خيارات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد العدوان الأميركي

مقدمة:  

بتاريخ 27 كانون الثاني 2020، نظّم المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ندوة سياسية تحت عنوان: "خيارات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد العدوان الأميركي" حاضر فيها رئيس مركز الدراسات السياسية والدولية في طهران د. سعيد خطيب زادة وشارك فيها عدد من السياسيين والأكاديميين ونخبة من الباحثين والمهتمين.

ناقشت الندوة التصعيد المستجد بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران بعد عملية الاغتيال الأميركية التي استهدفت الشهيدين اللواء قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس ورفاقهما وما أعقبها من ردّ إيراني غير مسبوق تمثّل بقصف قواعد أميركية في العراق. كما تناولت الندوة احتمالات المواجهة في المنطقة وخيارات طهران ومحور المقاومة في الردّ على العدوان الأميركي.
قدَّم للندوة رئيس المركز الاستشاري د. السيد عبد الحليم فضل الله تلاه المحاضر د. سعيد خطيب زادة، واختتمت بمداخلات ونقاشات من قِبَل المشاركين.

د. عبد الحليم فضل الله

لا شك في أن عنوان هذا اللقاء مقتبس من التطورات الراهنة في المنطقة للحديث عن خيارات الجمهورية الإسلامية في إيران بعد العدوان الأميركي وبعد استشهاد الأخوين الكبيرين العزيزين الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وما طرأ من تطورات داخل المنطقة وما أُفصح عنه من سياسات واستراتيجيات جديدة.

إن تسليط الضوء على هذا الحدث وعلى هذه السياسات يأخذ بعين الاعتبار أن التصعيد الأميركي أتى أيضًا في لحظة متوترة وصعبة على مستوى الداخل الأميركي وعلى مستوى المنطقة وعلى مستوى الصراعات الأخرى بما فيها الصراع مع العدو الإسرائيلي.

سوف نحاول التقاط الأسباب الكامنة وراء هذا التصعيد لأننا نعرف أن ترامب يمارس سياسة الضغوط القصوى على الجمهورية الإسلامية، لكن لما دون مستوى الوصول إلى الحرب، وكذلك الضغوط على المستوى الاقتصادي والمستوى السياسي والمستوى الأمني والعسكري، لكن هذا لا يعني أن دائرة اتخاذ القرار في واشنطن لديها نفس طريقة ونمط التفكير، وإن كانت تتقاطع مع ترامب على فكرة الضغط على الجمهورية الإسلامية لكن ربما يوجد في واشنطن من يريد إيصال الأمور إلى الحرب.

الملاحظة الثانية: هي أن هناك إرباكًا في الاستراتيجيات الأميركية في ظل هذه الإدارة، وهناك انقسام في الرأي حول قضايا عدة، من ذلك مثلًا هل الأولوية هي مواجهة الصين أم روسيا أم كليهما معًا؟

هل برز الإرباك أيضًا في موضوع البقاء أو الانسحاب من سوريا؟ هناك أيضًا سؤال: هل لا يزال الخليج جزءًا من الأمن القومي الأميركي كما كان عليه الحال منذ مبدأ كارتر عام 1980 أم أن الخليج غدا بالنسبة إلى ترامب مجرد صندوق سيادي ينبغي ابتزاز الأموال منه؟ هل الشرق الأوسط لا يزال مهمًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية بحد ذاته أم أنه مهم كمدخل للتنافس على أوراسيا مع الصين وروسيا؟ أم لحماية المصالح الإسرائيلية وصيانتها في المنطقة؟

كل ذلك يقودنا إلى القول بأننا في مرحلة حساسة جدًا. قد لا يكون هناك قرار للحرب قد أخذه البعض، لكن التوتّر هذا العام قد يؤدي إلى عتبة الحرب أو حافة الحرب.

كيف كان ردّ الجمهورية الإسلامية على هذا الاستهداف؟ كان ردًا معقدًا وغير بسيط. كان الرد أولًا عسكريًا وأفصحت إيران عن قوة عسكرية فاجأت الأميركيين ربما من حيث التقدّم، كان ردًا سياسيًا عندما بدت المؤسسة السياسية الإيرانية شديدة التوحّد وكان لديها شجاعة اتخاذ القرار، وكان ردًّا شعبيًا تمثل بالمدّ الجماهيري وبروز روح الأمة الإيرانية كما كانت عليه في بدايات الثورة الإسلامية، كما كان ردًّا استراتيجيًا من خلال الإعلان غير المسبوق من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومن قبل تحالف المقاومة بأن الهدف المقبل هو إخراج الولايات المتحدة الأميركية أو القوات الأميركية من المنطقة. ما هي ملامح هذه الاستراتيجية؟ وما هي عناوينها؟ كيف ستنعكس على دور دول الجوار؟ هل هذه الاستراتيجية ستكون في خانة التهدئة والتعاون مع دول الجوار أم أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من التصعيد بتوجيه أميركي. وأين هو مسرح الأحداث الأساسي، هل هو الشرق الأوسط برمّته؟ أم العراق، نظرًا إلى كون العراق هو المسرح أو الساحة الوحيدة ربما التي لم تُحسم المعركة فيها؟ وهل نحن أمام شرق أوسط جديد موحد مصنوع بإرادة أبنائه؟ أم إننا سنقود من جديد تجارب الانقسام على اختلاف أوجه هذا الانقسام؟

نرحّب بكم مجددًا ونرحّب بالضيف العزيز الدكتور سعيد خطيب زادة، الوقت مع الترجمة 30 دقيقة وبعدها يفتح الباب أمام الأسئلة والنقاش، أي لدينا حوالي الساعتين ونتمنى أن يكون هذا النقاش بوجودكم وبمساهماتكم وبمداخلة الضيف العزيز مثمرًا وبناءً.


د. سعيد خطيب زادة

بسم الله الرحمن الرحيم

حسبنا الله ونعم الوكيل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

بدايةً تحية للحضور، كنت أود أن أتحدّث باللغة العربية ولكن للأسف لغتي العربية ليست جيدة بالقدر الكافي، وإنما أفهم اللغة العربية وقد تعلمتها في كلية العلاقات الدولية في طهران.

وبما أن الموضوع على قدر من الحساسية سوف أتحدّث باللغة الفارسية كي تأتي ترجمته إلى العربية، إلا أنني أستطيع طبعًا أن أتحدّث باللغة العربية وأرد على الأسئلة بما يفي بالغرض، وفي حال رغب أحد الحضور أن يطرح الأسئلة باللغة الإنكليزية أيضًا فأنا قادر على ذلك.

بما إنني أريد أن أستمع أكثر إلى الأسئلة وأجيب عنها فسوف أحاول أن أتحدث بإيجاز.

إن ما يحدث في منطقة غرب آسيا إذا ما تمت مقاربته من أي زاوية نجد أن الولايات المتحدة الأميركية هي في صلب الموضوع، وطبعًا إن علاقة الولايات المتحدة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية هي أحد المحاور التي تجري دراسة التطورات أو التغيرات في غرب آسيا بالاستناد إليه. طبعًا وسوف أتحدث عن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة كيف هي اليوم؟

منذ شهر أيار 2018 عند خروج ترامب من الاتفاق النووي نجد أن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة قطعت ثلاث مراحل.

نحن نتحدّث هنا عن الاتفاق النووي الذي وقعت عليه إيران في العالم 2015، في هذا الاتفاق النووي كان هناك بنود تحدّ من النشاط الإيراني وقبلت بها إيران. وطبعًا إيران من خلال النهج الذي تتبعه سياسيًا تعتمد نهج الإيفاء بالوعود والعهود وهذا ما حصل فعلًا، وهذا ما ذكرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحتى مجلس الأمن بحيث أنهم في مرات عديدة (12مرة) اعترفوا بأن إيران كانت ملتزمة ببنود الاتفاق بحرفيته وفعلًا هذا ما كانت تقوم به إيران.

لقد اتخذ ترامب قراره وقام بالتنصّل من هذا الاتفاق. ومنذ إعلان تنصّله من الاتفاق النووي جرى تشكيل مثلث معادٍ للاتفاق، وكان على رأس هذا المثلث السعودية ولاحقًا التحقت بها الإمارات وفي الشقّ الثاني من هذا المثلث كان الكيان الصهيوني، وفي الشقّ الثالث كان هناك طلاب الحرب في الولايات المتحدة الأميركية الذين يُطلق عليهم تسمية المحافظين الجُدد.

هذا المثلث الذي تحدثنا عنه وصل إلى القمة أو الذروة عند مجيء إدارة ترامب ومعه كوشنر في البيت الأبيض ونتنياهو في الكيان الصهيوني ومحمد بن زايد في الإمارات ومحمد بن سلمان في السعودية.

بمجرد خروج ترامب من الاتفاق النووي وتنصّله منه أرسل الأوروبيون والسيدة موغريني إلى إيران عددًا من الرسائل والوفود والذين طلبوا من إيران عدم الخروج من الاتفاق النووي وقالوا إنهم سيقومون بتعويضها عن الضرر الذي نجم عن خروج ترامب من هذا الاتفاق. وطلبوا منا إعطاءهم مهلة ستين يومًا.

يوم خروج ترامب من الاتفاق النووي كان في بروكسل وكانت السماء تمطر، والسيدة موغريني تحدّثت تحت المطر وكان شعرها مبلّلًا وقالت "إنني أطلب من إيران عدم الخروج من الاتفاق النووي".

بالتالي هذا يدل على أنهم كانوا فعلًا إلى هذا الحدّ جادين في طلبهم من إيران عدم خروجها من الاتفاق النووي، وطبعًا كانت قد حصل الكثير من المفاوضات والحوارات داخل إيران.

وقد اتخذنا قرار أن لا نقوم باللعب في ملعب ترامب، وكانت هذه المرحلة الأولى من علاقتنا كجمهورية إسلامية مع ترامب.

وهذه المرحلة سميّت مرحلة الصبر الاستراتيجي ونحن قلنا في هذه المرحلة إننا سوف نكون بالانتظار ونصبر حتى نرى فعلًا إذا ما كانت أوروبا سوف تفي بالتزاماتها أم لا.
وبالمقابل على الضفة الأخرى قام ترامب بفرض العقوبات الشاملة على إيران وهو ما سماه الضغط الأقصى على إيران.

وفعلًا كانوا يتصورون أنه في فترة أقل من الـ 60 يومًا التي حددتها السيدة موغريني بخصوص الوعد الذي قطعته لإيران أن هذا النظام لن يكون موجودًا.

وطبعًا ما أقوله هنا ليس تحليلًا إنما استند في ذلك إلى الأخبار. وترامب يتصوّر أنه بخروجه من الاتفاق النووي سوف يحصل انهيار في إيران، ومضت فترة الـ 60 يومًا واستمرت إيران في المضي بثبات.

كانت تلك بداية مرحلة من الحرب الاقتصادية التي فرضها ترامب على إيران. وفي تلك الفترة كنت متواجدًا في أوروبا ولمدة سنة بقيت أتابع هذه الحوارات والمفاوضات التي تجري عن قرب ويمكنني أن أتحدّث لساعات عن ما جرى داخل هذه الحوارات من تفاصيل بالنسبة للموضوع أو العلاقة بين إيران وأميركا.

على صعيد المعادلات التي فرضت فيما يتعلّق بالاتفاق النووي كان هناك معادلتان: أوروبا ظهرت على أنها عاجزة فعلًا عن أن تقوم بأي شيء فيما خصّ الاتفاق النووي، وأميركا قامت بكل بلطجية باستهداف كل الأمور الحياتية للشعب الإيراني.

وكانت تلك بداية المرحلة التي أخذت فيها أميركا بتجاوز الخطوط الإيرانية الحمراء خطًا تلو الآخر.
تتمثّل بداية المرحلة الثانية في ردّ إيران على الاستهداف الأميركي لها. وقد أعلنت إيران أنها سوف تقلّل من التزاماتها النووية وسوف تقوم بإبعاد الولايات المتحدة أو دفع الولايات المتحدة نحو الخلف بالاستناد إلى الحسابات الدقيقة.

لقد جرّت إيران الولايات المتحدة إلى المحكمة وفعلًا خلقت تحديًا جديًا لها على المستوى السياسي وعلى مستوى المنطقة. وهنا أدركت الولايات المتحدة أن الضغوطات القصوى قد مُنيت بالفشل. فهذه الصدمة الإيرانية قد تخلّص منها المجتمع الاقتصادي الإيراني، والعملة الإيرانية استعادت نصف قيمتها، وطبعًا أميركا كانت تريد أن تصل إيران إلى مستوى صفر على صعيد الاستفادة من النفط، ولكن إيران استطاعت أن تستغل كل الطاقات لديها كي تخرج من هذه الضائقة.

ولأول مرة وصلت الموازنة السنوية في إيران إلى مستوى أقل من 30% اعتمادًا على النفط وهو ما يُعتبر إنجازًا.

هذه العقوبات الأميركية تحوّلت إلى فرصة بالنسبة لإيران. ونحن هنا لا نعني أن عامة الشعب الإيراني لم تُمارس عليه هذه الضغوطات ولم يكن فعلًا تحت الاستهداف الأميركي، لا هو كان كذلك، ولكن ما أريد قوله هو أن الضغوطات القصوى التي مارستها الولايات المتحدة قد خسرت وفشلت في أن تُسقط النظام في إيران.
وعندما نتحدّث عن العقوبات الإيرانية، نلفت إلى أن هذه العقوبات لم يجر تطبيقها في أي دولة من دول العالم، وكانت فعلًا فريدة من نوعها، وإذا ما أردنا أن نأخذ مثالًا تركيا فقد أعلنوا أنهم يريدون فرض عقوبات على وزيرين من الوزراء، وبمجرّد إعلان العقوبات أو المقاطعة لهذين الوزيرين فقدت العملة نصف قيمتها.

كما أن 90% من الأدوية والاحتياجات الطبية جرى إنتاجها في إيران، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تُطبّق في الحرب أُعيد تطبيقها ولكن بشكل ذكي وفطن حتى يستطيع الناس الاستمرار في حياتهم وهو ما حصل بالفعل.

مثلًا في حرب صدّام على إيران، طبعًا هنا نحن لا نتحدّث عن فترة العقوبات لأنه لا يوجد عقوبات حينها، نحن في إيران اضطررنا أن نقوم باعتماد نظام الحصص، بمعنى الحصص المعيشية التي توزع على أفراد الشعب (الإعاشات).

ولكن اليوم بالرغم من كل الضغوطات الأميركية ليس هناك أي شيء مما يحتاجه الناس مفقود وحتى التعاونيات والاستهلاكيات والمحال مليئة بالمواد.
عندما استنتج ترامب أنه قد فشل مرة أخرى، بدأت المرحلة الثالثة من الاستهداف الأميركي لإيران، وكان هناك محور المقاومة الذي يتمتع بالقوة والقدرة ويمتد من سوريا إلى اليمن ومن العراق إلى لبنان.

هذه الخسارة الاستراتيجية التي حصلت لأميركا في هذه المنطقة دفعت الولايات المتحدة إلى أن تقوم بكسر الخطوط الحمراء الأخيرة في علاقتها مع إيران، طبعًا أتحدّث هنا عن الاغتيال الجبان للقائد الشهيد الحاج قاسم سليماني ومعه السيد أبو مهدي المهندس.

هذه المرحلة من المواجهة بدأت عبر الاغتيال من قبل دولة، الاغتيال الصريح أو إرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتحدة في المواجهة المباشرة مع إيران.

الردّ الإيراني كان يمثل المرحلة الثالثة من العلاقات بين إيران والولايات المتحدة. والردّ كان ببساطة إذا ما ضربتم سنضرب، لقد قمتم بضربنا بشكل جبان وفي الليل ونحن سوف نرد وسوف نقوم بقصف مواقعكم.

ونحن أعلنا أننا سوف نقوم بالردّ وسوف نضربهم وسوف نقوم بالردّ بشكل عسكري وهذا ما فعلناه. اسم هذه المرحلة الجديدة هو "الردّ الشامل" على الولايات المتحدة.
وطبعًا هذه المرحلة وهذا الردّ يستندان إلى فهم محدّد، وهو أن الردّ القوي والصلب هو الذي يردع الولايات المتحدة عن الاستهداف وعن الإرهاب.

قبل اغتيال الشهيد قاسم سليماني كل ما كان يُقدم عليه ترامب لم يلق أي ردّ، وهنا أنا أتحدّث بداية من نقل السفارة الأميركية إلى القدس وحتى الخروج من الاتفاق النووي. وكل خطوة قام بها لم تلق أي رد.

كانت سياسة أميركا في غرب آسيا هي سياسة binary (0-1) فهي إما الاستسلام، وإما الحرب أو العقوبات. فردُنا كان لا الحرب ولا الاستسلام.

وكان الرد الإيراني لتجنّب بداية أي حرب. وذلك كي نعيد الردع مرة أخرى إلى المنطقة، فإذا ردّت إيران لن تحصل أي حرب، ولكن الولايات المتحدة قد أدركت أنها إذا ما أرادت أن تقود أي حرب فإن إيران مستعدّة لها.

من الناحية الاستراتيجية ما قامت به الولايات المتحدة وما قام به ترامب هو الذي دفع إلى أن تقوم إيران بإبراز بعض من الجوانب أو الوجوه الاستراتيجية لديها وليس كلها. والأهم من ذلك هو أن الردّ الإيراني قد رفع مرة أخرى من ثقة المقاومة بنفسها. والنقطة الثالثة التي استطاعت إيران أن تبنيها من خلال الردّ هي أن الولايات المتحدة معرّضة للإصابة ومستوى تعرّضها للإصابة كبير. وإيران لم تكن تريد التصعيد مع الولايات المتحدة ولكنها كانت تستطيع أن توقع عددًا كبيرًا من قتلى الجيش الأميركي إذا ما أرادت ذلك في ردّها على الولايات المتحدة.

الذين يفقهون جيدًا بالاستراتيجية يعلمون أن الردّ الإيراني قد بيّن بعضًا من الجوانب التي لم تكن الولايات المتحدة ترغب في أن تظهر إن كان في الجانب الإيراني أو عندها. وهي بيّنت أن لدى إيران هذه المفاتيح الاستراتيجية التي أتحدّث عنها كما أن لدى أميركا نقاط ضعف، فكل ما كانت تستنتجه الولايات المتحدة عن حجم قوتها كان يفوق قوتها على الأرض عمليًا، وهذا ما بيّنته إيران في هذا الردّ وهو أن الولايات المتحدة قابلة لأن تتلقى الضربات ويمكن أن تتلقى ضررًا كبيرًا أكثر مما تدّعي أنها قوية في منطقة غرب آسيا.

وطبعًا أنا واثق أن لديكم بعض الأسئلة. ولكن أرغب هنا أن أعرّج قليلًا لأتحدّث عن موضوع استشهاد القائد الحاج قاسم سليماني.

منذ بداية تولي ترامب للحكم في الولايات المتحدة كان هناك هوّة موجودة بين فهم ترامب لهذه المنطقة وبين توجهات الفريق الذي ينادي بخوض الحرب الذين كانوا محيطين بترامب كانوا في الواقع مستائين من الجو الجيوسياسي الموجود لدى محور المقاومة في هذه المنطقة، طبعًا هنا نتحدّث عن المقاومة وعن المطالبة بالاستقلال، وهذا الجو كان مزعجًا بالنسبة لهم ولا سيما لشخصيات مثل بولتون وبومبيو وأشخاص من المجلس الأعلى للأمن القومي.

يبدو أن هذين الفريقين أو الطرفين، وهنا أتحدّث عن ترامب وهذا الفريق المحيط به، يبدو أنهما بدآ بالتقارب واستطاعا إلى حد معين التأثير على ترامب وقولبة تفكيره وفهمه ضمن إطار الفهم الذي لديهم لهذه المنطقة.

وهذا الفهم الذي أتحدث عنه يقول بأن محور المقاومة قائم على عدة أعمدة أحدها هو الحاج قاسم سليماني وإذا ما قضينا عليه فإننا سوف نستطيع أن نؤثّر بشكل سلبي على محور المقاومة وعلى الوضع الجيوسياسي لمحور المقاومة. وهذا يدل على أنهم فعلًا حمقى وعلى مستوى حماقتهم وسذاجة تفكيرهم.

فشخصية مثل الحاج قاسم هو ابن المقاومة، والمقاومة ولادّة وليس هو الذي يلد أو يخلق هذه المقاومة. فمنذ استشهاد الحاج قاسم سليماني أصبح هناك نوع من الوحدة بين إيران والمنطقة على مبدأ المقاومة.

ومرة أخرى انتصر الدم على السيف، وهذا ما نؤمن به بشكل كامل ومطلق وأن الحق سوف ينتصر وأن الله غالب على أمره.

إن 430 مدينة في الهند و170 مدينة في باكستان وفي غيرها من المدن في المكسيك وفنزويلا كلها استنكرت ما قام به ترامب وأقامت مجالس العزاء للشهيد سليماني. إن المطالبة بالثأر لدماء الحاج قاسم سليماني بدأت من لبنان إلى العراق، إلى الأماكن التي هي خارج الحدود والجغرافيا الإيرانية. وطبعًا هذا هو الردّ على استشهاد الحاج سليماني وليس الردّ هو استهداف قاعدة عين الأسد.

وهذا الألم الذي شعرت به إدارة ترامب منذ استهداف الحاج قاسم سليماني هو ألم تصاعدي وسوف يزداد يومًا بعد يوم. وكل ما قامت به الولايات المتحدة قد فشل، ولكن أهم حدث سوف يحصل سيكون في العراق، وطبعًا نحن لن نفعل ذلك. اليوم الشعب العراقي يطالب بالثأر لدماء الشهيد قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس. 
والقرار الذي اتخذه البرلمان العراقي لإخراج قوات الولايات المتحدة يدل على هذا الأمر. وطبعًا أنتم تعرفون أكثر مني، بما أنكم تعيشون في لبنان.
منذ شهرين أو ثلاثة أشهر والمنابر تتحدّث عن أن ما يحصل في لبنان وفي العراق هو ضد الجمهورية الإسلامية.

وطبعًا نحن نعرف هذه الأحداث التي تحصل في العراق ولبنان. إن خطة الولايات المتحدة هي استغلال المظاهرات في لبنان والعراق وتحويرها لكي تكون ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.

واليوم بات إخراج الولايات المتحدة من المنطقة هو أيضًا نتيجة، وأصبح إحدى نتائج التظاهرات التي خرجت بها الثورات. وهذا أيضًا يدل على الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الولايات المتحدة في استهدافها للحاج قاسم سليماني.

وأيضًا لدي القليل لأتحدث به عن شخص الشهيد قاسم سليماني، فالذين يعرفونه شخصيًا يعلمون أنه كان النداء والصوت للمقاومة والمنطق العقلاني والعقلانية في نفس الوقت.

وأميركا باستهدافها للحاج قاسم سليماني قامت بقتل الجنرال الذي كان يوفر أكبر حالة من الأمن في المنطقة. وأيضًا قامت باستهداف أهم قائد وأهم جندي يواجه داعش ويواجه التطرّف. أنتم تتذكرون عندما اقتربت داعش من بغداد ومن أربيل، وهنا الحديث عن أربيل للسيد برزاني الذي كان يتحدّث في لقاء أنه اتصل بأميركا وألمانيا وفرنسا وأخبر هذه الدول أن أربيل على وشك السقوط في يد داعش وقالوا له إنهم سيبحثون في هذا الموضوع. بعدها اتصل بالحاج قاسم سليماني، طبعًا بعد أن اتصل بالحكومة الإيرانية، في اليوم التالي صباحًا كانت المساعدات الإيرانية لمواجهة داعش موجودة في أربيل والحاج قاسم سليماني بنفسه كان حاضرًا هناك.

الولايات المتحدة قد حرمت هذه المنطقة وحرمت نفسها من هذه القوة التي تواجه التطرّف.

ماذا سيكون عليه المستقبل؟
إيران سوف تقوم بمتابعة برامجها ومشاريعها على ثلاثة محاور: على المستوى الداخلي، بدايةً سوف تكون الأولوية لحلّ المشاكل الاقتصادية، فالحكومة الإيرانية قد اتخذت قرارًا بأن أهم بعد للعقوبات الأميركية هو بُعدها الاقتصادي. 
وقد ذكر بومبيو عدة مرات أنهم سوف يقومون بتجويع الشعب الإيراني حتى يتبدّل نظام الحكم في إيران، وطبعًا هذه مجرد أحلام واهية لا يمكن تحقيقها.

بحمد الله، البرنامج الاقتصادي أو الخطة الاقتصادية تمضي قُدمًا بشكل جيد، والنمو الاقتصادي السلبي قد انتهى والبنك الدولي قد قال إنه في العام 2020 سوف تشهد إيران نمو اقتصاديًا إيجابيًا وهو بداية لمرحلة جديدة واعدة. وفي هذه المرحلة سوف يتمّ تقليل الاعتماد على النفط في الاقتصاد.

طبعًا علاج الوضع الاقتصادي في إيران فيه الكثير من الآلام وبالتالي كانت الحكومات السابقة تتجنب الخوض فيه. وهنا أتحدّث عن علاج الموضوع المالي، علاج موضوع المصارف وموضوع الموازنة وعلاج موضوع الأجهزة الحكومية والوزارات. والعلاج بدأ في كل هذه المرافق والمستويات بشكل جدي وهذه بداية مرحلة العلاج.

هذه كانت المرحلة الأولى. المرحلة الثانية على المستوى الإقليمي حيث تتابع إيران سياسة تقوية العلاقات مع دول الجوار بشكل جدي أكثر، وهذا ما قد أطلقنا عليه مصطلح سياسة دول الجوار. وهنا نشير إلى أن الولايات المتحدة تريد أن تجعل من دول الجوار منطلقًا للمواجهة والخلافات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فيما إيران تحاول أن تُبعد دول الجوار عن المواجهة معها، وهنا أخصّ بالذكر لبنان والعراق. والسبب في ذلك أن لبنان والعراق هما من أكثر الدول قربًا من الجمهورية الإسلامية. بالنسبة لدول المنطقة أعلنت إيران أن أي دولة تقوم الولايات المتحدة باستخدام أراضيها لشنّ هجوم على إيران فإنها سوف تقوم بالردّ على القاعدة الموجودة داخل هذه الدولة.

طبعًا هذا الموضوع قد أعلمنا به دول المنطقة بشكل خطي وهذا يمثّل استراتيجيتنا. قمنا بإبلاغ رئيس الوزراء العراقي عن هذا الموضوع قبل أن نقوم بالهجوم أو أن نستهدف قاعدة عين الأسد.

الشقّ الآخر من العمل الإقليمي للجمهورية الإسلامية هو المواجهة الشاملة مع الصهاينة إلى جانب تقوية محور المقاومة.

وأيضًا في الشق الثالث من البُعد الإقليمي سوف تقوم إيران ببعض الترتيبات الإقليمية الشاملة والواسعة، وهذه الترتيبات سوف تنطبّق على دول المنطقة بدون أي تدخّل أو حضور للقوى الأجنبية.
هذه النقطة قد جاء ذكرها في مقترح هرمز للسلام الذي قدّمته إيران ما يعني إخراج كل القوى الأجنبية من الخليج الفارسي ومضيق هرمز.

طبعًا ليست كل دول المنطقة مستعدّة للمضي قُدمًا في هذا المقترح ونخصّ بالذكر السعودية والإمارات. إن محمد بن سلمان ومحمد بن زايد لم يعطيا ردًا سلبيًا على هذا المقترح ولكن في رأيي أنهم قد وضعوا كل بيضهم في سلة ترامب.

على المستوى الدولي: الولايات المتحدة تريد عزل إيران والمشروع الذي لدينا هو أن نقوم بعزل ترامب وأن نُبقي أميركا- ترامب معزولة. هذا يعني أن إيران سوف تبقى في الساحة الدولية كلاعب مسؤول.

وهنا نحن نتحدّث عن المضي قُدمًا في مسار إيجاد مسار بديل للهيمنة الأميركية وأتحدّث هنا عن نظرية الجنوب العالمي التي تنخرط فيها دول مثل روسيا والصين وإيران وكل الدول التي ضاقت ذرعًا بنظام الهيمنة الذي تمارسه الولايات المتحدة وسوف نستمر في ذلك إلى أن تعود أميركا إلى رشدها وتقوم بممارسة السياسة بشكل عقلاني وصادق.

نحن نمر الآن بمرحلة خطيرة وهناك بعض المجانين في بعض الدول الذين يطبّلون للحرب، وفي كل هذه الأجواء سوف تُبقي إيران على نداء العقلانية وصوتها. في هذا المسار سنقوم بمشاورات مع كل الدول ومن بينها الدول الأوروبية، وفي حين أننا جاهزون لمواجهة أي سيناريو أعتذر عن الإطالة وأنا مستعد للإجابة عن أسئلتكم وأتمنى أن تكون أسئلة صعبة. سوف نبذل كل مساعينا من أجل أن نتخطى هذه المرحلة بدون أن تحدث أي حرب.


الأسئلة والردود 

بعد انتهاء د. سعيد خطيب زادة من تقديم كلمته التي تمّت ترجمتها إلى اللغة العربية في أثناء تقديمها فُتح باب النقاش وأبدى بعض الحضور ملاحظات وأسئلة تركزت على النقاط التالية:

على المستوى الإقليمي، كيف سيتغيّر دور إيران، هل سيتعزّز الوجود الإيراني في المنطقة من النواحي الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية؟ ما هي بنود مبادرة هرمز للسلام وما هو موقف دول الخليج منها؟

كيف سيتم العمل على إخراج القوات الأميركية من المنطقة؟ وماذا يعني القول إن أمن المنطقة يجب أن يقدّره دولها وأن لا تعتمد على شراء الأمن من الخارج؟

ماذا عن التنسيق بين إيران والصين وموسكو، في ما يتعلق بسلاح العقوبات الاقتصادية الذي تستعمله الولايات المتحدة؟

بعد التظاهرات المليونية بمناسبة تشييع الشهيد قاسم سليماني والرد العسكري الإيراني على قاعدة عين الأسد، هل تعتقد أن الإدارة الأميركية ندمت على عملية الاغتيال؟

كيف تنظرون إلى الدور التركي، لأن تركيا تتبع سياسة التوسّع الإقليمي وخاصة في المشرق العربي، والآن تريد التمدّد في المغرب العربي، وتركيا ليست على نفس الاتجاه ولا الموقع الذي فيه محور المقاومة. والسؤال يشمل الأكراد أيضًا.

 

 ردّ د. خطيب زادة على هذه الأسئلة كالآتي:

المنطقة هي لدول المنطقة، أريد منكم أن تلتفتوا إلى ما سأقوله وأن تنصتوا بشكل جيد ودقيق، الولايات المتحدة كانت وما زالت تمثّل الإمبريالية العالمية والهيمنة على المنطقة والعالم. 

إيران تؤمن بأن عصر الهيمنة، بالمطلق، وعصر الهيمنة الأميركية قد انتهى، فلا أميركا ولا أي دولة أخرى يمكنها أن تكون الطرف المهمين، وبالتالي إيران بطريقة أو بأخرى لا تريد بأي شكل من الأشكال أن تكون الطرف المهيمن على أي دولة.

إيران عمليًا هي صوت الدول المهمّشة، الدول التي لا تريد أن تدخل في حروب ولا تريد أن تستسلم في نفس الوقت. وبالتالي فما نسعى إليه هو أن نصل إلى منطقة قوية وليس مجموعة من دول قوية في منطقة ضعيفة.

هذا يعني أن كل ما نعتقد به يجب أن يحصل له بعض الترتيبات الشاملة وواسعة النطاق.

أنا هنا لا أتحدّث بطريقة ديبلوماسية، وبصراحة لا يمكن أن يكون مجلس التعاون الخليجي الذي هو ضد إيران والعراق موجودًا وفي نفس الوقت تتوقع أن تحصل على الأمن في المنطقة. إن سياسة دول الجوار التي تحتاجها إيران ومقترح هرمز للسلام هو الحديث عن هذه الترتيبات الواسعة والشاملة التي تمتد إلى البحرين والسعودية. طبعًا مقترح السلام هذا ليس ملكًا لإيران وحدها، ولكن هي التي قدّمته واقترحته. اسمحوا لي هنا أن أتطرق إلى بعض النقاط الأساسية في هذا المقترح.

بداية أن يكون هناك اتفاقية لعدم الاعتداء، وأيضًا اتفاقية لعدم التدّخل في شؤون دول أخرى. كما أن أمن الطاقة للمصدّر وللمستورد وحرية الملاحة البحرية وغيرها من الترتيبات والإجراءات التي يمكن أن تحصل ضمن التعاون بين الشعوب.

هل يمكن لأحد أن يعارض مثل هذه المقترحات؟ ولكن أميركا تعارضها، ولا يخفى أن هذه المقترحات هي عمليًا تعني نهاية بيع الأمن لدول المنطقة.

سوف أجيب الآن عن سؤال إخراج القوات الأجنبية من الخليج الفارسي. بدايةً دول الجوار العربية وخاصة السعودية والأمارات تخاف من هذا الأمر وحتى قطر والكويت أيضًا والسبب في ذلك هو أنهم يبتاعون ويشترون أمنهم من الخارج.

الأمن لا يحصلون عليه من شعوبهم بل يحصلون عليه من الأسلحة الأميركية والإنكليزية والفرنسية، والقواعد الموجودة، في هذه الدول. مثلًا قطر تريد أن يكون هناك قاعدة أميركية على أراضيها من أجل أن لا تستهدفها السعودية، والإمارات أيضًا تريد أن يكون هناك قواعد فرنسية من أجل أن يكون لديها قدرة على مواجهة سلطنة عمان أو أي دولة تعتقد أنها تشكّل خطرًا بالنسبة لها.

السؤال هو التالي: هل هذه الدول عبر شراء الأسلحة بمئات مليارات الدولارات أصبحت تتمتع بمستوى أعلى من الأمن وأصبح هناك مزيد من الأمن فيها؟ لا أظن.

يجب أن ينتقلوا من عقلية شراء الأمن إلى عقلية خلق الأمن بشكل جماعي ذاتي، وهذا يعني التعاون، بينما شراء الأمن يعني المعاداة والعداوات. هذا التغيير الكبير أصبحت منطقة غرب آسيا مقبلة عليه وهذه هي النظرة والمقاربة الاستراتيجية التي تتحدّث عنها إيران منذ عدة سنوات.

إن إيران قد اتخذت قرارها بأن تخلق الأمن لديها عبر التعاون. في السنة الماضية الموازنة العسكرية لإيران كانت بقيمة 6 مليارات دولار، بينما كانت الموازنة التسليحية لكل من السعودية والإمارات وقطر والكويت في السنة الماضية 118 مليار دولار.

الآن يمكنكم أن تحكموا، هل لديهم أمن أكثر؟ الأميركيون يستطيعون أن يبيعوهم إلى جانب السلاح هذه الهالة من انعدام الأمن في أذهانهم وبالتالي هم يذهبون إلى شراء الأمن، ولكن الأمن الدائم في المنطقة لا يتحققّ سوى بخروج القوات الأجنبية منها، أضيف هنا إن مساعدة إيران لمحور المقاومة ليست بأمر جديد. إن الأميركيين والإسرائيليين يسعون إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، ونحن بمساعدة أصدقائنا في دول المنطقة استطعنا أن نعيد فلسطين إلى مركز الصدارة وأن تعود هي القضية المركزية للأمة. والأساس هو ليس الحديث عن حزب الله وعن الحشد الشعبي أو عن أنصار الله بل الموضوع الأساسي هنا هو القضية الفلسطينية.

بالنسبة إلى العالم المتعدّد الأقطاب، طبعًا العالم في تقدم مستمر ونحن لا نعلم ماذا سيحلّ في المستقبل، وفي المراحل المختلفة يجري تحديد الأدوار. والعالم الجديد مهما كان وبأي شكل كان لن تكون أميركا هي القوة الوحيدة الموجودة فيه، العالم هو أيضًا ولاّد، وهذا المخاض أي مخاض الولادة الجميع يشعر به، ولكن يجب أن نقوم بمساعدة بعضنا كي نكون نحن اللاعبين الجدّد في هذا العالم.

بالنسبة للدور التركي، تركيا في رأينا وفي كثير من الأماكن وفي كثير من النقاط هناك اختلاف في وجهات النظر بيننا وبينها، وأهم اختلاف في وجهات النظر هو في سوريا.

لقد اتخذنا قرارًا بإن هذا التباين في وجهات النظر لا يجب أن يؤدي إلى أن نغفل عن القواسم المشتركة بيننا ونحن قد عبّرنا عن وجهة نظرنا بشكل صريح للجانب التركي بالنسبة لسوريا والأكراد. 

ولكن أود القول إن تركيا في كثير من الأماكن لعبت دورًا قريبًا منا وكان دورًا بنّاءً وبالتالي نحن لا نريد أن يكون هذا التباين في وجهات النظر هو مدخل إلى الخلافات بيننا.

وأيضًا سألتم هل أن أميركا شعرت بالندم؟ من جرّب المجرّب حلّت به الندامة، وسوف أتحدّث معكم بكل شفافية وصدق، الشخص الجاهل وهو الذي لا يعلم أنه جاهل، وأنا استبعد أننا نستطيع أن نستنهض هذا الشخص وأن نوقظه، إذا كان نائمًا يمكننا أن نقوم بإيقاظه، ولكن إذا كان هو يريد أن ينام وتظاهر بالنوم فمهما فعلت لن يستيقظ.
إن الذين يريدون أن يتلقفوا رسائل عين الأسد قد تلقفوها والذين يجب أن يتلقفوا رسائل التواجد الإيراني في المنطقة قد تلقفوها بالفعل.

أما بالنسبة لترامب والذين معه الذين يريدون دائمًا أن يكون لديهم نظرة مختلفة لهذه الأمور وينظرون إليها بشكل مختلف سوف يأتي يوم ويتقبلون فيه أنهم قد أخطأوا؟ وأقدموا على اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي الخاطئ. 

أهم خطأ استراتيجي ارتكبته الولايات المتحدة هي أنها قامت بتبديل الدولار إلى سلاح، وبالتالي أي شيء يتم تبديله بسلاح وهذا السلاح سوف تجري مواجهته بشي آخر هو الدفاع.

تركيا، سوريا، الصين، إيران، بدأوا مسار التجارة بدون الدولار ونتمنى أن يستمر هذا المسار ويجري تعميمه.
بالنسبة لاستشهاد الحاج قاسم سليماني، أنا عضو في لجنة الحاج قاسم سليماني، وأحد الأمور التي بدأنا بمتابعتها منذ اليوم الأول هو رفع الدعاوى في المحافل الدولية ضد الولايات المتحدة وقد اتخذنا عدة تدابير ومراسلات وهذا الموضوع ما زال مستمرًا.
بالنسبة لترامب أنتم تعلمون أن الولايات المتحدة حتى قبل ترامب كانت هي أكبر من يقوم بانتهاك الحقوق وهذا ليس شعارًا. 

 

أسئلة إضافية:
بعد ردّ د. خطيب زادة على الأسئلة الأولى التي وجّهت إليه عاد بعض الحضور إلى طرح أسئلة جديدة اقتضت ردودًا جديدة، وذلك كالآتي:

هل تعتقد أن عزل ترامب أمر واقعي؟ أو أن ترامب سيساهم في عزل الولايات المتحدة على الصعيد الدولي؟

كيف تواجه إيران مفاعيل العقوبات الاقتصادية داخليًا، وهل يمكن القول رُبّ ضارّة نافعة؟

ماذا عن موضوع القنبلة النووية التي تزعم الإدارة الأميركية أنها تعمل لمنع إيران من امتلاكها؟

كيف تنظر إلى موضوع إخراج القوات الأميركية من العراق؟

ما تقييمكم للمواقف العربية والإسلامية من صفقة القرن؟

ما صحة ما يقال عن وجود علاقات ورسائل سرية بين إيران والسعودية؟

 

ردود د. خطيب زادة 

سوف أبدأ بالإجابة عن السؤال حول عزل ترامب أهو أمر غير واقعي أو هو رفع للسقف إلى حد غير واقعي؟ ترامب هو أكثر الرؤساء الأميركيين عزلة، فلماذا لا نعتبر ذلك أمرًا واقعيًا؟ علينا فقط أن نكون فطنين إلى أن لا يخرج من هذه الحالة- العزلة.

طبعًا أنا لم أتحدّث عن أن لدينا هذه الآمال والتطلعات إلى أن نجعل الولايات المتحدة معزولة في العالم. فترامب هو الذي فعل ذلك وهو الذي عزل أميركا.

إن العلاقات العابرة للأطلسي وصلت إلى هذا المستوى المتقدّم من التأزم. نحن موجودون هنا وهناك يقومون بعزل ترامب، فهو يواجه كل العالم، كندا والصين وروسيا وأوروبا وإيران. والذين هم في ائتلاف معه هم نتنياهو ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد. أنا كمختص في العلاقات الدولية أقول لكم إن أميركا لم تكن في يوم من الأيام معزولة بقدر ما هي اليوم. 

في موضوع العقوبات الاقتصادية سأحاول أن اختصر لعدم الكرار.

سألتم عن العقوبات الاقتصادية، وأنا سوف أذكر بعض النقاط حول هذا الموضوع. فقدت والدي في العام 2011 وكان مصابًا بالسرطان، ولم يكن هناك دواء، وطبعًا كان بإمكاني أن أحضر له الدواء من أي مكان. لقد شعرت بآلام الناس بكل وجودي فالشعب تحت الضغط ولا يمكننا أن نقول بأن الأميركيين هم الذين قاموا بفرض العقوبات على الشعب الإيراني، الأميركيون مجرمون. وواجبنا نحن كسلطة حاكمة أن نقوم بتأمين كافة احتياجاتهم حتى لو كان من أي مكان. وهذا ما نقوم به اليوم، وهذا لا يعني أن كل شيء مثالي.

إن ما قلته هو أن أميركا كانت تريد تجويع الشعب الإيراني فيما الإيرانيين اليوم ممتلئة بطونهم، وكانوا يريدون أن تتغير مقاربة أو نظرة إيران الاستراتيجية وأن تخرج من تحالفاتها مع أصدقائها ومع المقاومة ولكن نجد أنها اليوم تدعمهم بشكل أكبر. وكانت تريد أن تدفع إيران إلى التعاطي بانفعال لكي تقوم ببعض الأعمال المتهوّرة وغير المقبولة ولكن نجد اليوم أن إيران تتصرّف بطريقة أكثر عقلانية.

وأيضًا أرادت أميركا هزيمة إرادة المقاومة في إيران ولكن إيران اليوم هي مقاومة أكثر من ذي قبل. هذا ما أقوله وهذه الجملة ليست مجرد شعار بالنسبة لكم أنتم الذين تعيشون في لبنان. فنحن حتى آخر قطرة دم قد عاهدنا أنفسنا على أن ندفع إيران نحو التقدّم والتطور.

وأنا اليوم يمكنني أن أتحدّث معكم لساعات عن التطور الذي أحرزته إيران بدءًا من تقنية النانو إلى صناعة الأدوية وغيرها...

إن ترامب ومحور الصهاينة يريدون سلب إيران المستقبل ونحن لن نمكّنهم من سلب إيران المستقبل بعون الله تعالى، وبالتعاون مع أصدقائنا في العالم وفي المنطقة. نحن لا نريد التصعيد لكننا ندافع عن حقوقنا. ضعف إيران الذي كان موجودًا هو ولا يزال حتى الآن هو الاقتصاد النفطي، البطالة، المشاكل البنيوية والهيكلية التي تتعلّق بالقطاع المالي وقطاع المصارف، ولا يمكننا إخفاء هذه المشاكل.

وأيضًا هناك حالة من التململ الشعبي من بعض المواضيع الاقتصادية وهذه موجودة في إيران، ونحن لا يجب أن نخفي هذه الأمور ولن نخفيها أصلًا. ولكن المهم هو أننا نقوم بالحركة ضمن المسار الصحيح.

بالنسبة لموضوع القنبلة النووية، هذا موضوع شرعي يفتي به المرشد الأعلى وليس أنا، وحسب ما قال المرشد فإن القنبلة النووية لجهة أبعادها الإنسانية الخطيرة على كل البشر محرّمة ليس فقط على إيران بل على كل الدول الأخرى. نحن إذًا ملتزمون بالفتوى الشرعية إضافة إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية.

في باكستان مصرَّون على امتلاك السلاح النووي، لكن الأساس الفكري والعقيدي لديهم مختلف عنا، طبعًا أنا بصفتي شخص قد درس الاستراتيجية وأقوم بتدريسها هناك مشكلة أود الإشارة إليها وهي أن السلاح النووي يمكنه إيجاد الردع في حالة واحدة عندما يكون عدوكم لديه قدرة أقل منكم على الردع، بالموضوع النووي حتى فكرة الردع غير موجودة ولا مطروحة.

هل تستطيع الآن "إسرائيل" أن تستخدم القنبلة النووية في لبنان وفلسطين؟ وهل أدى امتلاكها للقنابل النووية أن يكون لديها مزيد من الأمن؟ ولكن هنا يجب أن نفصل بين أمرين: نحن لدينا التقنية النووية في أعلى مستوياتها ونستطيع أن نمتلك هذه التقنية، هم لا يخشون القنبلة النووية إنما يخافون فعلًا من التقنية النووية التي لدينا، وهذا هو المستقبل الذي تحدّثت عنه بالنسبة لإيران.
النقطة الثانية: أننا لسنا لاعبين مقيدين أو مكبلين داخل إيران، ففي حال قيام الأميركيون والأوروبيون بمزيد من الخطوات ضدنا أو أنهم تخطوا الحدود أكثر من هذا الحد فليس مستبعدًا أن نقوم نحن كإيرانيين بالخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهذا لا يعني صناعة القنبلة النووية بل يعني أن إيران سوف تقوم بإعادة مراجعة لعقيدتها النووية.

إيران هي لاعب لديها الكثير من الفكر الاستراتيجي. ولسنا أشخاص مثاليين وكاملين ولكن أيضًا نحن لسنا تابعين، ونحن نسعى بقدر ما نستطيع والله الموفّق.

جرى طرح عدة أسئلة عن موضوع خروج الأميركيين، بدايةً أقول إن إيران ليست هي التي تريد إخراج أميركا من العراق بل إن أميركا سوف تخرج، وهذا ليس هدفًا بحد ذاته، بل هو مسار ونمشي في هذا المسار خطوة بخطوة ويجب أن تعود أميركا من خلال هذا المسار إلى ما قبل العام 2001. عندما هجمت على أفغانستان والعراق وانتشرت في المنطقة وأوجدت الإمبريالية الحديثة.

هذا مسار واقعي وحقيقي وليس هو محض خيال، إيران هي جزء من مسار إخراج الأميركيين، ولكن منذ اغتيال الحاج قاسم أصبحت إيران هي المحرّك لهذا المسار فالشعوب العربية بذاتها لا تقبل الاحتلال، والمصير الحتمي لأميركا أنها سوف تخرج من المنطقة.

أيضًا جرى طرح أسئلة عن موضوع العقوبات، هل هناك تفاوت ما بين ترامب وبين الحكومة الأميركية. إن ما يمكن أن يدفع أي دولة أو أي فرد إلى القيام بأمور غير معقولة هو "الإدمان"، الإدمان على المخدرات، أو ربما الإدمان على فرض العقوبات. وأميركا مدمنة على هذا الموضوع.

ويبدو أن منسوب الإدمان قد أرتفع لدى ترامب بحيث أنه كلما فرضت عقوبات يريد فرض المزيد منها، والآن يقول إنني سأقوم بفرض العقوبات على كل إيران ولم يعد يكفيني ما كان موجودًا من العقوبات. وربما يريد أن يفرض العقوبات على كل المنطقة، لقد فرضها على روسيا والصين ولبنان والعراق، وحتى على صناعة المحركات الأوروبية قام بفرض تعرفة جمركية بزيادة 25%. وأنا أقول لكم أن كل هذه الإجراءات في النهاية سوف تواجه بردة فعل.

بالنسبة للسؤال عن صفقة القرن أقول إنها بدأت منذ اليوم الذي جاء فيه ترامب إلى البيت الأبيض، وهذا التراخي المفرط من قبل إخواننا في الدول العربية أدى إلى أن يبلغ من الجرأة حد فرض الصفقة عليهم. إن التبعية والتراخي الذي بدأ من السعودية وغيرها يدفعه إلى الاستنتاج أن العالم العربي هو الآن في أضعف حالاته.

وهم يعتقدون، وهذا طبعًا اعتقاد خاطئ، أنهم إذا ما أعلنوا عن صفقة القرن فسوف تصبح القضية الفلسطينية من التاريخ وسوف تذهب طي النسيان.

إذا عدنا إلى حادثة نقل السفارة الأميركية إلى القدس فلو لم يكن هناك موافقة من السعوديين مثلًا لكان العالم العربي خرج كله في تظاهرات منددة بهذه الخطوة. في إندونيسيا وماليزيا خرجت تظاهرات وكانت أفضل من الدول العربية، وهذا واقع مرّ.

بالنسبة للمزاعم التي تتحدّث عن العلاقة بين إيران والسعودية والمراسلات وغيرها، أنا لا يمكنني أن أؤكد أو أن أنفي هنا، ولكن أقول لكم إن السعودية حتى الآن ليست مستعدّة لأن تدخل معنا في هذا الشأن، على الرغم من أن إيران تحاول منذ سنوات أن تدخل في هذه المفاوضات ولكنهم وضعوا كل بيضهم في سلة كوشنير وترامب.

تحميل الملف
المقال السابق
سلسلة التقدير الاستراتيجي: الإتجاهات الاستراتيجية، غرب آسيا وشمال أفريقيا 2020/ العدد الثاني - آذار 2020
المقال التالي
نشرة المصادر الإلكترونية | إعداد مديرية المعلومات - العدد الرابع / كانون الأول 2019

مواضيع ذات صلة: