى لتثبيت نفوذها من جهة أخرى. وتنطلق الدراسة من فرضية أن ما تشهده المنطقة ليس مجرد اضطرابات أو انقلابات معزولة، بل لحظة تاريخية مفصلية تتقاطع فيها ثلاثة تحولات كبرى: الانتقال الدولي للتعددية القطبية، أفول النفوذ الاستعماري الفرنسي، وصعود نخب وجيل جديد يسعى لاستعادة السيادة والثروة، لاستشراف مشروع تحرري نُسمّيه في هذه الدراسة «حزام التحرّر».
تتمحور إشكالية الدراسة حول سؤالٍ مركزي: هل تمتلك دول الساحل الإفريقي مقوّمات الانتقال من حالة التبعية البنيوية للمركز الرأسمالي والاستعماري إلى مشروعٍ تحرّري إقليمي متكامل؟
وتتفرّع عنه أسئلة:
ما طبيعة التنافس الدولي على الإقليم وموازين القوى الفاعلة فيه؟
وما الأزمات البنيوية التي تُعيق بناء الدولة الوطنية؟
وما القابليات الذاتية والعوامل الدولية التي قد تُسعف مشروع التحرّر؟
وكيف تتشكّل بنية ما بعد التحرّر دفاعيًّا واقتصاديًّا؟
تنبع أهمية الدراسة من كونها تتجاوز التوصيف الإخباري للأحداث إلى محاولة التأسيس النظري لمشروعٍ تحرّري، في وقتٍ تشحّ فيه المقاربات التي تقرأ تحوّلات الساحل من زاوية مصالح شعوبه لا من زاوية القوى المتنافسة عليه. وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًّا يجمع بين القراءة الجيوسياسية لموازين القوى، والتحليل البنيوي لأزمة الدولة، والمقاربة التاريخية المقارنة مع موجة التحرّر الوطني الإفريقي في الستينيات.
تقسيم الدراسة
تنتظم الدراسة في ستة فصول:
ويعالج الفصل الأول
ويتناول الفصل الثاني
ويرصد الفصل الثالث
ويحلّل الفصل الرابع
ويقرأ الفصل الخامس
ويؤسّس الفصل السادس
تختم الدراسة بالتوصيات.
الفصل الأول: من الاستعمار إلى لحظة دولية فارقة
1.1 الإطار المفاهيمي والجغرافي
بدأ التاريخ الحديث لـ إفريقيا —كما يؤرّخ له— مع مطلع القرن التاسع عشر؛ فقبل ذلك ظلّت القارة، ولا سيما وسطها، منطقةً شبه مجهولة بالنسبة للعالم . فحتى زمن حملات الاستكشاف الجغرافي، اكتفت القوى الكبرى بإقامة مواقع تمركزها على حواف القارة لتأمين الإمدادات لرحلاتها التجارية الدائرة حولها، فيما بقي الداخل الإفريقي مغلقًا أمامها أمدًا طويلًا.
قام التقسيم الاجتماعي في إفريقيا تاريخيًّا على فكرة القبيلة، بوصفها أقدم وحدةٍ سياسية مستقلّة وأكثر أشكال التنظيم الاجتماعي تماسكًا، وهي بدورها تقوم غالبًا على الانتماء إلى جدٍّ مشترك —حقيقي أو متخيَّل— ولها أعرافها وقواعدها الداخلية المنظِّمة . وقد ظلّ نظام القبيلة هو السائد والأوسع انتشارًا، يؤدّي وظيفة الدولة عمليًّا.
وتنتظم القبائل وفق اعتبارات النسب أو اللسان أو المعتقد، ويتولّى شؤونَ كلٍّ منها رئيسٌ أو شيخ، وهكذا كان الطابع الغالب على القارة طابعًا انقساميًّا؛ انقسامًا بين شمال الصحراء وجنوبها، ثم جاء الاستعمار فقسّمها دولًا قُطرية على النمط الحديث دون مراعاةٍ لتوزّع القبائل في المكان، فزاد الطابع الانقسامي حدّةً حين باتت الدولة الواحدة تضمّ خليطًا من القبائل، وهو ما ولّد عددًا معتدًّا به من الصراعات الدموية لاحقًا.
يكاد الوعي العالمي بحجم إفريقيا أن يكون مشوَّهًا بفعل إسقاط مِركاتور الخرائطي الذي يُصغِّر المناطق الاستوائية ويُضخِّم القريبة من القطبين؛ فتبدو إفريقيا في الخرائط الشائعة أصغر كثيرًا من حقيقتها. والواقع أنّ مساحة القارة تتّسع لمجموع الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وعموم أوروبا الغربية معًا.
ويُعدّ غرب إفريقيا — حيث تقع معظم دول الساحل محلّ هذه الدراسة— القلب الديموغرافي والاقتصادي للقارة؛ حيث تتجاور فيه دولٌ ساحلية وأخرى حبيسة، كما تتقاسم نطاقًا واحدًا من الموارد والتحدّيات الأمنية، كما يبيّن الشكل المرفق لحدود الإقليم ودوله.
لا يمكن فهم ديناميات الصراع والتحرّر في الساحل بمعزلٍ عن بنيته الإثنية واللغوية بالغة التركّب؛ فالإقليم مَوطنٌ لعشرات الجماعات اللغوية الكبرى (ملايين البشر) التي يتحدّث كلٌّ منها لغاتٍ مختلفة —كالهوسا واليوروبا والفولفولدِه والإغبو والماندِنكا والأكان والزَّرما والكانوري والطوارق—، وتتوزّع عبر الحدود السياسية الحديثة تَوزّعًا لا يكترث بها.
أمّا في البُعد الديني، فقد رسّخ الإسلام حضوره في الإقليم عبر قرونٍ من التجارة والتثاقف، حتى غدا الدين الغالب على نسيج المجتمع في معظم دول الساحل، بنسبٍ تتجاوز التسعين في المئة في بلدانٍ كالنيجر. وتشير دراساتٌ متخصّصة إلى أنّ اتّساع رقعة التديّن الإسلامي في كثيرٍ من مناطق الإقليم تسارع في القرن التاسع عشر، حين ازدهرت حركة التجارة وتناقُل الأفكار، فاعتنق السكان الإسلام عبر احتكاكهم بالتجّار المسلمين، وهو ما أقلق الإدارة الاستعمارية الفرنسية آنذاك.
بعد استقلال الدول الإفريقية عن الاستعمار، سعت كلٌّ منها إلى بناء ذاتها على أسسٍ سياسية واقتصادية، غير أنّ التجربة باءت بالإخفاق في كثيرٍ من المحاولات لأسبابٍ في مقدّمتها سيطرة النظم التسلّطية على السلطة؛ حيث وجدت هذه الدول أنها انتقلت من قبضة الاستعمار إلى قبضة الحكم الاستبدادي، ومن هنا تعكس أزمة بناء الدولة الوطنية واحدةً من أكبر معضلات المشكلة الأمنية في القارة، إذ نهضت هذه الدول على تقسيماتٍ جغرافية شوّهها الاستعمار دون اعتبارٍ للتنوّع الإثني والقبلي وخصوصية المجتمعات، فأنتج نسخًا مشوّهة من نموذج الدولة الغربية.
وهو ما يصفه برتران بادي بمفهوم «الدولة المستوردة»، أي: كيانٌ سياسي نُقل قالبُه الغربي إلى تربةٍ اجتماعية مغايرة دون أن يكون مؤسّسًا على هوية راسخة وفلسفة وثقافة سياسية محليّة، فلم تتولّد عنه شرعيةٌ داخلية حقيقية، فبقي «نصابًا سياسيًّا» مُغرَّبًا عن مجتمعه ! وسرعان ما تحوّلت هذه الأزمة إلى ما يُعرف بـ«الأبوية الجديدة» (Neopatrimonialism) القائمة على تركيز السلطة والثروة في يد عِرقٍ أو قبيلة تتحكّم من المركز، وتغييبٍ للعدالة، حيث يغدو حكم المؤسسات والنظام البيروقراطي مجرّد شكلٍ بلا مضمون ، وهذا الإطار المفاهيمي — الدولة المستوردة، والأبوية الجديدة، والطابع الانقسامي الموروث — هو المدخل المؤسس لقراءة كلّ ما يلي من تنافسٍ دولي وأزماتٍ بنيوية وأطروحةٍ تحرّرية.
1.2 تحوّل بنية النظام الدولي بعيدًا عن الأحادية
ثمة شبه إجماعٍ لدى رموز الفكر الاستراتيجي الغربي (على سبيل المثال لا الحصر: توني بلير وهنري كيسنجر إلى شخصياتٍ رسمية كالرئيس الفرنسي ماكرون والمستشار الألماني شولتز) على أنّ عهد القطب الواحد يمضي إلى أفوله؛ فالعملاق الصيني بات بحكم الأمر الواقع قطبًا دوليًّا منافسًا لواشنطن، وحيث روسيا تستجمع شتات قوّتها، وإيران والهند وإندونيسيا والبرازيل تطرح نفسها كقوًى صاعدة.
وفي خلفية هذا التحوّل تبدّلٌ في طبيعة التنافس الدولي على إفريقيا نفسه؛ إذ انتقل من بُعدٍ جيوسياسي صرف إلى بُعدٍ جيواقتصادي بات هو الأوضح، وإن لم يَخلُ من أبعادٍ سياسية واستراتيجية، وقد تضاعف هذا التنافس تعقيدًا بكثرة اللاعبين وتشابك مصالحهم وتقاطعها، فلم تَعُد القارة ساحةً لقطبٍ واحد يوزّع الأدوار، بل سوقًا مفتوحة تتزاحم عليها قوًى تقليدية وأخرى صاعدة .
ثم أزمة اجتماعية/سياسية حول مسألة بناء الدولة الوطنية التي تتغذّى على رواسب التقسيم الاستعماري المشوَّه للجغرافيا، وتفضي، بطبيعة الحال، إلى نسخٍ هشّة عاجزة عن إنتاج شرعيةٍ مستقلة ذاتيًا أو نموذج حكمٍ مؤسسي مستقرّ ؛ ومن ملامح هذه الهشاشة أنّ موازين النفوذ الخارجي توزّعت على القارة توزّعًا جغرافيًّا: فحيث تبلغ "المشاركة الدبلوماسية" الأميركية ذروتها في كينيا وإثيوبيا وتنزانيا، كما أنها الأكثر تلقّيًا للمساعدات الأميركية؛ في نفس الوقت تتركّز مصالح روسيا في موزمبيق ومدغشقر وجنوب إفريقيا؛ فيما تمركزت مصالح الصين في ناميبيا وسيراليون وكينيا.
في ظلّ نموذج «الأبوية الجديدة» حيث كان كلّ شيءٍ يتركّز في المركز — السلطة والثروة والقرار — وتُحال الأطراف إلى هامشٍ جغرافي وسياسي معًا، إلا أنّ متغيّرًا جديدًا بدأ يُخلخل هذه المعادلة، ألا وهو "ثورة المعلومات"؛ فقد منح انتشارُ الإنترنت ووسائل التواصل أجيالًا جديدة من الطلبة والنخب المتعلّمة أدواتٍ للاتصال والتواصل والتنظيم والفهم النقدي يكسر احتكار المركز للرواية، ووفّر لقوى المعارضة فضاءً للتشبيك وتبادل المعلومات ورفع منسوب التفاعل السياسي، بالتالي، ليس من قبيل الصدفة أن يستعيد شبابُ جامعات الساحل اليوم رموزَ التحرّر الأفريقي — وفي طليعتهم توماس سانكارا — بوصفهم مرجعيةً لخطابٍ مناهضٍ للتبعية، وهكذا يلتقي تحوّلُ النظام الدولي في الأعلى بتحوّلِ الوعي في الأسفل، ليصنعا معًا البيئة التي تتحرّك فيها أطروحة التحرّر.
1.3 الصراع الجيواستراتيجي على الساحل .. من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي
يكتسب الساحل قيمته الاستراتيجية من كونه الممرّ البرّي الذي يربط ساحل المحيط الأطلسي غربًا بسواحل البحر الأحمر شرقًا، عبر نطاقٍ صحراوي قليل العمران شبه مستوٍ بلا عوائق تضاريسية كبرى، ولهذا تتنازعه مشاريع القوى الكبرى: فالاستراتيجية الروسية المتكاملة تستهدف ربط قواعدها في البحر الأسود بنقاط ارتكازٍ بحرية في شرق المتوسط (سوريا) وشمال إفريقيا (ليبيا والجزائر)، ثم استكمالها بموطئ قدمٍ على السواحل الغربية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي .
وتسعى موسكو في هذا الإطار إلى قطع الطريق على الممرّ الأميركي المُحتمل الذي يربط السواحل الشرقية للولايات المتحدة بالبحر الأحمر لتعزيز انتشارها السريع في غرب المحيط الهندي تحسّبًا لتصاعد صراعها مع الصين ، ولذلك قدّمت روسيا عروضًا لإقامة مركزٍ لوجستي بحري في إريتريا أو السودان، إلى جانب حضورٍ عسكري غير مباشر في مالي، ويتقاطع ذلك مع هدفٍ أبعد هو الاقتراب من منابع الطاقة وممرّاتها حول الجزيرة العربية لتعزيز دور روسيا في تحديد أسعار الطاقة العالمية، فضلًا عن تنويع أسواقها بحصصٍ استثمارية في النفط والغاز في الكاميرون وغانا ونيجيريا والكونغو وأفريقيا الوسطى.
لا يُفهم هذا التزاحم إلّا في ضوء ثروةٍ هائلة تختزنها القارة: فاحتياطي إفريقيا من النفط الخام يُقدَّر بنحو ثمانين إلى مئة مليار برميل، أي ما يعادل نحو 11٪ من الإنتاج العالمي ، وتنفرد دول خليج غينيا بميزاتٍ ثلاث: تحرّرها من عضوية «أوبك»، وانخفاض كلفة الاستخراج لقرب النفط من السطح، واتّصال مسارات تصديرها مباشرةً عبر الأطلسي بالسواحل الشرقية للولايات المتحدة بعيدًا عن مضايق هرمز وباب المندب المتوتّرة ؛ وهي ميزاتٌ ترشّح مستقبل النفط والغاز الإفريقي للصعود ، أمّا الغاز فيُقدَّر احتياطيه بأكثر من 17.5 تريليون متر مكعّب ، أي قرابة نصف الاحتياطيات المؤكَّدة في روسيا ، وقد ارتفعت الاستثمارات في التنقيب عن الطاقة في القارة بنحو 50٪ بعد الأزمة الأوكرانية وجُهِّز معظم البنية التحتية لتصدير الغاز إلى أوروبا وآسيا .
وإلى جانب الطاقة، تُعدّ إفريقيا ثاني مصدرٍ لاحتياطيات البوكسيت والكوبالت والألماس والمنغنيز والفوسفات والبلاتين والصودا ، وتحوز نحو 30٪ من الاحتياطيات المعدنية العالمية ، وهي نسبٌ مرشّحة للارتفاع لأنّ مساحاتٍ واسعة من القارة لم تشملها المسوحات الجيولوجية بعد ، كما أنّ أراضيها الصالحة للزراعة تقارب 35٪ من مساحتها، ومع ذلك تُسهم بنحو 60٪ من إنتاج العالم من الكاكاو و22٪ من البنّ و40٪ من زيت النخيل .
غير أنّ أثمن موارد أفريقيا يبقى بشرَها؛ إذ تجاوز عددُ سكان القارة المليار منذ 2009 ، نصفُهم في سنّ النشاط، ويُتوقَّع أن يبلغ نحو 2.6 مليار بحلول 2050 ينتمي أكثر من مليارٍ منهم إلى الطبقة الوسطى ، حتى غدا أثمنُ موارد القارة مستهلكيها المتنامية حاجاتُهم الغذائية والصناعية لا نفطَها ولا ألماسَها ، وهذه المعادلة —طاقةٌ ومعادنُ وغذاءٌ وسوقٌ استهلاكية صاعدة— هي جوهر الرهان الدولي على القارة .
بحكم الجوار الجغرافي، يبرز الاتحاد الأوروبي طرفًا مستميتًا على الظفر في سباق موارد الصحراء؛ فاقتصاده الصناعي يستهلك نحو 482 مليار متر مكعّب من الغاز سنويًّا، ويعتمد في نحو ثلاثة أخماس إمداداته على الاستيراد من خارج حدوده، ومع توقّع هبوط إنتاجه الداخلي تتعاظم حاجته إلى مصادر بديلة، وهو ما يجعل تأمين الطاقة في صميم استراتيجيته. ولتحقيق ذلك راهنت أوروبا على مشروعين عملاقين في الصحراء الكبرى: أوّلهما مشروع «ديزرتك» (DESERTEC)، ويقوم على استغلال إشعاع شمس الصحراء لتوليد الكهرباء ونقلها عبر كوابل خاصّة إلى أوروبا، بتكلفةٍ تقديرية يُؤمَّل أن يفي بجزءٍ معتبر من حاجة القارة العجوز.
وثانيهما: خطّ الغاز العابر للصحراء، المُصمَّم لنقل غاز دلتا النيجر في نيجيريا عبر النيجر ثم الجزائر إلى موانئ المتوسط فأوروبا، ويبلغ طوله نحو 4200 كيلومتر بتكلفةٍ تُقدَّر بين 13 و20 مليار دولار، ويتّصل بخطوطٍ متوسطية قائمة، ويسير نصفُ مساره في إقليم السافانا شبه الجاف قبل أن يبلغ منطقة حاسي الرمل، ملتقى أنابيب النفط والغاز الجزائرية. غير أنّ هذين المشروعين يصطدمان بعقبةٍ رئيسة هي ما تُسمّيه القوى الغربية «الإرهاب المتصاعد» في الإقليم، وما هو في حقيقته —كما سيأتي— مقاومةٌ مسلّحة رافضة للهيمنة العسكرية الغربية على منطقتي الساحل والصحراء.
لحماية هذه المصالح، جرّدت فرنسا —بمساندةٍ أوروبية— عمليتين عسكريتين متتاليتين في الساحل: عملية «سيرفال» (Serval) التي استصدرت لها قرارًا من مجلس الأمن برقم 2085 في 20 كانون الأول/ديسمبر 2012 لإرسالها إلى شمال مالي، ثم عملية «برخان» (Barkhane). ونصبت الدبلوماسية الفرنسية لهاتين العمليتين غطاءًا سياسيًّا عبر «مجموعة الساحل الخماسية» (G5 Sahel) المؤلَّفة من كتائب منتخَبة من جيوش موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو التي استُصدر لها القرار الأممي 2359 في 21 حزيران/يونيو 2017 لنشرها لـ«محاربة الإرهاب»! بيد أنّ المفارقة أنّ القيادات الميدانية الفرنسية نفسها أقرّت في غير مناسبة بتراجع قدرة الجماعات المسلّحة على العمل على مستوى الإقليم والسيطرة على المدن، ثم عادت تكرّر «أسطوانة الإرهاب» نفسها!
إلا أن الأقرب إلى الحقيقة أنّ ما يُوصَم بالإرهاب ليس سوى محاولة وصم لمقاومةٍ مسلّحة ترفض الوجود العسكري الفرنسي والغربي؛ وحجّة هذه الجماعات أنه طالما تخلّى قادةُ الدول عن التمسّك بسيادتها واستمرّ نهبُ مواردها عبر الاستعمار المقنّع أصبحت هذه الحكومات العميلة أطرافًا في المعركة لا حُكّامٌ عليها.
الفصل الثاني الفاعلون الدوليون والإقليميون وإعادة تموضعهم
2.1 الولايات المتحدة — إعادة التموضع و«فتّش عن النفط»
بعد الحرب الأوكرانية تعاظمت أهمية مصادر الطاقة البعيدة عن مناطق الصراع وممرّاته، ولا سيّما إفريقيا حيث تُصنَّف نيجيريا وأنغولا والجزائر وليبيا ضمن أكبر عشرين دولة منتجة للنفط في العالم. وقد كانت واشنطن سبّاقة إلى إدراك ذلك؛ فبُعَيد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر أعلن مسؤولون أنّ النفط الإفريقي مصلحةٌ استراتيجية للأمن القومي الأميركي . غير أنّ الولايات المتحدة، إذ يتعذّر عليها تسويغُ تموضعها العسكري بدافع الطاقة أو منافسة الصين صراحةً، اضطُرّت إلى تكرار سردية «مكافحة الإرهاب» ذريعةً لهذا الوجود ، فأعلن مسؤولون عسكريون أنّ الساحل هو المحطة الثانية للإرهاب بعد أفغانستان وباكستان ! في توظيفٍ غير خافٍ لمقولة «الحرب على الإرهاب» خدمةً للأطماع الأميركية .
وقد استنتج باحثون أنّ «تغافل» واشنطن عن انقلابات غرب إفريقيا وتخلّيها النسبي عن وكيلها الفرنسي ، واضطرارها إلى التدخّل المباشر عبر نقل قيادة «أفريكوم» إلى داخل القارة، هو من إرهاصات إعلان هزيمتها في إقليم «الشرق الأوسط» . والمفارقة أنّ معظم القوات المنقلِبة دُرِّبت في برامج أميركية؛ فقد أظهرت دراسةٌ أكاديمية أنّ ثلثي الانقلابات العسكرية الناجحة بين عامي 1970 و2009 قادتها قوّاتٌ تدرّبت في إطار برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي (IMET)، وهو ما يثير تساؤلاتٍ جدّية حول طبيعة ذلك التدريب .
وتاريخيًّا، تبلورت ملامح السياسة الأميركية تجاه إفريقيا منذ 1998 مع سعي إدارة كلينتون إلى «شراكة جديدة»، ثم سرعان ما اكتسبت القارة محوريةً في التفكير الاستراتيجي الأميركي بعد 11 أيلول/سبتمبر ، فتعدّدت الزيارات الرفيعة والعمليات المشتركة مع دول الساحل ضدّ «الجماعة السلفية للدعوة والقتال»، إلى أن تُوِّج ذلك بإنشاء القيادة العسكرية لإفريقيا «أفريكوم» التي أعلنها بوش الابن في شباط/فبراير 2007 وانطلق عملها رسميًّا من شتوتغارت في تشرين الأول/أكتوبر 2008 . غير أنّ رفض الدول الإفريقية استضافتها دفع إدارة أوباما إلى مراجعة طموحاتها وخفض ميزانيتها ، مكتفيةً بترك المجال لفرنسا للتدخّل في مالي 2013 .
ويصف الدبلوماسي المخضرم مارتن إنديك جوهرَ الأزمة الأميركية في المنطقة بأنه «الجانب المظلم للتفاؤل» الذي يتحوّل إلى سذاجةٍ نابعة من الجهل والغرور بمجتمعات الإقليم وتاريخه، والأصحّ القول إنّ واشنطن لم تنسحب كليًّا حتى الآن من الساحل الإفريقي، بل تخلّت عن التزامها كمهيمنٍ على بنية الأمن الإقليمي، وحصرت أولوياتها في خمسٍ: حماية إمدادات النفط، وأمن الممرّات المائية، وأمن "إسرائيل"، ومنع الانتشار النووي، ومكافحة الإرهاب. وقد بقي من هذه الأولويات عمليًّا ما يستلزم تعاونًا متعدّد الأطراف . وهنا تكمن المفارقة التي تجعل هذا «الفراغ» فرصةٌ تاريخية أمام قوى الإقليم الصاعدة لإعادة صياغة النظام الإقليمي على نحوٍ يعكس مصالحها بدلًا من إخضاع أمنها لديناميات الأطماع والهيمنة الغربية.
2.2 فرنسا — أفول الإمبراطورية
تمتدّ علاقة فرنسا بإفريقيا إلى ثلاثة قرونٍ أو أكثر من الاستعمار المباشر، أنتجت خارطةَ احتلالٍ تُعدّ الأكبر منذ مؤتمر برلين 1884، والتي بدورها قامت على ركائز ثلاث: الإدارة السياسية، والتحكّم الاقتصادي، والاستلاب الثقافي الذي تعامل مع الشعوب الإفريقية بفوقيةٍ واستعلاء. وتتجلّى المصالح الفرنسية اليوم في حضورٍ قوي عبر شركاتٍ كبرى في النفط والغاز والتعدين (مثل «توتال») والبنية التحتية والخدمات المالية (مثل «بي إن بي باريبا» و«كريدي أغريكول»). وقد بلغ التبادل التجاري بين فرنسا والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا نحو 51 مليار يورو عام 2022، فيما يأتي نحو 98٪ من مشتريات باريس من المنتجات المعدنية في الإقليم من يورانيوم النيجر وحده.
ويمكن إجمال أسباب التراجع الفرنسي السريع في ستّة عوامل متضافرة: التحوّلات الجيوسياسية وصعود منافسين جدد؛ والضغوط الداخلية في الدول الإفريقية الرافضة للوجود الفرنسي؛ وتبدّل أولويات باريس نحو الملفّ الأوكراني؛ والتحوّلات التجارية لصالح الصين (التي قضمت حصص فرنسا في نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا وكوت ديفوار والكاميرون) ؛ وديناميات داخلية دفعت هذه الدول للبحث عن شركاء جدد؛ وتنامي القوى البديلة كروسيا (فاغنر). ولهذا كان جنونُ السياسة الفرنسية إثر انقلاب النيجر في تموز/يوليو 2023 مفهومًا؛ فالنيجر هي المحطة قبل النهائية للوجود العسكري الفرنسي الثقيل، ومستودعُ اليورانيوم الذي يُموّن عشرات المفاعلات النووية المولِّدة لأكثر من 70٪ من كهرباء فرنسا، بحيث تعني خسارتها فقدانَ جزءٍ معتبر من قوّة فرنسا الشاملة كدولة.
وثمة من يقرأ التدخّلات الفرنسية الأخيرة في سياق التنافس مع الصين؛ فالإطاحة بالرئيس بوزيزي في أفريقيا الوسطى — وفق برنارد باتانا — جاءت عقابًا له على توقيع عقدٍ مع بكين لاستغلال حقل نفط، وهو ما لم تستسغه باريس صاحبةُ النفوذ الموروث على ثروات البلاد . ويتأكّد هذا في عبارة الرئيس هولاند الشهيرة عن مالي بأنّ «الانتخابات ستجري في موعدها ولا مجال للنقاش»، وهي عبارةٌ تختزل النزق الفرنسي والرغبة في بعث «الإذلال المتجدّد» كما أسماه برتران بادي في كتابه «زمن المذلولين» .
وقد بلغ الأفولُ الفرنسي ذروتَه الرمزية والمادية في عامَي 2024 و2025، حين تساقطت آخرُ القواعد العسكرية الفرنسية في غرب إفريقيا تساقطَ أحجار الدومينو: فبعد أن أنهت مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد اتفاقياتِها الدفاعية من طرفٍ واحد، طلبت ساحلُ العاج والسنغال —وهما من أعرق حلفاء باريس وأكثرهم استقرارًا— جلاءَ القوات الفرنسية؛ فسُلّمت قاعدةُ تشاد الجوية في كانون الثاني/يناير 2025، وقاعدةُ ساحل العاج الوحيدة (نحو 600 جندي) في شباط/فبراير 2025، واكتمل انسحابُ القوات من السنغال في تموز/يوليو 2025، لتُطوى صفحةُ الوجود العسكري الفرنسي الدائم في غرب إفريقيا بأكملها، عندها، لم يَعُد ممكنًا وصفُ ما جرى بأنه تراجعٌ ظرفي، بل هو نهايةُ «فرانس–أفريك» العسكرية وانهيارُ منظومةِ نفوذٍ عمّرت ستّة عقود.
2.3 الصين — الصعود الهادئ
تُولي الصين إفريقيا أهميةً استراتيجية طويلة المدى، وتراهن على أن تغدو القارة من أكثر مناطق العالم ديناميكيةً اقتصاديًّا، فتركّز على بناء الروابط اللوجستية والرقمية التي تربط الدول الإفريقية ببعضها وبالصين، موظِّفةً فائض رأسمالها وقدرتها الصناعية. وتقوم استراتيجيتها على ثلاثة أبعاد: النفوذ عبر الدول ذات التأثير الإقليمي الكبير (جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا والجزائر)؛ والتشبيك المكثّف مع النخب الحاكمة عبر زياراتٍ متبادلة تتفوّق بها على واشنطن وموسكو؛ واستهداف البلدان ذات الصناعات الاستخراجية. وتدعم ذلك بحضورٍ إعلاميٍّ في تسع دولٍ محورية لتصدير صورة «الصيني الجيّد» وشريكِ التنمية الحميد.
ويمكن تتبع الاستراتيجية الصينية من خلال قراءة عدة أرقام: فقد أصبحت الصين أكبر مموّلٍ للبنية التحتية في القارة بنسبة 28٪ من إجمالي التمويلات، متقدّمةً على واشنطن وبروكسل وطوكيو ، وارتفعت حصّتها من الصادرات المعدنية الإفريقية من 7٪ إلى 39٪ بين عامي 2000 و2009 فيما تراجعت حصّتا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، وتعمل في القارة أكثر من ألفيّ شركة صينية في الزراعة والطاقة والاتصالات والصناعة .
وقد رسّخ منتدى التعاون الصيني–الإفريقي (FOCAC) منذ 2000 هذه العلاقة، فألغت الصين ديونًا عن البلدان الأقلّ نموًّا ، ورفعت استثماراتها المباشرة من 16 إلى 26 مليار دولار بين 2011 و 2013 ، وأعلنت في قمّة 2015 دعمًا ماليًّا بقيمة 60 مليار دولار يفوق ضعفَ ما قدّمته واشنطن في قمّتها مع القارة .
ويمنح الحضورُ الصيني القويّ الدولَ الإفريقية هامشَ مناورةٍ أوسع إزاء شروط صندوق النقد والاتحاد الأوروبي، ويقدّم نفسه بديلًا «أنسب» سياسيًّا وتجاريًّا، حتى عبّر الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد عن أنّ فهم الصين لحاجات القارة أفضل من «الفهم البطيء والمتغطرس» للمستثمرين الأوروبيين . ولهذا أصدر مجلس العلاقات الخارجية الأميركي منذ 2005 تحذيرًا من «مواجهةٍ ضارية» مع بكين على نفط إفريقيا، داعيًا واشنطن إلى تجاوز المقاربة الإنسانية واعتبار القارة «شريكًا» !
ولا يقف الحضور الصيني عند حدود الاقتصاد؛ فثمة تحوّلٌ لافت من النفوذ الاقتصادي إلى النفوذ السياسي والأيديولوجي، وإن بدا متعارضًا مع مبدأ «عدم التدخّل» الذي ترفعه بكين: فقد بلغ حجمُ التبادل التجاري الصيني–الإفريقي نحو 282 مليار دولار عام 2023، وغدت الصين أكبر دائنٍ ثنائي للقارة بقروضٍ تجاوزت 182 مليار دولار بين عامي 2000 و2023، وهو ما يمنحها نفوذًا في صناعة القرار وُظِّف أحيانًا أداةَ ضغطٍ دبلوماسي، كدفع برلمانيين في مالاوي وغامبيا للانسحاب من تكتّلٍ معادٍ لمبدأ «الاتجاه شرقًا»، بل وإنشاءِ مدارس للتدريب الأيديولوجي على نمط مدرسة الحزب الشيوعي المركزية — كمدرسة «جوليوس نيريري» في تنزانيا ومدرسة «تشيتيبو» في زيمبابوي — وربطِ الحزب الشيوعي بأكثر من مئة حزبٍ في إحدى وخمسين دولة إفريقية ! وهذا بدوره لا يلغي مبدأ «الوكالة»؛ إلا أن كثيرًا من الدول توظّف التنافسَ الصيني–الغربي لانتزاع شروطٍ أفضل، باعتبار أنّ تعدّد الأقطاب وسيلةٌ لا غاية .
ولم تكن قمّةُ منتدى التعاون الصيني–الإفريقي (فوكاك) التي استضافتها بكين في أيلول/سبتمبر 2024 إلّا تتويجًا لهذا الصعود؛ فقد جمعت أكثر من خمسين زعيمًا إفريقيًّا، وتعهّدت فيها الصينُ بنحو 51 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، وأطلقت عشرَ مبادرات شراكة للتحديث، ورفعت توصيفَ العلاقة إلى «مجتمع مصير مشترك في كلّ الأحوال»، ووقّعت أو طوّرت شراكاتٍ استراتيجية مع ثلاثين دولة . والدلالةُ العملية لهذا الحشد أنّ بكين تقدّم لإفريقيا، في لحظة انسحاب الغرب، بديلًا تنمويًّا متكامل الأركان يَصعب على دول الساحل تجاهلُه، وفي الوقت نفسه يمنحها هامشَ مناورةٍ تُوازِن به نفوذَ الاستعمار الغربي المقنّع.
2.4 روسيا و«دبلوماسية الكلاشنكوف»
تتمحور الوثائق الاستراتيجية الروسية عن إفريقيا حول عدة أهدافٍ متّسقة: تثبيت الاستقرار في الشمال الإفريقي الرابط بين الشرق الأوسط وأوروبا، والوصول إلى مواقع بنيةٍ تحتية تؤثّر في الحدود الجنوبية للناتو، وتقويض هيمنة النظام الغربي وإضعاف حلفائه، وتقديم روسيا بوصفها شريكًا «عادلًا ومسؤولًا»، وتأمين حصص الشركات الروسية في الطاقة (بما فيها النووية) والمعادن والبنية الحيوية .
وتدعم موسكو ذلك بقوّةٍ ناعمة من خلال: نحو 35 ألف طالبٍ إفريقي في جامعاتها، وآلاف المنح الإضافية ، ومشاريع تعليمية في 28 دولة ، ومنصات إعلامية مشتركة ، غير أنّ الأداة الأمضى تبقى أمنيةً عسكرية؛ ففي حين يُطلَق على النهج الروسي «دبلوماسية الكلاشنكوف»، التي تجمع بين بيع المعدّات وإرسال المستشارين وتوظيف شركات الأمن الخاصّة (نموذج فاغنر) مقابل الوصول إلى الموارد. ما بلغ بروسيا أن تستحوذ على نحو 39٪ من صادرات السلاح الدولية إلى إفريقيا، فيما يأتي نحو 90٪ من سلاح الجيش التشادي منها . وقد نجحت موسكو في استثمار الشعور المعادي لفرنسا، فبعد مالي ارتفعت أصواتٌ في بوركينا فاسو والنيجر تدعو إلى التدخّل الروسي . أمّا مجموعة «فاغنر» فبات بإمكانها — نظريًّا — السيطرة على شريطٍ برّي متّصل من السودان شرقًا إلى موريتانيا غربًا، أي على امتداد الساحل من البحر الأحمر إلى الأطلسي، ما جعل موسكو تؤكد أنها لن تُقلّص وجودها في القارة حتى بعد تمرّد فاغنر في حزيران/يونيو 2023.
2.5 الجزائر — الفاعل الإقليمي الأبرز
اتّسمت العلاقات الفرنسية–الجزائرية بصعودٍ وهبوط بلا أفقٍ مستقر، تثقلها ملفّاتٌ عالقة وفي مقدّمتها ملفّ الماضي الاستعماري، وفي نفس سياق التخبط الفرنسي تفجّرت أزمةٌ حادّة بين البلدين عام 2021 إثر تصريحاتٍ صادمة للرئيس ماكرون عن «النظام السياسي–العسكري الجزائري» وعن «إنكار وجود أمّة جزائرية قبل الاستعمار»، تبعها سحبُ السفير وتجدّدُ المطالب الجزائرية بالاعتذار الرسمي وتسليم الأرشيف وتعويض ضحايا التجارب النووية ، فضلًا عن مبادرات جزائرية رسمية لتجريم الاستعمار وتحويل لغة التعليم العالي في البلاد نحو الإنكليزية .
وفي خضمّ ذلك، تبنّت الجزائر موقفًا مزدوجًا من تغير النظام في النيجر: إدانةٌ معلَنة متماهية مع «إيكواس»، وتأييدٌ ضمني للتغيير، ذلك ما دام الرئيس المُطاح به كان أقربَ إلى محور باريس منه إلى مصالح الجوار؛ فالنيجر تمثّل ممرًّا حيويًّا للجزائر نحو قلب إفريقيا ولمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، ذلك المشروع الذي يبلغ طوله نحو أربعة آلاف كيلومتر وتكلفته نحو 13 مليار دولار، ويُتوقَّع أن ينقل حتى 30 مليار متر مكعّب من الغاز سنويًّا من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر فأوروبا، ووُقِّع اتفاقُه الثلاثي في تموز/يوليو 2022. وتتعزّز هذه المصالح باكتشافات شركة «سوناطراك» النفطية في شمال النيجر منذ 2018، ولا سيّما حقل «كفرا» الذي تُقدَّر احتياطاته بنحو 400 مليون برميل. كما أنّ أيّ تدخّلٍ عسكري في النيجر يهدّد الجزائر بموجاتٍ جديدة من الهجرة غير النظامية، وبتمدّدٍ للجماعات المسلّحة في المثلّث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ ولهذا تتبنّى الجزائر مقاربةً رافضة للتدخّل العسكري حفاظًا على مصالحها وأمنها الإقليمي.
2.6 فاعلون آخرون — تركيا وإيطاليا و«إسرائيل» و«البريكست»
تُعدّ إفريقيا في المنظار التركي منجمًا اقتصاديًّا وسوقًا صاعدة وميدانًا للتنافس مع باريس؛ لذلك، عمدت إلى تعزيز حضورها عبر الدبلوماسية والمنظمات الإنسانية والمنح التعليمية وبناء المساجد والمدارس، واستثمار «المشتركات الحضارية»، ثم تحوّلت عبر دوريْها في الصومال وليبيا إلى فاعلٍ قادرٍ على تعديل المسارات وفرض الأمر الواقع، أمّا إيطاليا فتدفع بـ«خطة ماتي» (Mattei) القائمة على شراكاتٍ في الطاقة بمقارباتٍ تعاونية لا «عدوانية».
إلا أن التغيير الأهم هو ما حذّر من الباحث «الإسرائيلي» أشير فريدمان من أنّ انقلاب النيجر — وما قد يتبعه من انقلابات — يهدّد بتعزيز محور «روسيا–الصين–إيران» وتراجع النفوذ الغربي ، وبعودة مساعي تل أبيب لإقامة موطئ قدمٍ في القارة إلى نقطة الصفر، هذا علمًا أنّ النيجر لا تربطها علاقاتٌ رسمية بـ «إسرائيل» ، فيما أمضى أدوات الاختراق الإسرائيلي لدول الساحل الناشئة في شركات الأمن والمراقبة السيبرانية — مثل Elbit وIsrael Aerospace Industries وNSO Group وVerint — التي تَعرض على الأنظمة الانقلابية تقنياتٍ للتجسّس والمراقبة لضمان عدم تسلسل الانقلابات فتربطها بتل أبيب بخيوطٍ أمنية يصعب فكّها .
الفصل الثالث: الأزمات البنيوية في الساحل
3.1 الارتهان لتوازنات القوى و«تضخيم التهديد»
مارست القوى الغربية ذريعتَها المفضّلة للتدخّل وهي «تضخيم التهديد الإرهابي» ، لإيجاد المسوّغ لتثبيت مناطق النفوذ ضدّ القوى الدولية المنافسة والقوى الشعبية المحلية معًا، بهدف الاستيلاء على الثروات والتمركز في الممرّ الرابط بين الأطلسي والبحر الأحمر . ومن أمثلة ذلك: المبادرة الأميركية «بان الساحل» 2002، ومبادرة «مكافحة الإرهاب عبر الصحراء» 2005، والتدخّل الفرنسي في مالي 2013 وفي أفريقيا الوسطى 2014، وإعلان خطط مستقبلية لنقل قيادة «أفريكوم» إلى داخل القارة. وجميعها مشاريع استهدفت تثبيت النفوذ وتأمين الطاقة، بما ينال من قدرة أيّ نظامٍ على تحقيق أدنى مقوّمات الدولة من استقرارٍ وتنميةٍ وحكمِ مؤسسات .
3.2 هشاشة البنية السياسية واختلال الموازين الداخلية
يرجع الباحث التشادي محمد يوسف الحسن تناميَ ظاهرة الانقلابات إلى تضافر الأبعاد الاقتصادية وهشاشة المؤسسات السياسية، إلا أن العامل الأهم هو تنامي الشعور الوطني المناهض للهيمنة القديمة، مع ارتباطها بتغيّر خريطة النفوذ الدولي؛ فمعظم الدول التي شهدت انقلابات كانت تخضع للهيمنة الفرنسية ، في الوقت نفسه، ومن منظور الاستعمار الجديد، تُفسّر هذه الانقلابات كأحد نتائج الضعفَ المزمن للدول الإفريقية واعتمادَها العملات الاستعمارية كالفرنك الفرنسي-الإفريقي (فرنك سيفا)، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان صياغة استراتيجيات التحرّر والتنمية .
وقد كوّنت السياسةُ الاستعمارية مواطنًا إفريقيًّا ممزّقًا بين انتماءاته العِرقية والدينية والوطنية ، وذلك بفعل الإخلال المتعمَّد بين الحدود العِرقية وحدود الدولة ما أنتج صراعاتٍ كامنة كان البدو والرحّل لاعبيها الأساسيين، كما في حالة الطوارق في مالي والنيجر . فالعِرقية انقسامٌ سياسي بارز في نحو 44 دولة إفريقية، وكانت سمةً حاضرة في معظم الدول التي شهدت انقلاباتٍ حديثة، ويتركّز اهتمام الحكّام على موازين القوى بين نخب العاصمة أكثر من التنمية الوطنية الشاملة، فتبقى الفجوة بين الحاكم والمحكوم شاسعة، فتكوُن ردات الفعل عند الأزمات حمايةَ النظام لا إصلاحه .
3.3 الأزمة البيئية والمناخية والديموغرافية
تواجه مجتمعات الساحل منظومةً مترابطة من التحدّيات تجعلها من أكثر دول العالم هشاشةً؛ إذ تقبع النيجر وتشاد ومالي في ذيل دليل التنمية البشرية؛ فحيث أغلب السكان يعتمدون على الزراعة والرعي شديدَي الحساسية للصدمات المناخية، ما جعل انخفاض المتوسط السنوي لهطول الأمطار بحدّةٍ منذ السبعينيات، وتقلّص بحيرة تشاد والأراضي الرطبة المرتبطة بها بنسبة 95٪ في نصف قرن يضيف بُعدًا للتدهورُ البيئي وتغيّرُ المناخ يلقي بظلال ثقيلة جديدة من الضعف إلى بيئةٍ اقتصادية هشّة أصلًا.
ويضاعف التوسّعُ السكاني السريع هذه الآثار؛ إذ تتراوح معدّلات النموّ بين 2.9٪ و3.9٪ سنويًّا، في الوقت الذي يقلّ نحو نصف السكان فيه عن خمسة عشر عامًا. ونتيجةً لذلك يتنافس عددٌ متزايد على مخزونٍ متناقص من الأرض الخصبة والماء، فيتمدّد الرعاة جنوبًا ويتعدّى المزارعون على مناطق الرعي، فتغدو سبلُ العيش التقليدية أقلّ قابليةً للحياة، ويواجه الشباب البطالةَ وانخفاض الدخل. وهنا بالضبط تنشأ التربةُ الخصبة لجاذبية خطاب الجماعات المسلّحة والتجنيد في صفوفها، لا لأسبابٍ عقائدية محضة، بل لأنها توفّر دخلًا وحمايةً في غياب الدولة.
ولم تَعُد هذه المخاطرُ تقديراتٍ مستقبلية، بل واقعًا تنطق به أرقامُ عام 2024: فحوضُ بحيرة تشاد وحده يضمّ نحو 2.9 مليون نازحٍ داخلي، منهم 2.3 مليون في نيجيريا، فيما يتجاوز عددُ المهجَّرين في عموم الساحل سبعةَ ملايين ونصف المليون، ويواجه نحو خمسة ملايين خطرَ انعدام الأمن الغذائي، وسُجِّلت مئاتُ آلاف الإصابات بسوء التغذية الحادّ. والأدهى أنّ منسوبَ الحرارة في الإقليم يرتفع بوتيرةٍ تعادل مرّةً ونصفًا المتوسطَ العالمي، فيما دمّرت فيضاناتُ آب/أغسطس 2024 مئاتِ آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية ونفقت فيها آلافُ رؤوس الماشية، في إقليمٍ يعتمد ما بين 60٪ و80٪ من سكانه على الزراعة والرعي والصيد، فتضافر المناخُ والعنفُ والفقر في حلقةٍ جهنّمية يُغذّي بعضُها بعضًا .
3.4 الأنشطة غير المشروعة وإشكالية الإرهاب
يشهد الساحل رواجًا كبيرًا للأنشطة غير المشروعة، وفي مقدّمتها تجارة السلاح التي تضاعفت بعد انهيار نظام القذافي في ليبيا وعودة الطوارق المسلَّحين الذين استولوا على مخزونٍ وازن من الأسلحة الليبية — كما يوثّق الباحث الطوارقي مانو دياك في كتابه «معاناة الطوارق» . ويضاف إلى ذلك تهريبُ الحشيش من المغرب والكوكايين من أميركا اللاتينية، والاختطافُ للفدية، وتهريبُ السلع لتجاوز الجمارك. وتتشابك هذه الاقتصادات السوداء مع الجماعات المسلّحة والميليشيات المحلية في حلقةٍ يغذّي بعضُها بعضًا، وتُفاقم عجزَ الدولة عن بسط سيادتها على ترابها.
تنشط في غرب إفريقيا خمسُ جماعاتٍ مسلّحة رئيسة: «بوكو حرام» (نيجيريا، 2002)؛ و«الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا» المنشقّة عنها عام 2016؛ و «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية للقاعدة بقيادة إياد أغ غالي (2017)؛ و«تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»؛ و «تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى» الناشط في المثلّث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهو الذي عجزت فرنسا عن القضاء عليه طوال تسع سنواتٍ رغم أقمارها الصناعية. وقد باتت منطقة الساحل حقلًا خصبًا لنشاط هذه التنظيمات منذ عقدين . وتعود الأسبابُ العميقة لهذا العنف إلى جملةٍ متشابكة من الحيثيات، منها: نزاعاتٍ على الأرض الزراعية والمراعي بين الرعاة والمزارعين، ونزاعاتٍ على الزعامة السياسية، وأخرى دينية بين أغلبيةٍ وأقلية، وثالثة مع جماعات العنف التي تملي قوانينها في غياب الدولة وتوفّر رواتب للشباب العاطل، فضلًا عن تَسلّح الميليشيات المحلية للدفاع عن القرى نيابةً عن دولةٍ عاجزة ، ومن ثَمّ فإنّ اختزال هذه الظاهرة المركّبة في «إرهابٍ» عابرٍ للحدود إنما يخدم سرديةً تُسوِّغ الوجود العسكري الأجنبي وتطمس جذورَها الاجتماعية والاقتصادية والسيادية التي في مجملها تعود للهيمنة والاستكبار.
وتؤكّد المؤشّرات الحديثة هذا التشخيص؛ فقد صنّف «مؤشّر الإرهاب العالمي 2025» (الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام) ستَّ دولٍ إفريقية ضمن الأكثر تضرّرًا في العالم، وسجّل وقوعَ نحو 51٪ من وفيات الإرهاب عالميًّا في منطقة الساحل وحدها، متصدّرةً بوركينا فاسو القائمةَ عالميًّا بأكثر من 1500 قتيل. والأهمّ أنّ المؤشّر يردّ تفشّي الظاهرة إلى أسبابٍ بنيوية تتطابق مع تحليل هذه الدراسة: الفقرُ وهشاشة التنمية، والانقسامُ القبلي والعِرقي، وضعفُ التعليم الذي يترك أجيالًا بلا مناعةٍ فكرية، والانقلاباتُ، وعواملُ المناخ — وهي قراءةٌ طبقية–مناخية رصينة تتبنّاها أيضًا دراساتٌ نقدية معاصرة .
ويزداد المشهدُ تعقيدًا حين نتأمّل اقتصادَ هذه الجماعات؛ فدراسةُ تمويل «بوكو حرام» — أخطرِ جماعات غرب إفريقيا — تكشف اعتمادَها الأساسي على موارد داخلية: رسوم العضوية، والسطو على المصارف، ونهب الممتلكات، وفديات الرهائن، وتهريب المخدّرات، إضافةً إلى تمويلٍ خارجي من جهاتٍ ومنظمات. وهو ما يحوّل «الإرهاب» إلى اقتصادٍ حربي ذاتيّ التمويل لا مجرّد عقيدةٍ عابرة، ويؤكّد أنّ معالجته بالحلّ العسكري وحده — بمعزلٍ عن تجفيف منابعه الاقتصادية والاجتماعية — محكومةٌ بالإخفاق .
ولا يكتمل الفهمُ دون سؤال: مَن المستفيد؟ فاستمرارُ التهديد يُذكي تنافسًا دوليًّا عبر بوّابة السلاح؛ إذ بلغت الصادراتُ العسكرية الفرنسية لإفريقيا نحو 27 مليار يورو عام 2022، ثم تقدّمت روسيا بصفقاتٍ تتجاوز 4.5 مليارات دولار تمثّل إفريقيا فيها أكثر من 30٪ من صادرات سلاحها، تلتها الصين في المرتبة الثانية وتركيا بطائراتها المسيّرة. كما يستفيد تجّارُ السلاح والمخدّرات، حتى قُدِّر أنّ نحو 35 مليون قطعة سلاح من أصل مئة مليون منتشرة في القارة تتركّز في الساحل وحده، فتغدو «الفوضى الأمنية» تجارةً رابحة لأطرافٍ عديدة .
3.5 الديون الاستعمارية والتحوّل إلى «دولة فاشلة»
تتكامل العواملُ السابقة لتدفع كثيرًا من دول الإقليم نحو تصنيف «الدولة الفاشلة»؛ فبثروتها الزراعية والنفطية والتعدينية وموقعها الاستراتيجي، يبقى وضعُها السياسي هشًّا بما يُسهّل على الخارج تجاوزَ الدولة والتحالفَ مع مكوّناتٍ داخلية وتحويلَها إلى وكلاء. وتبعًا لتعريف زارتمان لـ«الدولة المنهارة» بأنها تفكّكُ السلطة الشرعية واستعادتُها ، فإن مسارٌ تغذّيه الديونُ الاستعمارية وتكبيل دول الساحل بأدواتِ التبعية المالية تضع هذه الدول في دائرة جهنمية من الانهيار الدائم.
إلا أن هذه الدراسة تذهب إلى أنّ خلف هذا الفراغ فرصةً تاريخية لإعادة بناء النظام الإقليمي على أساس مصالح شعوب المنطقة لا توازنات القوى الدولية — وهو ما يمهّد لقراءة الانقلابات الأخيرة وأطروحة التحرّر في الفصول التالية.
3.6 انقلابات الموجة الأخيرة — قصورٌ أم إرهاصاتُ تحرّر؟
اجتاحت موجةٌ من الانقلابات تسع دولٍ إفريقية في السنوات الثلاث الأخيرة، تركّزت في حزام وسط وغرب القارة وبتركيزٍ أكبر على المستعمرات الفرنسية السابقة: السودان وتشاد وغينيا وبوركينا فاسو ومالي والنيجر والغابون. وقد شكّل صعودُ هذه الأنظمة العسكرية المناوئة لفرنسا سلسلةَ «صفعاتٍ متتالية للمصالح الفرنسية»، وأثار قلقًا عميقًا في باريس من تنامي الأصوات الرافضة لوجودها والداعية إلى شراكاتٍ متوازنة تُخرج القارة من التبعية ، غير أنّ قراءة هذه الموجة تستوجب تمييزًا منهجيًّا دقيقًا، فليست الانقلابات صنفًا واحدًا.
القاسم المشترك بين هذه الانقلابات أنها وقعت في بلدانٍ خضعت للاستعمار الفرنسي وما تزال مواردها تُنهب من باريس، لكنّ الجمع بينها في سلّةٍ واحدة سرديةٌ غربية تخلط عمدًا بين نوعين متباينين: «انقلابات القصور» التي تستبدل نخبةً أو أسرةً حاكمة تابعة بأخرى مع إبقاء آليات تركيز الثروة على حالها، و«انقلاباتٍ» قد تتحوّل إلى ثوراتٍ تُحدث تغييرًا جوهريًّا في بنية الاقتصاد ونمط توزيع الثروة ودرجة الاستقلال الوطني وإعادة صياغة العلاقة مع المركز الرأسمالي؛ فبعض انقلابات الموجة الأخيرة (2020–2023) هو بالفعل انقلابُ جنرالاتٍ غارقين في الفساد ومتعطّشين لحصّةٍ أكبر من السلطة والثروة، لن يُحدث تغييرًا في العلاقات الطبقية ولن يجلب تصنيعًا ولا اكتفاءً غذائيًّا، وسيبقي على آليات التبعية، تمامًا كانقلاب موييس تشومبي على "بطل استقلال الكونغو" باتريس لومومبا.
غير أنّ بين هذه الانقلابات نمطًا غير تقليدي يمكن للمحلّل المستقلّ — غير الخاضع للسردية الغربية ولا للسردية الصينية–الروسية المنافِسة — أن يشمّ فيه «رائحة الستينات ولمحةً من عصر حركة التحرّر الوطني الإفريقي»، بقدرٍ من التحوّط، ويمكن أن يستدلّ على ذلك بمؤشّراتٍ تطمسها سرديةٌ وتضخّمها أخرى:
التأييد الشعبي الواسع الذي عجزت كلُّ مهارات الإعلام الدولي عن إخفائه، إذ بلغ حدّ المظاهرات اليومية المؤيّدة لقادة الانقلاب، مصحوبةً بشعاراتٍ معادية لفرنسا خاصّةً وللغرب عامّةً، في «تنفيسٍ» عن ميراثٍ طويل من الغضب من الاستعمار القديم والجديد.
الخطاب السياسي المناهض للإمبريالية، كخطاب النقيب تراوري في القمة الإفريقية–الروسية، الذي لا يختلف كثيرًا عن خطاب سانكارا قبل أربعين عامًا ولا عن خطاب نكروما قبل ستين، وهو خطابٌ أحيا لدى المواطنين الحنينَ إلى نجاحات التوزيع والاكتفاء الذاتي والتحرّر من التبعية للغرب ولصندوق النقد الدولي.
شبابُ القادة وتعليمهم الجيّد، بما يعنيه ذلك من ميلٍ إلى التغيير الجذري — على عكس انقلابات الجنرالات المسنّين المحافِظة — إذ منح التعليمُ هذا الجيلَ أدوات الفهم النقدي لآليات السيطرة الأوروبية وشعورًا عاليًا بالندّية جرح بالفعل كبرياء التعالي الغربي.
بوادر تضامنٍ إقليمي معادٍ للهيمنة وساعٍ للاستقلال، تجلّى حين اعترضت مالي وبوركينا فاسو على أيّ تدخّلٍ عسكري ضدّ نيامي واعتبرتاه حربًا عليهما، بدعمٍ من غينيا وأفريقيا الوسطى، في إحياءٍ لمشروع نكروما في الستينيات ومشروع سانكارا/رولينغز في الثمانينيات.
إدراكُ اللحظة التاريخية الراهنة لدى بعض القادة الجدد، وهي لحظةُ انتقالٍ من القطب الواحد إلى تعدّد الأقطاب تقودها الصين وروسيا وإيران، بدليل الثقة التي يتحرّكون بها نحو موسكو وبكين وطهران دون حساسيةٍ أو خوف.
ولعلّ في التشابه العُمري بين قادة اليوم وآباء التحرّر مغزًى لافتًا؛ فكما قاد نكروما (43 عامًا) ولومومبا (35) وسيكوتوري (36) جيلَهم، يقود النقيب إبراهيم تراوري بلادَه وهو دون الرابعة والثلاثين. وهذا لا يعني الجزمَ بأنّ هذه الانقلابات تحرّريةٌ بالضرورة، فالمصالح الفرنسية المتجذّرة لن تقبل الهزيمة بسلاسة، وقد تدعم انقلاباتٍ مضادّة؛ لكنّه يعني أنّ بابَ التحوّل مفتوحٌ، وأنّ الخارطة الجيوسياسية الجديدة ما تزال في طور المخاض.
الفصل الرابع: أطروحة «حِزام التحرّر»
تنتقل الدراسة هنا من التشخيص إلى التأسيس؛ فإذا كان الفراغ الذي يخلّفه تراجعُ الهيمنة الغربية فرصةً تاريخية، فإنّ «حزام التحرّر» هو الإطار النظري الذي تقترحه هذه الدراسة لتحويل تلك الفرصة إلى مشروعٍ إقليمي متكامل، يقوم على العمق التاريخي والقابليات الذاتية والعوامل الدولية المساعدة، وصولًا إلى بنيةٍ دفاعية واقتصادية لما بعد التحرّر.
4.1 العمق التاريخي للتحرّر الإفريقي وقواه الداخلية
لا تنبت أطروحةُ التحرّر من فراغ، بل تستند إلى عمقٍ تاريخي راسخ في غرب إفريقيا؛ فقد عجّل الاحتكاكُ بالاستعمار وبالحربين العالميتين في تطوّر الوعي السياسي والثقافي لدى الأفارقة، خاصّةً النخب التي تفتّحت عيونُها على حقيقة الاستعمار، كما اكتسبت "شعوبُ المستعمرات" خبرةً عسكرية من مشاركتها في الحروب الأوروبية وُظّفت لاحقًا في تفجير ثورات الاستقلال وزوال عُقدة الخوف من «الرجل الأبيض». وهكذا كانت الحرب العالمية الثانية — بانهيار النظام الاستعماري وتراجع مكانته الدولية — لحظةً مهيّأة لانتشار المدّ والخطاب التحرّري، وما خطابُ تراوري اليوم إلّا حلقةٌ في سلسلةٍ تمتدّ من نكروما وسيكوتوري إلى سانكارا، تطمح إلى إعادة بناء المستقبل على خارطةٍ جيوسياسية جديدة.
يستند مشروع التحرّر إلى قوًى محرّكة داخلية متنوّعة: شخصياتٌ كاريزمية من جيل الضباط الشباب، وأحزابٌ وحركاتٌ مدنية، وبِنًى قبلية ذات ثقلٍ ديموغرافي وسياسي كقومية الهوسا الممتدّة عبر الحدود. ومن أبرز تجلّيات هذه القوى المدنية «حركة م62» (m62) في النيجر، وهي ائتلافٌ من خمس عشرة منظمة مجتمع مدني أُطلق في 3 آب/أغسطس 2022 في الذكرى الثانية والستين للاستقلال، رفع شعار «الكرامة» (موتونتشي–بورتشينتاري) بلغتي الهوسا والزرما . بدأت الحركة بالتحريض ضدّ غلاء الوقود وتكاليف المعيشة، وعارضت سياسات الرئيس بازوم ولا سيّما التعاون مع القوات الفرنسية، وبعد الإطاحة به تكثّفت دعواتُها لمغادرة القوات الفرنسية، والتفّت حولها مجموعاتٌ مدنية أخرى نظّمت مسيراتٍ وطنية حاشدة، وتجسّد هذه الحركة كيف يمكن للقوى المدنية أن تتحوّل إلى حاضنةٍ شعبية لمشروع السيادة الوطنية.
وتمتلك مجتمعات الساحل جملةً من «القابليات» التي تجعلها تربةً صالحة لمشروع التحرّر، يمكن تصنيفها في خمسة أبعاد متكاملة:
القابلية الثقافية والدينية: فالإسلام يشكّل نسيجًا جامعًا لغالبية سكان الإقليم بنسبٍ تتجاوز التسعين في المئة في بلدانٍ كالنيجر، ويوفّر إطارًا قيميًّا ورمزيًّا للتعبئة ضدّ الهيمنة الأجنبية ولاستعادة الكرامة. وقد سبق أن تجلّت قوّة هذا التيار في مطالباتٍ شعبية بترسيخ مكانة الدين في الدستور، كما تجلّت في مقاومةٍ للمساعي الأجنبية لاختراق بنية المجتمع عبر منظماتٍ NGO ذات أهدافٍ خاصّة. ويتجسّد هذا النسيج عمليًّا في الطرق الصوفية الكبرى — وفي مقدّمتها التيجانية العابرة للحدود، والقادرية، والمريدية في السنغال، والحمّالية ذات الإرث المقاوم للاستعمار في مالي — بوصفها شبكاتٍ اجتماعية–دينية منظَّمة وحاضنةً للتعبئة الشعبية، على ما يفصّله الفصل الثامن.
القابلية الحقوقية والنفسية: إذ تراكم لدى هذه الشعوب شعورٌ عميق بالمظلومية التاريخية من العبودية إلى النهب المنظّم، تحوّل إلى وعيٍ بالحقّ في السيادة على الثروة والقرار، وإلى ثقةٍ بالنفس وندّيةٍ كسرت عقدة الخوف الموروثة.
القابلية العملانية: المتمثّلة في وجود مؤسّساتٍ عسكرية قادرة على الفعل، وقوًى مدنية منظَّمة، وخبرةٍ ميدانية متراكمة في إدارة المواجهة مع القوى الخارجية ووكلائها الداخليين.
بيد أنّ توظيف هذه القابليات يستلزم وعيًا بحدودها؛ فمهما يكن العمقُ العقائدي لدى المنتسبين إلى الجيش، يبقى الجيشُ مؤسسةً مقتدرة على إعادة هندسة أفكار منتسبيها وترشيح الترقيات بناءً على الولاء المطلق لها، وحاضرٌ في التاريخ القريب تجاربُ ابتلاع الجيوش لتنظيماتٍ عقائدية، كانقلاب العسكريين السودانيين على قيادة الحركة الإسلامية التي صدّرتهم وصولًا إلى سجن زعيمها حسن الترابي، ولذلك، فإنّ رهان التحرّر على المؤسسة العسكرية وحدها رهانٌ ناقص ما لم تُسنده حاضنةٌ مدنية وبنيةٌ مؤسسية تضبط مساره.
4.2 العوامل الدولية المساعدة
تتضافر مع القابليات الذاتية عواملُ دولية مساعِدة، أبرزها بنيةُ التعدّدية القطبية التي توفّر لدول الإقليم هامشَ مناورةٍ وبدائل للشراكة بعيدًا عن المشروطية الغربية، وتدفّقُ الاستثمارات الباحثة عن موطئ قدمٍ في القارة الصاعدة، ويعبّر عن هذه اللحظة قولُ الإمام علي الخامنئي في أيلول/سبتمبر 2023 من أنّ شعوب البلدان التي كانت تحت النفوذ الفرنسي «تنتفض ضدّ فرنسا واحدةً تلو أخرى وتطيح بالحكومات العميلة... بسواعد الناس»، وأنّ القوى الغربية «تتّجه نحو الضعف يومًا بعد يوم» في «تحوّلٍ عالمي كبير» .
يتطلّب مشروع التحرّر وعيًا بالمحاور الجغرافية التي تتقاطع عندها المصالح الدولية، من حيث أنها تمثّل مواطنُ القوة والضعف معًا، وأوّلها المحور الطاقوي–الأنبوبي الممتدّ من دلتا النيجر عبر النيجر إلى الجزائر فالمتوسط، إذ يجعل أمنَ هذا الخطّ مصلحةً أوروبية تدفع نحو التدخّل أو الاستقرار بحسب الظروف. وثانيها المحور اللوجستي الرابط بين الأطلسي والبحر الأحمر، الذي يتنازعه المشروعان الأميركي والروسي. وثالثها مناطقُ الاستغلال المعدني المشترك في الصحراء، حيث تتداخل سيادةُ الدول بأطماع الشركات العابرة للقارات.
والدرسُ المستفاد من مناطق الاستغلال المشترك في العالم — كالقطب الشمالي حيث تتنافس الدول على موارد المحيط المتجمّد — أنّ غياب إطارٍ سيادي إقليمي جامع يترك البابَ مفتوحًا أمام القوى الكبرى لفرض قواعدها. فالولايات المتحدة، منذ انهيار القطب السوفياتي، نصّبت نفسها سلطةً تشريعية للعالم تتجاوز الإقليم القانوني لتشريعها، عبر قوانينَ تتدخّل في شؤون الدول وتصنّف بعضها وتُعاقب أخرى. ومن ثَمّ فإنّ على حزام التحرّر أن يبلور موقفًا جماعيًّا موحّدًا من قضية استغلال الموارد في مناطق التداخل، يحفظ سيادةَ دوله ويمنع تحويلَها إلى ساحةٍ مفتوحة للصراع الدولي .
4.3 تشكيل البنية الداخلية للتحرّر
لا يكتمل مشروع التحرّر بإسقاط التبعية الخارجية وحدها، بل يستلزم بناءَ بنيةٍ داخلية صلبة تحول دون ارتداد الإقليم إلى «انقلابات القصور» أو إلى فراغٍ تملؤه قوًى جديدة، وتقوم هذه البنية على أربع ركائز متكاملة:
الركيزة الأولى مؤسسية–سيادية: إعادةُ بناء الدولة الوطنية على أساس عقدٍ اجتماعي يتجاوز «الدولة المستوردة» و«الأبوية الجديدة»، عبر ترسيخ "السياد الشعبية الدينية" وقيام النخب والجماعات المسلمة لله وتشكيل مجالس عليا للثورة الثقافية وتبني نموذج الاقتصاد المقاوم.
والركيزة الثانية اقتصادية–سيادية: استعادةُ التحكّم في الموارد الطبيعية وتأميمها وإلغاء عقود استغلالها المُجحفة، والتحرّر الفوري من العملة الاستعمارية (الفرنك الإفريقي) وأدوات التبعية المالية.
والركيزة الثالثة شعبية–مدنية: ترسيخُ حاضنةٍ إسلامية منظَّمة تضبط المسار العسكري وتمنحه شرعيةً وعمقًا، وتحول دون انفراد المؤسسة العسكرية بالقرار.
والركيزة الرابعة معرفية–إعلامية: بناءُ خطابٍ تحرّري مستقلّ عن السرديتين الغربية والشرقية معًا، يخاطب الداخل بلغاته المحلية والفرنسية، ويعيد إنتاج الوعي الإسلامي بالاستفادة من الأدوات التي بشّرت بها ثورةُ المعلومات.
وبتضافر هذه الركائز الأربع تتحوّل لحظةُ الانقلاب العابرة إلى مشروعٍ تحرّري قابلٍ للاستدامة.
يستند حزام التحرّر إلى عناصر مشتركة تجمع دولَه — وحدةُ المجال الجغرافي، وتشابهُ التركيب الإثني والديني، ووحدةُ التحدّي الاستعماري والتنموي — وإلى قدراتٍ اقتصادية كامنة قابلة للتكامل مثل تنامي حضور فاعلين جدد في اقتصاد الإقليم؛ فقد تضاعف حجمُ التبادل التجاري بين إيران ودول إفريقيا في العقدين الأخيرين ، كما تسيطر الجاليات اللبنانية على مفاصل مهمّة من اقتصاد غرب إفريقيا، إذ يُقدَّر نفوذها بنحو 60٪ من قطاعات الاقتصاد في كوت ديفوار وحصّةٍ وازنة من تجارة الذهب والماس وهذه الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود يمكن أن تشكّل، إذا أُحسِن توجيهها، رافعةً لتكاملٍ إقليمي مستقلّ.
وتتيح التعدّديةُ القطبية لدول الإقليم تنويعَ شركائها بما يعزّز قدراتها؛ وقد قدّمت القمةُ الروسية–الإفريقية الثانية (2023) نموذجًا لذلك، إذ عرضت موسكو توريدَ الحبوب مجّانًا إلى عددٍ من الدول، ودعمًا تكنولوجيًّا لقطاع الطاقة، وإلغاءَ ديونٍ بلغ مجموعُها نحو 23 مليار دولار ، وتبرّعًا بمئات آلاف الأطنان من الأسمدة، فضلًا عن مساعٍ مشتركة لتخفيف هيمنة الدولار عبر ربط المؤسسات المالية الإفريقية بنظام التحويلات الروسي والتسوية بالعملات الوطنية والعِبرة هنا ليست في الارتهان لموسكو، بل في أنّ تعدّد الخيارات يمنح الإقليم قدرةً تفاوضية لم تكن متاحة في ظلّ القطب الواحد.
ومن أبرز سمات الموجة الراهنة ظاهرةُ «العدوى السلوكية»؛ فنجاحُ تجربةٍ في بلدٍ ما يُغري جيرانه بمحاكاتها، كما انتقلت تجربةُ مالي في إنهاء الاتفاقيات الدفاعية مع فرنسا إلى بوركينا فاسو ثم النيجر، وتتعزّز هذه العدوى بوحدة الظروف البنيوية وبشبكات التواصل التي تنقل صدى النجاح بسرعة. غير أنّ هذه الديناميكية سلاحٌ ذو حدّين؛ فكما تنتشر إرادةُ التحرّر قد تنتشر معها انقلاباتُ القصور المقلِّدة لشكلها دون مضمونها، ولذلك يبقى الفيصلُ في عمق التحوّل البنيوي لا في تكرار المشهد العسكري، وهو ما يعيدنا إلى أهمية البنية الداخلية الضابطة التي سبق تفصيلها.
4.4 دروسٌ من تجارب التحرّر في أميركا اللاتينية — «فكّ الارتباط» بالإمبريالية
لا تنفرد إفريقيا بمعضلة التبعية؛ فقد سبقتها أميركا اللاتينية إلى مساءلتها نظريًّا وعمليًّا، وراكمت تجربةً ثرية يستحقّ مشروعُ حزام التحرّر أن يتعلّم منها؛ فمن رحم «نظرية التبعية» (Dependency Theory) — التي بلورها مفكّرون كرّوي ماورو ماريني وسمير أمين — ومن هنا نشأ مفهومُ «فكّ الارتباط» (Delinking): أي انتهاجُ مسارٍ تنموي لا يقوم على كون البلد طرفًا تابعًا للمركز الرأسمالي، بل يضع مصالحَ شعوب الأطراف في صميم مشروعها الوطني والإقليمي ، وقد ترجمت الموجةُ البوليفارية هذا المفهوم في مشروع «تحالف بوليفار لشعوب أميركتنا» (ALBA) المؤسَّس عام 2004 بديلًا تكامليًّا مناهضًا للإمبريالية، يقوم على التعاون والتكامل والتضامن لا على المنافسة .
ويمكن تلخيصُ الدرس اللاتيني في أربعة محاور لفكّ الارتباط تزعم هذه الدراسة أنها تتطابق مع حاجات الساحل: المحورُ المالي عبر بناء مؤسساتٍ تمويلية إقليمية (كبنك ALBA) والتخفّف من هيمنة الدولار؛ والمحورُ التجاري عبر تعاونٍ إقليمي قائم على «التكامل لا الإحلال» و«الوحدة القارية لا الاتفاقات الثنائية»؛ ومحورُ الموارد الاستراتيجية عبر تخطيطٍ سيادي لاستغلالها يحترمها ولا ينهبها؛ والمحورُ اللوجستي عبر بنيةٍ تحتية إقليمية تكسر احتكار الشركات العابرة للقارات. وجوهرُ هذه المحاور مبدأٌ واحد: أن تكون التنميةُ أوسعَ من مجرّد التصنيع، وأن يقودها الناسُ لا رأسُ المال .
غير أنّ الأمانة العلمية تقتضي استحضارَ حدود التجربة اللاتينية وإخفاقاتها أيضًا؛ فقد تعرّضت الموجةُ التقدّمية لهجمةٍ مضادّة، وفقدت بعضُ مشاريعها زخمَها حين اكتفت بإصلاحاتٍ خجولة، وأثبتت «صدمةُ فولكر» في الثمانينيات كيف يمكن لأدوات المركز المالية أن تُغرق الأطراف في أزمة ديون. والعِبرةُ لحزام التحرّر مزدوجة: أنّ فكّ الارتباط ممكنٌ، لكنّه لا يكتمل بإجراءاتٍ جزئية ولا بالارتهان لقطبٍ بديل، بل ببنيةٍ إقليمية متكاملة وحاضنةٍ شعبية تحمي المشروع من الارتداد.
4.5 تعليم اللغة العربية والكونفدرالية
إذا كان الاستقلالان السياسي والاقتصادي ركنَي التحرّر، فإنّ التحرّرَ الثقافي ركنُه الثالث، وفي القلب منه مسألةُ اللغة. فاللغةُ العربية ليست غريبةً عن الساحل، بل دخلته منذ قرونٍ عبر التجارة والإسلام على أيدي تجّار مالي وغانا وبوركينا فاسو، فصارت لسانَ العلم والدين والتدوين، وكُتبت بها اللغاتُ المحلية بالحرف العربي فيما يُعرف بـ«العَجَمي» (Ajami) ، ولأنّ الاستعمار الفرنسي أدرك أنّ اللغة بوّابةُ الهوية، شنّ عليها حربًا منهجية منذ منتصف القرن التاسع عشر: ضيّق على المدارس القرآنية والعربية، وأحلّ الفرنسيةَ لغةَ تعليمٍ ودولة، واستبدل بالحرف العربي الحرفَ اللاتيني في كتابة لغاتٍ كالهوسا والسواحيلية منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في عملية طمسٍ ممنهجة للذاكرة والانتماء .
ومن هنا يصبح تعليمُ العربية وإحياؤها أحدَ أمضى عناصر خطة التحرّر من الاستكبار العالمي، لأربعة اعتبارات متضافرة: أوّلها أنّه استعادةٌ للسيادة الثقافية في وجه الفرنكفونية ووكلائها؛ وثانيها أنّه جسرٌ يربط الساحلَ بعمقه العربي–الإسلامي وبتضامنٍ جنوبي–جنوبي يوسّع خياراته؛ وثالثها أنّه علاجٌ مباشر لمعضلة «ضعف التعليم» التي تُعدّ — بشهادة مؤشّرات الإرهاب — من أخصب منابت التطرّف، إذ تَحُول المعرفةُ الرصينة دون استلاب العقول ؛ ورابعها أنّه لغةٌ جامعة قادرة — إلى جانب اللغات الوطنية — على أن تكون قاسمًا مشتركًا يلحم النسيجَ الإثني المتشظّي للإقليم. وليس عبثًا أن تتّجه حكوماتُ الساحل الجديدة إلى تعزيز اللغات المحلية في الإعلام وتقليص حضور الفرنسية، فذلك أوّلُ الغيث في معركة اللغة والهوية .
لم تَعُد أطروحةُ «حزام التحرّر» فرضيةً نظرية محضة؛ فقد بدأت تتجسّد في «تحالف دول الساحل» (AES) الذي أنشأته مالي وبوركينا فاسو والنيجر في أيلول/سبتمبر 2023 هيئةَ دفاعٍ وأمنٍ مشترك مستوحاةً من ميثاق الناتو، قائمةً على عدم الاعتداء والمساعدة المتبادلة ردًّا على تهديد «إيكواس» بالتدخّل العسكري في النيجر. ثم تطوّر التحالفُ إلى مشروع اتحادٍ أعمق، فأعلنت الدولُ الثلاث انسحابَها من «إيكواس» في كانون الثاني/يناير 2024 وشكّلت كونفدراليةً بينها في تموز/يوليو 2024، صار انسحابُها ساريًا في كانون الثاني/يناير2025 .
واللافت أنّ هذا الكيان يستنسخ — بوعيٍ أو دونه — كثيرًا من ملامح أطروحة التحرّر: قوّةٌ عسكرية موحّدة أُعلن عنها في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ومشروعُ عملةٍ مشتركة باسم «الساحل» بديلًا عن الفرنك الإفريقي، وجوازُ سفرٍ بيومتري موحّد و«تأشيرة ليبتاكو» لتيسير التنقّل، وتوجّهٌ نحو تعميق التكامل الاقتصادي والثقافي والتربوي والإعلامي، وإعادةُ صياغة الشراكات الدولية بطرد القوات الفرنسية ثم الأميركية والانفتاح على شركاء جدد، ثم جاءت عقوباتُ «إيكواس» بنتائج عكسية! إذ فاقمت معاناةَ السكان فأجّجت الغضبَ الشعبي ووحّدت الدولَ الثلاث في مواجهتها، فبدا التكتّلُ الإقليمي المعادي للهيمنة وكأنّه يعيد إحياء مشروع نكروما التحرّري في حُلّةٍ جديدة .
ومع ذلك، يبقى الحكمُ على هذه التجربة معلَّقًا على عمق تحوّلها البنيوي لا على رمزيتها؛ فالانسحابُ من «إيكواس» — ومن منطقة الفرنك لاحقًا — يحمل تكلفةً اقتصادية باهظة على دولٍ حبيسة تعتمد على موانئ جيرانها وأسواقهم، ويستلزم بناءَ بدائلَ حقيقية لا مجرّد شعارات. وهنا تتأكّد أطروحةُ هذه الدراسة: أنّ التجسيد المؤسسي (AES) لن يصمد إلّا إذا أسنده فكُّ ارتباطٍ اقتصادي مدروس على الطريقة اللاتينية، وحاضنةٌ شعبية، وتحرّرٌ ثقافي–لغوي، ونظامُ دفاعٍ مشترك فاعل — أي إلّا إذا تحوّل من «حزام انقلابات» إلى «حزام تحرّر» بالمعنى الكامل.
الفصل الخامس: بنية ما بعد التحرّر والفاعلون
5.1 نظام الدفاع المشترك بعد التحرّر
يشكّل الدفاعُ المشترك حجرَ الزاوية في استدامة مشروع التحرّر؛ فالدولُ المتحرّرة منفردةً تبقى عرضةً للضغط والتدخّل وإعادة الاحتواء، بينما يمنحها التكاملُ الدفاعي ووحدة الساحات ردعًا جماعيًّا، ويمكن أن تقوم بنيةُ هذا النظام على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول قيادةٌ عسكرية موحّدة تنسّق العقيدة القتالية والتدريب والتسليح، وتتجاوز الاعتماد على البرامج التدريبية الأجنبية التي أثبتت التجربةُ ارتباطَها بإنتاج قياداتٍ موالية للخارج.
والمستوى الثاني منظومةُ إنذارٍ واستخبارات إقليمية مشتركة تُحصّن الإقليم ضدّ الاختراق وتُجفّف منابع التمويل والتسليح الخارجي للجماعات المسلّحة، قائمة في عمودها الفقري التقني على تكنولوجيا الدول غير الغربية.
والمستوى الثالث إطارٌ سيادي–قانوني جماعي ينظّم استغلالَ الموارد في مناطق التداخل الحدودي، ويوحّد الموقفَ التفاوضي إزاء القوى الكبرى، ويحول دون استفراد أيٍّ منها بدولةٍ على حدة.
ويستلزم هذا النظامُ تحوّلًا في وظيفة الجيش من أداةٍ لحماية النظام الحاكم — أو سلاحٍ يُوجَّه إلى الداخل — إلى مؤسسةٍ وطنية–إقليمية تحمي السيادة الجماعية، وهو ما لا يستقيم إلّا بإخضاع المؤسسة العسكرية لرقابةٍ ومرجعيةٍ شعبية دينية، تجنّبًا لتكرار تجارب انقلاب الجيش على المشروع الذي حمله.
وقد وجد هذا المبدأُ تجسيدَه الأوّل في «القوة الموحّدة» التي دشّنتها كونفدرالية الساحل في كانون الأول/ديسمبر 2025، بقوامٍ أوّلي يناهز خمسة آلاف مقاتل من الدول الثلاث تحت قيادةٍ مشتركة. ومع تواضع هذا العدد قياسًا باتّساع الجبهات، فإنّ قيمتَه رمزية وعملية معًا؛ فهو يكسر منطقَ الجيوش الوطنية المنعزلة التي تَلوذ كلٌّ منها بحدودها بينما يتحرّك خصمُها بحرّيةٍ عبرها، ويؤسّس لعقيدةٍ قتالية وبنيةِ قيادةٍ واستخبارات مشتركة تُخرج الإقليمَ من وصاية البرامج التدريبية الأجنبية. والتحدّي العملي القادم أن تتطوّر هذه النواةُ إلى منظومةٍ متكاملة من الإنذار المبكّر وتأمين الحدود وتوحيد التسليح وبناء صناعةٍ دفاعية ولو متواضعة، بما يحوّل الدفاعَ المشترك من ردّ فعلٍ آنيّ إلى مؤسسةٍ دائمة عابرةٍ للأقطار.
5.2 التحدّيات ما بعد التحرّر
في مسار ما بعد التحرّر معبّدًا ثمة تحدّياتٌ بنيوية متوقعة:
أوّلها موقفُ القوى الإقليمية الكبرى ذات النفوذ (جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا والجزائر)، التي قد تتباين مصالحُها مع مشروع الحزام، فيلزم استيعابُها وبناءُ تفاهماتٍ واختيار نموذج العلاقة معها بدقة.
وثانيها استمرارُ خطر الجماعات المسلّحة كتنظيم الدولة في الصحراء، الذي يتطلّب معالجةً مزدوجة تجمع بين الحلّ الأمني وبين تجفيف منابعه الاجتماعية والاقتصادية عبر التنمية وإعادة إدماج المهمّشين.
وثالثها خطرُ الثورة المضادّة؛ فالمصالح الفرنسية والغربية المتجذّرة لن تستسلم بسهولة، وقد تدعم انقلاباتٍ مضادّة أو تُذكي النزاعات العِرقية والحدودية لإجهاض المشروع.
ورابعها تحدّي الحوكمة الداخلية: تفادي انزلاق الأنظمة الجديدة إلى استبدادٍ جديد أو إلى محاصصةٍ عِرقية تُعيد إنتاج أزمة الدولة.
وتقتضي مواجهةُ هذه التحدّيات حلولًا متدرّجة: ترسيخَ الحاضنة الشعبية، وبناءَ تحالفاتٍ دوليةٍ متعددة الاتجاهات، وإطلاقَ مشاريع صحوة إسلامية وزرع المعنوية للتغلب على عقبات الحصار والعقوبات المحتمل.
5.3 الفوائد المشتركة لحِزام التحرّر
يقدّم التكاملُ الإقليمي عائداتٍ تنموية تتجاوز ما يمكن أن تحقّقه كلُّ دولةٍ منفردة، إذ يحوّل السوقَ المجزّأة إلى سوقٍ موحّدة، ويتيح تجميعَ الموارد وتقسيمَ العمل. ويمكن إجمال أوجه التعاون المستدام والموارد التطويرية في القطاعات الآتية:
الصيدلة والتكنولوجيا الصحية: تطويرُ صناعةٍ دوائية إقليمية ورقمنةُ نظام الرعاية الصحية، بما يقلّل الاعتماد على الاستيراد ويعزّز الأمن الصحي.
التقنية الغذائية: تطويرُ تكنولوجيا الغذاء وسلاسل التصنيع والتأهيل للتصدير، بما يكافح أزمةَ الغذاء ويحقّق درجةً من الاكتفاء الذاتي تتحرّر بها المنطقة من سلاح «الحبوب» الذي تستخدمه القوى الكبرى.
البنية التحتية للاتصالات والشبكات: لتمكين التحوّل الرقمي وتلبية حاجات الطبقة الوسطى المتنامية، وبناءِ سيادةٍ رقمية مستقلّة عن احتكارات الشركات العابرة للقارات.
التكنولوجيا المالية: توسيعُ المعاملات الرقمية والشمول المالي، وتطويرُ البورصات والأصول والعملات الرقمية، بما يدعم التحرّرَ التدريجي من هيمنة الدولار والفرنك.
الخدمات اللوجستية: استثمارُ موقع الإقليم كممرٍّ رابط بين الأطلسي والبحر الأحمر لبناء شبكات نقلٍ وموانئ ومناطق حرّة تخدم التجارة البينية بدلًا من تصدير المواد الخام فحسب.
التعدين والطاقة: الانتقالُ من تصدير المعادن والطاقة خامًا إلى تصنيعها محليًّا وإضافة القيمة، وإعادةُ التفاوض على عقود الاستغلال بما يخدم التنمية الوطنية.
وتناول هذه القطاعاتُ ليس ترفًا تنمويًّا، بل هي البنيةُ التحتية للسيادة ذاتها. فحين يملك الإقليمُ دواءَه وغذاءَه واتصالاتِه وعملتَه، يَسحب من خصومه أمضى أدوات الضغط، وهي سلاحُ الحصار. وقد أثبتت أزمةُ العقوبات التي فُرضت على النيجر بعد انقلاب 2023 أنّ نقاط الضعف القاتلة تتركّز في الدواء والوقود والاتصالات والتسليح؛ ومن ثَمّ فإنّ تأمين هذه القطاعات تحديدًا هو جوهرُ مناعة المشروع. والتكاملُ هنا ليس خيارًا اقتصاديًّا فحسب، بل ضرورةٌ استراتيجية؛ فالسوقُ الموحّدة لكونفدرالية الساحل، إن قامت على عملةٍ مسنودة إلى الموارد وصناعةٍ تحويلية محلية، تحوّل ثرواتِ الإقليم من موادَّ خامٍ تُنهب إلى قيمةٍ مضافة تُبقي ثمرةَ العمل في الداخل؛ وتلك هي الترجمةُ المادية لشعار «السيادة الكاملة» الذي ترفعه الأنظمةُ الجديدة.
5.4 خريطة الفاعلين الميدانية في إقليم حزام التحرّر
لكي لا تبقى هذه الدراسة واقفة عند المستوى النظري، يقدّم هذا الفصل طبقةً عملياتية ترسم خريطةَ الفاعلين الذين تتحرّك بينهم على الأرض أطروحةُ التحرّر، موزَّعين على أربعة حقول متشابكة: القوى المسلّحة، والقوى الدينية–الاجتماعية، والتكتلات الاقتصادية، والمجموعات الإعلامية. وهذه الخريطة معدّةٌ استنادًا إلى قواعد بياناتٍ تفصيلية رصدت بنية كلّ فاعلٍ ونفوذه، ويُقصد بها تزويد صانع القرار والباحث بمرجعٍ تطبيقي يحوّل التحليل إلى أدوات.
5.4.1 الفاعلون المسلّحون — خريطة العنف والقوة
تتقاسم دولَ الساحل خريطةٌ معقّدة من الفاعلين المسلّحين تتجاوز ثنائية «الدولة/الإرهاب»: تنظيماتٌ جهادية عابرة للحدود، وحركاتٌ إثنية–انفصالية، وميليشيات دفاعٍ ذاتي ترعاها الدولة أحيانًا، وشركاتٌ أمنية أجنبية، ومجالس عسكرية حاكمة. وفهمُ هذه الفسيفساء شرطٌ لأيّ نظام دفاعٍ مشترك فاعل .
الدولة أبرز الفاعلين المسلّحين الطبيعة والولاء
مالي نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، الدولة في الصحراء الكبرى (ISGS)، كتيبة ماسينا، تنسيقية أزواد (CMA)، دان نا أمباساغو، فاغنر/فيلق أفريقيا جهادي عابر للحدود؛ انفصالي طوارقي؛ ميليشيا إثنية؛ مرتزقة
بوركينا فاسو JNIM وISGS، أنصار الإسلام، متطوعو الدفاع عن الوطن (VDP)، كوغلويوغو، فاغنر جهادي؛ دفاع ذاتي حكومي ومجتمعي؛ مرتزقة
النيجر ISGS وJNIM، بوكو حرام (JAS)، ولاية غرب أفريقيا (ISWAP)، جماعات طوارقية، المجلس الوطني لحماية الوطن (CNSP) جهادي متعدّد؛ مجلس عسكري حاكم
نيجيريا بوكو حرام (JAS)، ISWAP، ميليشيات الفولاني، عصابات اللصوصية، IPOB/ESN، الحركة الإسلامية (الزكزكي) جهادي؛ نزاع رعوي–إثني؛ انفصالي؛ حركة شيعية
تشاد جبهة التناوب والوفاق (FACT)، اتحاد قوى المقاومة (UFR)، بوكو حرام (بحيرة تشاد)، المجلس العسكري الانتقالي (CMT) تمرّد مسلّح؛ جهادي؛ مجلس عسكري حاكم
يكشف الجدولُ أنّ «الإرهاب» ليس إلّا طبقةً واحدة في بنيةٍ أعقد، وأنّ بعض ميليشيات «الدفاع الذاتي» التي ترعاها الدول قد تتحوّل بدورها إلى مصدر عنفٍ وانتقاماتٍ قبلية، وهو ما يؤكّد أنّ الحلّ الأمني وحده عاجزٌ عن معالجة جذورٍ سياسية واجتماعية.
وحين ننقل هذه الخريطةَ من التوصيف إلى الواقع المعيش، تتكشّف مأساةُ الإقليم بالأرقام: فقد بلغت الوفياتُ المرتبطة بالجماعات المسلّحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو مستوياتٍ قياسية في النصف الأول من عام 2024، حتى صار الساحلُ المتصدّرَ عالميًّا في ضحايا العنف المسلّح، ووصلت الهجماتُ لأوّل مرّةٍ منذ نحو عقدٍ إلى أطراف العاصمة المالية باماكو . وهذه الأرقامُ تَدحض في آنٍ واحد روايتين متقابلتين: روايةَ الغرب التي تُسوّغ وجودَه بحماية هذه الدول، إذ لم يَحُل وجودُه دون الكارثة؛ وروايةَ من يَعِد بأنّ مجرّد استبدال الراعي الأمني كفيلٌ بحلّ المعضلة، إذ لم يُفلح البديلُ الروسي بدوره في كبح النزيف.
ومن هذا الواقع المرير تنبع الضرورةُ العملية التي قامت عليها أطروحةُ الدفاع المشترك. فلا مالي ولا النيجر ولا بوركينا فاسو قادرةٌ منفردةً على ضبط مثلّثٍ حدودي تتحرّك فيه التنظيماتُ بحرّيةٍ متجاوزةً الحدود الوطنية بأكملها؛ وهنا تحديدًا يكمن المعنى الاستراتيجي للقوّة الموحّدة التي دشّنتها كونفدرالية الساحل أواخر 2025: من حيث أنها ليست استعراضًا سياسيًّا، بل إقرارٌ بأنّ تهديدًا عابرًا للحدود لا يُواجَه إلّا بأمنٍ عابرٍ للحدود، تُنسَّق فيه الاستخباراتُ والعملياتُ على مستوى الإقليم لا القُطر الواحد. وتلك هي اللحظةُ التي ينتقل فيها مبدأُ «الدفاع المشترك» من فصلٍ في كتابٍ نظري إلى مؤسسةٍ قائمة على الأرض.
5.4.2 الطرق الصوفية — قوّةٌ اجتماعية سياسية حاضنةٌ للتحرّر
تمثّل الطرقُ الصوفية أكثرَ القوى الاجتماعية تنظيمًا وتجذّرًا في الساحل، وهي شبكاتٌ عابرة للحدود قادرة على التعبئة وصناعة الرأي، ولبعضها إرثٌ مقاوم للاستعمار. وتجسّد هذه الطرقُ «القابلية الدينية–الثقافية» للتحرّر التي أشرنا إليها نظريًّا، فتجعلها قوّةً واقعية .
الطريقة أبرز بلدان الانتشار الدور والوزن
التيجانية السنغال، مالي، النيجر، نيجيريا، بوركينا فاسو، تشاد، موريتانيا، غينيا الأوسع انتشارًا؛ شبكة عابرة للحدود وحاضنة تعبئة شعبية واسعة
القادرية موريتانيا، مالي (الكنتية)، نيجيريا، السنغال أقدم الطرق؛ نفوذ علمي وتاريخي عميق
المريدية السنغال (طوبى) قوّة اقتصادية–اجتماعية منظَّمة وثقل سياسي وازن
الحمّالية مالي إرثُ مقاومةٍ للاستعمار الفرنسي (الشيخ حمّ الله)
البودشيشية المغرب وامتدادات في غرب أفريقيا نفوذ روحي وصلاتٌ دولية واسعة
السنوسية ليبيا، تشاد إرثٌ جهادي–سياسي تاريخي في الصحراء
اللافتُ أنّ الطريقة الحمّالية في مالي والسنوسية في تشاد وليبيا تحملان ذاكرةَ مقاومةٍ للاستعمار، فيما تقدّم المريدية في السنغال نموذجًا حيًّا على قدرة التنظيم الصوفي على بناء اقتصادٍ ذاتي مستقلّ — وكلاهما رصيدٌ رمزي وعملي يمكن لمشروع التحرّر أن يبني عليه.
ولعلّ أبلغَ شاهدٍ على هذه القوّة الكامنة نموذجُ المريدية في السنغال. فالسنغال التي يدين نحو 97٪ من سكانها بالإسلام تنفرد عن معظم القارة بأنّ الانتماء الطُّرُقي فيها — لا العِرقي — هو الهوية الجامعة الأولى؛ وفي قلب هذا المشهد تقف الطريقةُ المريدية التي أسّسها الشيخ أحمدو بمبا في ثمانينيات القرن التاسع عشر على مبدأ «العمل عبادة» والاكتفاء الذاتي. وقد بَنَت من مدينتها المقدّسة «طوبى» كيانًا شبه مستقلّ عن الدولة يقوم على عمل المريدين وتحويلات المغتربين، وامتدّ إلى مشروعاتٍ اقتصادية كبرى، حتى غدا زعماؤها — كما يصفهم الباحثون — «العقل المدبّر الخفي» وراء رؤساء السنغال منذ الاستقلال، إذ يقصد المرشّحون خليفةَ طوبى التماسًا لتأييدٍ يُترجَم أصواتًا في صناديق الاقتراع .
والتوظيفُ العملي لهذا النموذج في مشروع التحرّر يتجاوز التعبئة الانتخابية إلى ما هو أعمق؛ فالمريديةُ تقدّم برهانًا حيًّا على أنّ التنظيم الديني–الاجتماعي قادرٌ على إنتاج اقتصادٍ موازٍ يصمد في وجه التبعية، وعلى أنّ السيادة لا تُبنى من فوق وحدها، بل تُنبَت من نسيج المجتمع وقيَمه. وإذا أضفنا إليها امتدادَ التيجانية العابرَ للحدود بوصفه أوسعَ شبكةٍ روحية في الإقليم، تبيّن أنّ مشروع التحرّر يملك في هذه الطرق رأسمالًا تعبويًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا لا تملك القوى الخارجية ما يوازيه، شريطةَ أن يُحسِن مخاطبتها واحترامَ استقلاليتها، لا أن يتعامل معها كأداةٍ عابرةٍ تُستهلك ثم تُهمَل.
5.4.3 التكتلات الاقتصادية وجمعيات الأعمال — البنية المؤسسية للتكامل
لا يقوم التكاملُ الاقتصادي ومشروع كونفدرالية الساحل على فراغ، بل على مؤسساتٍ قائمة من غرف تجارة ومجالس أصحاب عمل وغرف مناجم، تشكّل البنيةَ المؤسسية التي يمكن أن تنهض بالتبادل البيني والتصنيع المحلي .
الدولة أبرز التكتلات الاقتصادية وجمعيات الأعمال
مالي المجلس الوطني لأصحاب العمل (CNPM)، غرفة التجارة والصناعة (CCIM)، جمعية المصرفيين والمؤسسات المالية
بوركينا فاسو المجلس الوطني لأصحاب العمل (CNPB)، غرفة التجارة والصناعة، غرفة المناجم
النيجر غرفة التجارة والصناعة (CCIN)، المجلس النيجري للمستثمرين الخاصين (CNIP)
نيجيريا رابطة المصنّعين (MAN)، مجموعة القمة الاقتصادية (NESG)، غرفة لاغوس (LCCI)، قطاع منتجي النفط
تشاد المجلس الوطني لأصحاب العمل (CNPT)، غرفة التجارة والصناعة والمناجم
موريتانيا الاتحاد الوطني لأرباب العمل (UNPM)، غرفة التجارة والصناعة والزراعة
السنغال المجلس الوطني لأصحاب العمل (CNP)، غرفة تجارة داكار، الاتحاد الوطني للتجار
غينيا المجلس الوطني لأصحاب العمل (CNPG)، غرفة المناجم
المغرب والجزائر (فاعلان مؤثّران) الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM)؛ منتدى رؤساء المؤسسات الجزائري (FCE)
وتكمن القيمةُ العملية لهذه التكتلات في كونها البنيةَ المؤسسية الجاهزة التي يمكن أن يقوم عليها السوقُ المشتركة لكونفدرالية الساحل. فالتكامل الاقتصادي لا يُبنى من العدم، بل من شبكةٍ قائمة من غرف التجارة ومجالس أصحاب العمل وغرف المناجم تملك الخبرةَ والعلاقات وقواعد البيانات. وحين تَشرع دولُ الساحل في إصدار عملةٍ موحّدة وفتح أسواقها البينية، فإنّ هذه المؤسسات هي التي ستتولّى عمليًّا تيسيرَ التبادل وتوحيدَ المواصفات وتمثيلَ القطاع الخاص في التفاوض. غير أنّ التحدّي الأعمق أن تتحوّل هذه الغرف من أدواتٍ لتصريف المواد الخام — كما أرادها الاقتصادُ الاستعماري — إلى رافعاتٍ للتصنيع المحلي وإضافة القيمة؛ فغرفةُ المناجم في بوركينا فاسو أو النيجر يمكن أن تكون بوّابةَ نهبٍ أو أداةَ سيادة، تبعًا لمن يملك ضبطَ شروط اللعبة وصياغةَ عقودها.
5.4.4 المجموعات الإعلامية — معركة السردية والسيادة الرقمية
إذا كانت ثورةُ المعلومات إحدى رافعات التحرّر، فإنّ المجموعات الإعلامية هي أدواتُها العملية في معركة السردية ضدّ الإعلام الفرنسي والغربي. وامتلاكُ منصّاتٍ مؤثّرة — رسمية وخاصة — شرطٌ لبناء سيادةٍ إعلامية ومخاطبة الداخل بلغاته .
الدولة أبرز المجموعات الإعلامية
مالي الإذاعة والتلفزيون (ORTM)، ستوديو تمنين، صحف خاصة (L'Essor، Le Républicain)
بوركينا فاسو الإذاعة والتلفزيون (RTB)، صحيفة L'Observateur Paalga، إذاعات خاصة
النيجر الإذاعة والتلفزيون (ORTN)، إذاعة أنفاني، منصّتا Bonferey وLabari
نيجيريا Media Trust، Channels TV، AIT/DAAR، The Punch، صناعة نوليوود السينمائية
تشاد الإعلام الرسمي (ONAMA/Télé Tchad)، إذاعة FM Liberté
السنغال مجموعة فوتورا ميديا (GFM)، التلفزيون الرسمي (RTS)، مجموعة Walf
موريتانيا التلفزة الموريتانية (TVM)، الأخبار إنفو، قناة الساحل
غينيا الإذاعة والتلفزيون (RTG)، مجموعة هدافو، Guinée Matin
تكشف هذه الخريطةُ الإعلامية أنّ معظم المنصّات الكبرى رسميةٌ أو خاصة محدودة الانتشار، فيما يتمدّد النفوذُ الإعلامي الأجنبي (الفرنسي والروسي والصيني) في الفراغ؛ وهو ما يجعل الاستثمارَ في إعلامٍ إقليمي مشترك — وفي الترجمة إلى الفرنسية واللغات المحلية — أولويةً عملية لمشروع التحرّر تتقاطع مع ما أوصت به الدراسة.
وتكتسب هذه الخريطةُ الإعلامية بُعدَها العملي حين نتذكّر أنّ معركة النيجر حُسمت إعلاميًّا قبل أن تُحسم عسكريًّا، كما أقرّت القيادةُ الأميركية ذاتها. فالمنصّاتُ الرسمية والخاصة المرصودة — على محدوديتها — هي البنيةُ التي يمكن أن تنهض عليها سرديةٌ إقليمية مستقلّة، شريطةَ تحديثها وربطها في شبكةٍ تتبادل المحتوى وتُنتجه باللغات المحلية والفرنسية معًا. غير أنّ التحدّي مزدوج؛ فالفراغُ الذي تتركه هذه المنصّاتُ الضعيفة تملؤه دعايةُ القوى الخارجية الفرنسية والروسية والصينية، فيتحوّل الجمهورُ من متلقٍّ لروايةٍ مستوردة إلى متلقٍّ لأخرى منافِسة. ولذلك فإنّ السيادة الإعلامية الحقيقية لا تتحقّق بمجرّد طرد الإعلام الفرنسي، بل ببناء قدرةٍ ذاتية على إنتاج المعنى تُخاطب وجدانَ الناس من داخل ثقافتهم لا من خارجها.
5.4.5 القوى الخارجية المؤثّرة وبصمتها الاستراتيجية
لا يكتمل فهمُ ميدان التحرّر دون رصدٍ دقيق لبصمة القوى الخارجية التي تتزاحم على الإقليم بأدواتٍ عسكرية واقتصادية وتقنية. فإلى جانب فرنسا والصين وروسيا التي فصّلناها، تنشط "إسرائيل" والولايات المتحدة وحلف الناتو ودول الخليج وتركيا، ولكلٍّ منها بصمةٌ ملموسة وهدفٌ استراتيجي .
القوة أدوات الحضور والبصمة الاهتمام بالإقليم
"إسرائيل" ترسانة نووية ومنظومة دفاع جوي متعددة الطبقات؛ مساعدات أميركية بـ3.8 مليار دولار سنويًّا؛ صادرات سلاح بـ12.5 مليار (2022)؛ شركات أمن ومراقبة سيبرانية اختراق أمني–تقني وبناء مواطئ قدم؛ احتواء النفوذ الإيراني
الولايات المتحدة/الناتو أكثر من 45 ألف جندي عبر CENTCOM وAFRICOM؛ معسكر ليمونييه بجيبوتي (القاعدة الدائمة الوحيدة بالقارة)؛ مناورات African Lion في المغرب «مكافحة الإرهاب» غطاءً لتأمين الطاقة واحتواء الصين وروسيا
دول الخليج أكثر من 30٪ من احتياطي النفط العالمي؛ استثمارات وموانئ ووساطات؛ اتفاقيات دفاعية (SAMI–Paramount مع جنوب أفريقيا 2019) نفوذ اقتصادي–ديني، ووكالةٌ للغرب أحيانًا
تركيا عضو الناتو وثاني أكبر جيوشه؛ مسيّرات بيرقدار TB2 وأقنجي؛ حضور عسكري في الصومال وليبيا؛ مساجد ومدارس ومنح منجمٌ اقتصادي وميدان تنافس مع باريس عبر «المشتركات الحضارية»
يكشف الجدولُ أنّ كثافة الحضور العسكري الأجنبي تتركّز في عقدٍ حسّاسة (جيبوتي، الخليج، المغرب) تطوّق الإقليم وتتحكّم بممرّاته، وأنّ بعض القوى الإقليمية قد تعمل وكيلًا للغرب لا فاعلًا مستقلًّا — وهو ما يستدعي من مشروع التحرّر يقظةً في تنويع الشراكات دون استبدال تبعيةٍ بأخرى.
5.4.6 البصمة المؤسسية للقوى الكبرى — شركات التكنولوجيا والأمن والطاقة
تتحوّل الهيمنةُ من القواعد العسكرية إلى الشركات؛ فالبنية الرقمية والأمنية والطاقوية للإقليم تديرها شبكةٌ من الشركات العابرة للقارات التي تتحكّم بالبيانات والمراقبة واستخراج الموارد، وهي الوجه «المدني» للنفوذ .
المجال أبرز الشركات الدور
التكنولوجيا والاتصالات والأقمار Google، Microsoft، Meta، Amazon (AWS)، IBM؛ وشبكات أقمار (Gilat، Nilesat، NIGCOMSAT) التحكّم بالبنية الرقمية والبيانات
الأمن والمراقبة (إسرائيلية) Elbit Systems، Israel Aerospace Industries (IAI)، NSO Group، Verint تجسّس سيبراني ومراقبة للأنظمة
الدفاع (أميركية) Lockheed Martin، Raytheon/RTX، Boeing، General Electric تسليح وتدريب وارتباط عسكري
الطاقة وخدمات الحقول ExxonMobil، Chevron، Shell، Halliburton، Schlumberger، Baker Hughes استخراج النفط والغاز في خليج غينيا
في حقل الطاقة تحديدًا، تُدير هذه الشركاتُ حقولَ خليج غينيا الكبرى (بونغا لـShell، وأغبامي لـChevron، وإرها لـExxonMobil)، ومجمّعات الغاز المُسال (بوني آيلاند ومصفاة دانغوتي في نيجيريا)، وحقلَ الغاز العابر بين السنغال وموريتانيا (Greater Tortue Ahmeyim)، فضلًا عن يورانيوم النيجر؛ وهي خريطةٌ تُجسّد عمليًّا أطروحةَ نهب الموارد التي قامت عليها الدراسة، وتُبرز أنّ استعادة السيادة الاقتصادية تمرّ بتأميم أصول هذه الشركات بالذات والاتجاه شرقا لاستقطاب الخبرات وتدريب الكادر المحلي.
5.4.7مراكز الأبحاث والمنظمات الدولية — البُعد المعرفي والناعم
تُستكمَل أدواتُ النفوذ ببُعدٍ معرفي–ناعم تتولّاه مراكزُ أبحاث ومنظمات دولية تُنتج المعرفة وتوجّه السياسات وتؤطّر «الإغاثة»؛ وهي ساحةٌ يجب أن يحضر فيها مشروعُ التحرّر بمؤسساته الخاصّة لا أن يتركها للآخرين .
النوع أبرز المراكز والمنظمات الصلة بمشروع التحرّر
أمنية–استراتيجية RAND (دعم أفريكوم)، معهد الدراسات الأمنية ISS (مكتب غرب أفريقيا)، معهد والتر ريد العسكري إنتاج المعرفة الأمنية وتوجيه السياسات الغربية
زراعية–غذائية ICRISAT (نيامي)، AfricaRice (أبيدجان)، IITA (إبادان)، CIMMYT أبحاث الغذاء والبذور؛ مدخلٌ للسيادة الغذائية
صحية Africa CDC، KEMRI/CDC، NIAID/NIH (باماكو)، USAMRIID أبحاث ومختبرات صحية
منظمات دولية منظمة الصحة العالمية، UNEP، UN-Habitat، الصليب الأحمر، اليونيسف حوكمة وإغاثة ونفوذ ناعم
تُظهر هذه الخريطةُ أنّ المعركة لا تُخاض بالسلاح والاقتصاد وحدهما، بل بالمعرفة أيضًا؛ فمراكزُ كـ«راند» تُسخَّر لدعم «أفريكوم»، فيما تحمل مراكزُ البحث الزراعي (ICRISAT في نيامي، وAfricaRice في أبيدجان) مفاتيحَ سيادةٍ غذائية إن أُحسِن توطينُها وطنيًّا. ومن هنا تتأكّد توصيةُ الدراسة ببناء مؤسساتٍ بحثية مستقلّة تُنتج رواية الإقليم بلغته ومن منظور مصالحه وعدم حصر المفاصل المعرفية في يد جهة دولية واحدة.
الفصل السادس: الأبعاد الاستراتيجية والتكتيكية — من النظرية إلى التوظيف العملي
بعد أن رسم الفصلُ السابق خريطةَ الفاعلين، ينتقل هذا الفصل من سؤال «مَن الفاعلون؟» إلى سؤال: «كيف تُوظَّف هذه الفسيفساء استراتيجيًّا في خدمة مشروع التحرّر؟». فالقيمةُ العملية لأيّ خريطةٍ لا تكمن في الجرد، بل في تحويلها إلى أدواتٍ تتحرّك على جبهاتٍ متعدّدة — أيديولوجية وتحالفية وناعمة ومعرفية وأمنية واقتصادية — تتكامل في استراتيجيةٍ واحدة. ويستند هذا الفصل إلى قراءاتٍ استراتيجية تضع الساحل في سياق التحوّل الكبير الجاري في النظام الإقليمي والدولي .
6.1: الفراغ الاستراتيجي والأيديولوجي — لحظة التأسيس
تكتسب لحظةُ الساحل الراهنة خطورتها من كونها تمثّل «فراغًا أمنيًّا» بقدر ما تمثل «فراغًا أيديولوجيًّا» أعمق؛ فبعد طرد القوات الفرنسية (عملية برخان) ثم الأميركية، لم يَعُد الأمرُ مجرّد انسحابٍ عسكري، بل انهيارًا لمنظومة نفوذٍ تبحث في أعقابها الأنظمةُ الجديدة والشعوبُ الوطنية عن هويةٍ بديلة «مناهضة للاستعمار» و«مناهضة للغرب»، وعن شركاء جدد . وهذا الفراغ المزدوج — الأمني والأيديولوجي — هو بالضبط ما يجعل الساحلَ «لحظةَ تأسيس» لمشروع التحرّر لا مجرّد أزمةٍ عابرة.
ويتقاطع هذا الفراغ المحلي مع تحوّلٍ كوني أوسع: تراجعُ قدرة «العمالقة» التقليديين على فرض نظامهم، وانتقالُ الولايات المتحدة من دور «المهندس الاستراتيجي» إلى «الدبلوماسي التكتيكي»، وصعودُ منطق التعدّدية القطبية. وفي هذا السياق لم تَعُد تسميةُ «حزام التحرّر» مجرّد استعارةٍ بلاغية، بل توصيفًا استراتيجيًّا للدول الأفريقية الرافضة للهيمنة الغربية، وفي القلب منها النيجر ومحيطها . ومن ثَمّ فإنّ التمدّد في هذا الفراغ ليس فرصةً فحسب، بل ضرورةٌ استراتيجية لإعادة صياغة موازين الإقليم.
6.2 تحالف دول الساحل (AES) — النواة الاستراتيجية وتوظيفها
النواةُ العملية لهذا المشروع هي «تحالف دول الساحل» (AES). فالانقلابات الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر ليست — كما بيّنّا — «انقلابات قصر» تابعة، بل يمكن القول أنها «ثوراتٌ من أعلى» يقودها ضباطٌ شباب وطنيون متعلّمون (كإبراهيم تراوري) يحظون بتأييدٍ شعبي ومقبولية يغذّيه غضبٌ متراكم من عقود الاستغلال، والأهمّ أنّ هذه الدول لم تبقَ منعزلة بل شكّلت كتلةً سياسية وعسكرية واقتصادية موحّدة ترفع صراحةً خطاب «السيادة الكاملة» و«مناهضة الاستعمار الجديد» .
ويتطلّب توظيفُ هذه النواة عمليًّا أمرين متلازمين: أوّلهما تثبيتُ التحالف ككتلةٍ متماسكة لا كتجمّعٍ ظرفي، عبر تعميق التكامل الدفاعي والاقتصادي والنقدي (مشروع عملة «الساحل»)؛ وثانيهما تأطيرُه ضمن «محور تحرّرٍ عالمي» أوسع يربط قضيّته بقضايا الجنوب — وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية التي تحظى بدعمٍ شعبي كبير في أفريقيا — بما يحوّل التحالف من ردّ فعلٍ محلي إلى مشروعٍ ذي عمقٍ أيديولوجي وتضامنٍ جنوبي–جنوبي يوسّع شبكة حلفائه ويكسر عزلته الدولية.
ولم تَعُد هذه النواةُ مشروعًا على الورق، بل غدت كيانًا يتجسّد خطوةً خطوة. فبعد ميثاق الدفاع المشترك في أيلول/سبتمبر 2023، وقّعت الدولُ الثلاث معاهدةَ كونفدرالية في قمّة نيامي في تموز/يوليو 2024، ثم أعلنت انسحابَها النهائي من «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025، فطوت بذلك نصف قرنٍ من ارتباطٍ إقليمي ظلّ في تقديرها أداةً بيد باريس. ثم توّجت هذا المسار في العشرين من كانون الأول/ديسمبر 2025 بتدشين قوّتها الموحّدة في احتفالٍ بقاعدةٍ جوية في باماكو، بقوامٍ أوّلي يناهز خمسة آلاف مقاتل من الدول الثلاث تحت قيادة الجنرال البوركينابي داودا تراوري. وهذه ليست تفاصيلَ إجرائية، بقدر ما هي ترجمةٌ حيّة لمفهوم «الدفاع المشترك» الذي ظلّ نظريًّا في الأدبيات التحرّرية عقودًا .
غير أنّ الرهان الأصعب يبقى في الحقل النقدي. فمشروعُ عملةٍ موحّدة باسم «الساحل»، تُسنَد إلى ثروات الدول الثلاث لا إلى ضماناتٍ خارجية، هو القطيعةُ الأعمق مع الفرنك الإفريقي والبنية المالية الموروثة عن الاستعمار. وهنا يتقاطع النظري بالعملي تقاطعًا حادًّا: فالخروجُ من منطقة الفرنك يَعِد بسيادةٍ نقدية حقيقية، لكنه يحمّل دولًا حبيسةً محدودةَ الموارد أعباءَ تأسيس مصرفٍ مركزي وإدارةِ عرض النقد إدارةً تتّقي شبح التضخّم الجامح. ومن ثَمّ فإنّ نجاح العملة رهنٌ بكفاءةٍ تقنية ومؤسسية لا تقلّ وزنًا عن الإرادة السياسية، وهو ما يجعل بناء بنيةٍ مالية مستقلّة وكفؤة شرطًا عمليًّا للتحرّر لا شعارًا يُرفع .
6.3 الجبهة الناعمة — توظيف الشبكات الدينية والثقافية
لا تُخاض معركةُ التحرّر بالسلاح وحده، بل بالقوة الناعمة التي تملك فيها شعوبُ الساحل رصيدًا متقدمًا. فالطرقُ الصوفية الكبرى التي ذكرت (التيجانية والقادرية والمريدية والحمّالية) شبكاتٌ اجتماعية–دينية عابرة للحدود قادرة على التعبئة وصناعة الرأي، وبعضُها يحمل إرثَ مقاومةٍ للاستعمار. ويضاف إليها شبكةٌ واسعة من طلاب العلوم الدينية الأفارقة الذين يتلقّون تعليمهم في الحوزات والجامعات الدينية داخل العالم الإسلامي ويعودون حاملين رأسمالًا رمزيًّا ومعرفيًّا مؤثّرًا في نسيج مجتمعاتهم .
والتوظيفُ العملي لهذا الرصيد يكون ببناء جسورٍ ثقافية ودينية تكسر احتكار الفرنكفونية للوعي، وبدعم تعليم العربية بوصفه لغةَ هذا الرأسمال الرمزي، وبتحويل الشبكات الصوفية والطلابية إلى قنواتٍ للتثقيف التحرّري ومخاطبة القاعدة الشعبية بلغتها ورموزها. وهي جبهةٌ يملك فيها مشروعُ التحرّر تفوّقًا بنيويًّا على القوى الخارجية التي تفتقر إلى هذا التجذّر الاجتماعي العميق، فبينما تستورد تلك القوى نفوذَها، يستطيع المشروعُ أن يستنبته من تربته.
6.4 الجبهة المعرفية — الحرب المعرفية والسردية
اعترفت القيادةُ العسكرية الأميركية (أفريكوم) صراحةً بأنها «خسرت الحرب المعرفية» في النيجر، وأنّ عمليات المعلومات المنظَّمة «أغرقت» الساحة وأسهمت في طرد قواتها . وهو اعترافٌ بالغ الدلالة: يؤكد على أن المعركةُ اليوم معركةُ السرديات والوعي لا الميدان وحده، وقد أثبتت الحركاتُ الشعبية المناهضة لفرنسا — كحركة «م62» في النيجر — أنّ الرأي العام المعبّأ سلاحٌ يعتد به، ويمتدّ هذا الصراع إلى الفضاء الرقمي الأفريقي الذي تحوّل إلى ساحة «حرب رواياتٍ» مفتوحة تتنازعها الدعايةُ الغربية والمضادّة لها، وتزدهر فيها أصواتُ القاعدة الشعبية والإعلام الأفريقي المستقلّ الناقد للروايات الخارجية . والتوظيفُ العملي لهذه الجبهة يقتضي بناءَ منظومةٍ إعلامية إقليمية مستقلّة، ودعمَ المنصّات المحلية، وإنتاجَ سرديةٍ تحرّرية تخاطب الداخل بلغاته وتربط نضالَ الساحل بنضال الجنوب العالمي — وهو ما يحوّل «المجموعات الإعلامية» التي جرَدْناها من مجرّد منصّاتٍ إلى أدوات سيادةٍ معرفية.
ولم يَعُد هذا التشخيصُ مجرّد استنتاجٍ نظري، بل أقرّ به أرفعُ مسؤول عسكري أميركي في القارة؛ فقد صرّح الجنرال مايكل لانغلي، قائد «أفريكوم»، بأنّ المعلومات المضلِّلة الروسية أسهمت بدور فارق في إنهاء الوجود الأميركي في النيجر . وتكشف الأرقامُ حجمَ المعركة: إذ ارتفع المحتوى المتعلّق بالنيجر على عشرات القنوات الروسية وقنوات «فاغنر» في تطبيق «تيليغرام» بنسبةٍ تقارب 6,645٪ في الشهر التالي للانقلاب، في حملةٍ منظَّمة عزّزت شرعية المجلس العسكري وقرنته بموسكو . والمفارقةُ أنّ واشنطن، على جبروتها المادي، تخوض هذه المعركة بموازنةٍ هزيلة لا تتجاوز عشراتِ الملايين، مقابل ما يُقدَّر بأكثر من مليارٍ ونصف المليار تنفقها موسكو سنويًّا على حملات التأثير.
والدرسُ العملي لمشروع التحرّر من هذه الواقعة مزدوج: أوّلُهما أنّ السيطرة على السردية ليست ترفًا دعائيًّا، بل سلاحٌ استراتيجي قادرٌ على إخراج قوّةٍ عظمى من بلدٍ بأكمله؛ وثانيهما أنّ زهادة كلفة هذا السلاح تجعله في متناول المستضعفين، فالروايةُ لا تحتاج إلى أساطيل بل إلى مصداقيةٍ وتجذّرٍ في وجدان الجمهور. ومن هنا فإنّ بناء منظومةٍ إعلامية إقليمية مستقلّة تخاطب الناس بلغاتهم وتنطلق من مظالمهم الحقيقية لا من دعايةٍ مستوردة، هو خطُّ الدفاع الأوّل في معركة الوعي، وشرطُ ألّا يتحوّل تحريرُ العقول من سرديةٍ مهيمنة إلى أسرٍ لسرديةٍ منافِسة.
6.5: الجبهة الأمنية — كسر التبعية العسكرية وتنويع السلاح
تسعى الأنظمةُ الجديدة في الساحل — بعد طرد فرنسا — سعيًا حثيثًا إلى أسلحةٍ فعّالة ورخيصة لمواجهة التهديدات المسلّحة، وهو ما يجعل القوّةَ الصلبة مفتاحَ كسر التبعية العسكرية. وقد استغلّ المنافسون هذا المدخل: روسيا عبر خدمات «الفيلق الإفريقي»، وتركيا ببيع مسيّرات «بيرقدار»، فيما يُطرح ما يُسمّى «دبلوماسية الطائرات المسيّرة» مدخلًا لكسر العزلة الدولية عن هذه الأنظمة وتزويدها بقدراتٍ دفاعية سريعة وميسورة ، والتوظيفُ العملي لهذه الجبهة من منظور التحرّر هو تنويعُ مصادر التسليح لكسر احتكار باريس، وبناءُ قوّةٍ دفاعية مشتركة في إطار AES تتجاوز الاعتماد على البرامج التدريبية الغربية التي أثبتت التجربةُ ارتباطَها بإنتاج قياداتٍ موالية للخارج.
ويتجلّى تطوّرُ هذه الجبهة في التحوّل الذي طرأ على الحضور العسكري الروسي نفسه؛ فبعد أن كانت مجموعةُ «فاغنر» شبه الخاصّة هي الذراع الأبرز، أعلنت في حزيران/يونيو 2025 مغادرتها مالي، ليحلّ محلّها «الفيلق الإفريقي» (Africa Corps) الذي أنشأته وزارةُ الدفاع الروسية، فخرج النشاطُ العسكري الروسي من ظلّ المبادرة الخاصّة إلى ضوء المشروع الرسمي للدولة، وامتدّ منذ 2024 إلى بوركينا فاسو والنيجر، بما يمنح موسكو سيطرةً أوثق على أدواتها في الإقليم .
بيد أنّ هذه الورقة سلاحٌ ذو حدّين يكشف عمق المعضلة الأمنية. فالاستعانةُ بمقاتلين أجانب لم تُفلح في كبح العنف؛ بل بلغت الوفياتُ المرتبطة بالجماعات المسلّحة مستوياتٍ قياسية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو في النصف الأول من 2024، ووصلت الهجماتُ — لأوّل مرّةٍ منذ نحو عقد — إلى أطراف العاصمة المالية باماكو، بل رصدت تقاريرُ حقوقية من عنف هؤلاء المقاتلين ضدّ المدنيين ما جعل بعضَهم يخشاهم أكثر من خشيته للجماعات الجهادية ذاتها.
6.6 الجبهة الاقتصادية — السيادة على الموارد كورقة ضغط استراتيجية
تمتلك دولُ الساحل أوراقَ ضغطٍ اقتصادية–استراتيجية هائلة إن أحسنت توظيفها. فالنيجر من أكبر مصدّري اليورانيوم عالي الجودة الذي اعتمدت عليه فرنسا لتشغيل مفاعلاتها؛ وقد أظهرت أزمةُ 2023 — حين اقترن ملفُّ اليورانيوم بضغوطٍ أميركية انتهت بطرد القوات الأميركية — أنّ المورد الخام يتحوّل في يد دولةٍ سيّدة إلى ورقةِ مساومةٍ استراتيجية لا مجرّد سلعةٍ تُصدَّر .
والجائزةُ الأكبر على المدى الطويل هي خطُّ الغاز العابر للصحراء (TSGP) الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر فأوروبا، والذي أُحيي بعد الأزمة الأوكرانية بوصفه البديل الأهمّ للغاز الروسي؛ فمرورُ مساره الحرج عبر النيجر يمنح دولَ الساحل موقعَ «الضامن» لأمن الطاقة الأوروبي في عقر داره اللوجستي، وهي ورقةٌ تفوق في وزنها كثيرًا من أوراق الصراع التقليدية . والتوظيفُ العملي يكون بإعادة التفاوض على عقود الموارد، وباستخدام اليورانيوم والغاز رافعةً تفاوضية، وببناء اقتصادٍ قادرٍ على الصمود أمام الحصار عبر تأمين القطاعات الحيوية التي يستهدفها عادةً — الدواء والاتصالات والوقود والتسليح .
وقد انتقل هذا التوظيفُ من التحليل إلى الفعل في ملفّ اليورانيوم على نحوٍ لافت. فالنيجر التي ظلّت تُموّن نحو 70٪ من كهرباء فرنسا النووية ونحو ربع يورانيوم الاتحاد الأوروبي، أقدمت في حزيران/يونيو 2025 على تأميم منجم «سومير» الذي كانت تديره شركةُ «أورانو» الفرنسية، بعد أن سحبت قبله بعامٍ رخصةَ منجم «إيمورارين» ذي الاحتياطي الضخم . وكان لافتًا في تبرير التأميم أنّ نيامي كشفت أنّ «أورانو» استحوذت على ما يقارب 86٪ من الإنتاج بين عامي 1971 و2024 رغم أنّ حصّتها لا تتجاوز 63٪ ؛ وهو رقمٌ يختصر منطقَ النهب الذي قامت عليه العلاقة الاستعمارية، ويحوّل المنجمَ من رمزٍ للتبعية إلى ساحةٍ لاستعادة السيادة، وإن بكلفةِ تحكيمٍ دولي تخوضه الشركةُ الفرنسية ردًّا على القرار.
أمّا الجائزةُ الأبعد مدًى فهي خطُّ الغاز العابر للصحراء، الذي خرج بدوره من أدراج التخطيط إلى ميدان التنفيذ. فالمشروعُ المصمَّم لنقل نحو ثلاثين مليار متر مكعّب سنويًّا عبر أكثر من أربعة آلاف كيلومتر من نيجيريا والنيجر إلى الجزائر فأوروبا، أُعيد إحياؤه بعد الحرب الأوكرانية بوصفه بديلًا استراتيجيًّا للغاز الروسي، وبوشرت أعمالُه في أقصى الجنوب الجزائري بإشراف وزراء الطاقة في الدول الثلاث. وبما أنّ مسارَه الحرج يعبر أراضي النيجر، يتحوّل موقعُ دول الساحل من هامشٍ مستهلَك إلى عقدةٍ في شريان الطاقة الأوروبي، تملك أن تكون ضامنًا لأمنه أو نقطةَ ضعفٍ فيه؛ وتلك ورقةُ تفاوضٍ ثقيلة لا تُقاس بحجم اقتصاد هذه الدول، بل بموقعها على خرائط الطاقة .
6.7 البُعد الإقليمي الأوسع — الإمارات وصدى الصراع الإسرائيلي–الإيراني في أفريقيا
لا يكتمل المشهدُ الاستراتيجي دون قوّةٍ وسطى صاعدة باتت فاعلًا محوريًّا في القرن الأفريقي والساحل: الإمارات. فقد طوّرت أبو ظبي أدواتِ نفوذٍ متعدّدة — الموانئ بوصفها أداةَ سيطرة جيوسياسية، وشبكاتِ المرتزقة، وحربَ الطائرات المسيّرة، وصناعةَ السلاح (مجموعة EDGE)، ومنظومةَ استخبارات وسيبرانية متقدّمة، وتعاونًا وثيقًا مع إسرائيل — ووظّفتها في دعم أطرافٍ بعينها كقوات الدعم السريع في السودان، وفي رسم استراتيجيةٍ للساحل . وهذا الحضور يجعل الإمارات منافسًا ومهدِّدًا لمشروع التحرّر في الممرّ الرابط بين البحر الأحمر والأطلسي، لا مجرّد مستثمرٍ اقتصادي.
وتتكشّف خطورةُ هذا النموذج الإماراتي في الحالة السودانية المجاورة، حيث تشير تقاريرُ بحثية غربية إلى أنّ أبو ظبي قدّمت دعمًا ماليًّا ولوجستيًّا لقوات الدعم السريع عبر شبكاتٍ تمتدّ من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى إلى جنوب السودان وأوغندا، فيما تُدار أعمالُ تلك القوات ومواردُها المالية والإعلامية من داخل الإمارات . والمنطقُ الكامن خلف هذا الدعم هو تمكينُ فاعلين من غير الدول، كثيرًا ما يكونون ذوي نزعاتٍ انفصالية، لتأمين الوصول إلى الموارد والجغرافيا الاستراتيجية من موانئ ومناجم ذهبٍ وأراضٍ زراعية؛ وقد بلغ التوتّرُ ذروته حين ألغت الخرطوم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 اتفاقًا بمليارات الدولارات لتطوير ميناء «أبو عمامة» على البحر الأحمر احتجاجًا على هذا الدعم .
والعبرةُ التي تَعني مشروعَ التحرّر مباشرةً أنّ القوى الوسطى الصاعدة قد تكون أشدّ خطرًا على سيادة دول الإقليم من القوى الكبرى التقليدية، لأنها تعمل بأدواتٍ مرنة — موانئ ومرتزقة وتمويلٍ خفيّ — تتسلّل من تحت عتبة الرصد الدولي، وتراهن على تفتيت الدول لا على بناء شراكاتٍ معها. ومن ثَمّ فإنّ تحصين الممرّ الرابط بين البحر الأحمر والأطلسي من هذا الاختراق الناعم لا يقلّ أهميةً عن مواجهة الوجود العسكري الغربي المباشر، بل لعلّه أمضى خطرًا لأنه يلبس ثوبَ الاستثمار والتنمية.
ويتقاطع ذلك مع بُعدٍ أوسع: صدى المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية في القارة. فقد انقسمت المواقفُ الرسمية الأفريقية بين إدانةٍ قادها الجنوب الأفريقي باسم الجنوب العالمي، ودبلوماسيةِ توازنٍ (مصر ونيجيريا وكينيا)، وصمتٍ من حلفاء تل أبيب؛ فيما مال المزاجُ الشعبي والمجتمع المدني والفضاء الرقمي إلى التعاطف مع إيران بوصفها الطرف المناهض للهيمنة، مدفوعًا بحضور القضية الفلسطينية ووجدانِ التحرّر . والخلاصةُ الاستراتيجية أنّ مشروع حزام التحرّر ليس جزيرةً معزولة، بل حلقةٌ في سلسلةٍ إقليمية–كونية من الصراع على الهيمنة، وأنّ المزاج الشعبي الأفريقي المناهض للاستعمار رصيدٌ استراتيجي ينبغي للمشروع أن يستثمره بوعي.
وخلاصةُ هذا الفصل أنّ مشروع التحرّر لا يُخاض على جبهةٍ واحدة، بل على ستّ جبهاتٍ متضافرة: الأيديولوجية (الفراغ والهوية)، والتحالفية (AES)، والناعمة (الدين والثقافة واللغة)، والمعرفية (السردية والإعلام)، والأمنية (تنويع السلاح والدفاع المشترك)، والاقتصادية (السيادة على الموارد). والنجاحُ رهنٌ بتكامل هذه الجبهات لا بإتقان واحدةٍ منها، وبأن يبقى مركزُ الثقل في يد شعوب الساحل وأنظمتها لا في يد أيّ راعٍ خارجي — وإلّا انقلب التحرّرُ إلى استبدال تبعيةٍ بأخرى.
الخلاصة
في ضوء ما تقدّم، تخلص الدراسة إلى جملةٍ من التوصيات العملية التي تُسهم في تحويل أطروحة «حزام التحرّر» من إطارٍ نظري إلى مسارٍ قابل للتنفيذ:
• ترجمةُ الإنتاج البحثي والخطاب الإعلامي لدول المشرق إلى الفرنسية واللغات المحلية، لكسر احتكار السردية الغربية ومخاطبة الرأي العام الداخلي بلغته.
• تعزيزُ التواصل مع النخب الإفريقية عبر برامج استضافةٍ علمية وإعلامية، وبناءِ شبكةٍ من الباحثين والمؤثّرين الداعمين لمشروع السيادة.
• توجيهُ المؤسسات البحثية نحو زيادة الدراسات الميدانية المتخصّصة في الإقليم، لسدّ النقص المعرفي الذي تستغلّه القوى المتنافسة.
• تأسيسُ أطرٍ للعمل الإقليمي المشترك: مناطقُ حرّة، وتكاملٌ في البنية التحتية، وتفعيلٌ للتبادل التجاري البيني بالعملات الوطنية.
• بناءُ حاضنةٍ مدنية–شعبية تضبط المسار العسكري وتمنح المشروع شرعيةً واستدامة، وتحول دون ارتداده إلى استبدادٍ جديد.
• صياغةُ موقفٍ سيادي جماعي من استغلال الموارد في مناطق التداخل، وتنويعُ الشراكات الدولية دون الارتهان لأيّ قطب.
• اعتمادُ تعليم اللغة العربية وإحيائها — إلى جانب اللغات الوطنية — ركنًا في خطة التحرّر الثقافي، عبر دعم المدارس والمعاهد ومناهج التعليم المزدوج، بوصفه استعادةً للسيادة الثقافية وعلاجًا لضعف التعليم الذي يغذّي التطرّف.
• تعميقُ التكامل في إطار كونفدرالية دول الساحل (AES) وتوسيعُه ليشمل المجالات الاقتصادية والنقدية والتربوية، مع بناء بدائل واقعية تَقي تكلفةَ الانفصال عن الأطر القائمة.
• الإفادةُ من تجربة «فكّ الارتباط» اللاتينية: بناءُ مؤسساتٍ مالية إقليمية، والتخفّفُ التدريجي من هيمنة الدولار والفرنك، واعتمادُ التكامل والتعاون بدل المنافسة والإحلال.
• تبنّي مقاربةٍ متعدّدة الجبهات يتكامل فيها العملُ الأيديولوجي والناعم والمعرفي والأمني والاقتصادي بدل الرهان على أداةٍ واحدة، مع إبقاء مركز القرار في يد شعوب الإقليم وأنظمتها.
• توظيفُ أوراق الضغط الاستراتيجية — اليورانيوم، وخط الغاز العابر للصحراء، والموقع على الممرّ الرابط بين البحر الأحمر والأطلسي — رافعةً تفاوضية لإعادة صياغة العلاقة مع القوى الكبرى من موقع السيادة لا التبعية.
سعت هذه الدراسة إلى تجاوز القراءة الإخبارية لتحوّلات الساحل الإفريقي نحو تأصيلٍ نظري لمشروعٍ تحرّري إقليمي. وقد تبيّن أنّ ما يجري في الإقليم ليس اضطرابًا عابرًا، بل تقاطعُ ثلاثة تحوّلاتٍ كبرى: أفولِ الأحادية القطبية، وتراجعِ النفوذ الاستعماري التقليدي، وصعودِ وعيٍ شعبي وجيلٍ جديد من النخب. وفي خضمّ هذا التقاطع، تتمايز انقلاباتُ القصور — التي تستبدل الوجوه وتُبقي آليات التبعية — عن إرهاصاتِ تحرّرٍ حقيقي تحمل «رائحة الستينات»، وإن بقي الفيصلُ بينهما رهنَ عمق التحوّل البنيوي لا شكله العسكري.
وخلصت الدراسة إلى أنّ تحويل هذه اللحظة إلى مشروعٍ مستدام يستلزم بناءَ بنيةٍ داخلية رباعية — مؤسسية وسيادية–اقتصادية وشعبية ومعرفية — يسندها نظامُ دفاعٍ مشترك وتكاملٌ اقتصادي يحوّل موارد الإقليم من لعنةٍ تستدعي التدخّل إلى رافعةٍ للتنمية. ويبقى «حزام التحرّر» — في جوهره — رهانًا على أن تستعيد شعوبُ الساحل السيادةَ على ثروتها وقرارها ومستقبلها، مستثمرةً تعدّدَ الأقطاب دون أن ترتهن لأيٍّ منها، فتنتقل من هامش التاريخ الذي فُرض عليها إلى موقعٍ فاعل في صياغة خارطته الجديدة.