غرب آسيا في عالم ما بعد الأحادية الغربية، تحديات المرحلة الانتقالية

المقدمة:

تمر منطقة غرب آسيا برحلة انتقالية تتّسم بالعنف والفوضى تنعكس آثارها السلبية على المستويين الاقليمي والدولي وذلك في ظل نظام دولي بدأ يدخل حقبة ما بعد الغرب. إن هذا التحول يخلق تحديات اقليمية ناتجة اما عن الفراغ الناشىء عن الانكفاء الغربي واما عن السياسة العدوانية الأميركية الساعية لاحتواء ذلك الانكفاء ومنع القوى المنافسة من تعزيز نفوذها الاقليمي. يُفترض أن تنتهي هذه المرحلة الاقليمية بنشوء نظام اقليمي جديد يُعيد رسم حدود المصالح والأدوار والتوازنات. سعى المؤتمر الى تطوير مقاربات مشتركة حول أربعة تحديات أساسية في غرب آسيا،

وهي كالاتي: الارهاب والصراعات المسلحة، ومشاريع أميركا وتدخلاتها، والتنمية والتكامل الاقتصادي، ووحدة الدولة الوطنية والمشاركة الشعبية.
بحث المؤتمر في مواقف ورؤى القوى الأوراسية كالصين وروسيا وأوروبا للتحديات الحالية في غرب آسيا والناتجة في بعض أوجهها عن حال الفراغ والفوضى والتي تعبّر عن ذاتها من خلال العنف المنفلت وضمور الدولة الوطنية وصعود جماعات التوحش والإرهاب. ثم انتقل البحث إلى القوى الإقليمية التي تواجه ولو من مواقع متقابلة تحديات مشتركة غير مسبوقة بفعل مستوى العنف والفوضى داخل الإقليم. وفيما تبدو الخيارات والرهانات العسكرية قد بلغت حدودها القصوى، تزداد حاجة القوى الإقليمية الأساسية لتطوير مقارباتها بخصوص الاستقرار الإقليمي من منطلق التعاون والشراكة، في ظل وقوع دول المنطقة تحت ضغوط اقتصادية وأسئلة سياسيّة داخليّة ملحّة. فما هي متطلبات هذا الاستقرار وأبرز شروطه؟ وما هي العقبات الواجب تذليلها في هذا المسار؟ 

وأخيراً سعى المؤتمر لتقديم مقاربات استشرافية حول مستقبل قوى المقاومة والاستقلال. لقد نجحت هذه القوى بشكل متقدم في التعامل مع التهديدات العسكرية والميدانية ولا سيّما في في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والسطوة الأميركية والإرهاب التكفيري، وهي تختبر مزيدًا من الأسئلة السياسية الكبرى، التي تفرضها أوضاع الإقليم في المرحلة الحاليّة، كأسئلة الدولة والهوية والمشروعية السياسية والتنمية المحلية والانخراط في المصالح الاقتصادية. فما هو تشخيص هذه القوى لما تعتبره تحديات كبرى في هذه المرحلة؟ وما شروط مستلزمات التّكيف مع هذه التحديات؟

 

جلسة الافتتاح / كلمة د. جلال دهقاني فيروز آبادي  

أتوجه بالتحية إلى د. فضل الله وإلى زملائه، وهم يتعاونون معنا من أجل عقد مثل هذه المؤتمرات مع المؤتمر الأمني في طهران. هذا المؤتمر يهدف إلى توفير فرصة تتعلق بالحوار حول أمور الأمن الإقليمي في غرب آسيا. وبالتالي أهداف هذا المؤتمر تتحدث عن شروط معيّنة بمنطقة غرب آسيا والوقت نفسه نريد إجراء حوار من أجل توفير الفرصة لتبادل الآراء بين الباحثين الأكاديميين وصناع القرار والسياسيين. كما أننا نحاول أن نمهد الطريق من أجل تقييم الظروف الآلية والمستقبلية لجهة الأمن الإقليمي.

أولاً عُقد مؤتمر طهران للأمن في الحادي عشر من كانون الأول 2016، بناء على الآية القرآنية: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان". ومن خلال شعار الحوار الثنائي والثقة والتعاون الأمني الجماعي والتقدم تتحقق أهداف مؤتمر طهران للأمن. ومن بين هذه الأهداف الفهم الدقيق للأمور الإقليمية والنقاشات العلمية بين الباحثين حول الأمور الأمنية وكذلك طرح الأفكار والمشاركة في عملية صنع القرار لمسائل الأمن القومي وكذلك التوصل إلى إجماع على المستوى الإقليمي وإجراء دراسات مستقبلية حول النظام الأمني في منطقة غرب آسيا. أما مؤتمر طهران الثاني للأمن فيتكون من تسع مؤتمرات أساسية بما في ذلك هذا المؤتمر الذي ينعقد هنا اليوم في بيروت. وهناك ثمانية مؤتمرات أخرى ستنعقد في طهران خلال هذا العام وذلك من أجل وضع اللمسات النهائية للمؤتمر الأساس.

تحديات المرحلة الانتقالية هي الموضوع الأساسي في مؤتمر اليوم. هناك حقيقة لا لبس فيها تتعلق بالنظام الدولي الجديد، خلافاً للنظام القديم وهي أنه لن يكون ذا طابع غربي فقط. حيث برزت قوى أخرى، حتى على المستوى الإقليمي وخاصة في غرب آسيا، وبدأ العالم النيوليبرالي يتراجع. والآن نرى صعود دول إقليمية وصعود لاعبين آخرين مثل روسيا والصين وكذلك أطراف أخرى. ودور هذه الأطراف يزداد مما سيؤدي إلى تغييرات على صعيد اللاعبين من حيث توزيع القوى وتغييرات فيما يتعلق بالتفاعل بين الدول والأطراف غير الدولية، وأيضاً تغييرات بالتفاعل بين الدول، وتغييرات في تركيبة التحالفات. والنظام الأمني الجديد يأتي في ظل تراجع النظام الأمني بقيادة الولايات المتحدة الأميركية فالتدخل الخارجي الذي شاهدناه في العراق وأفغانستان من أجل تحقيق أهداف أميركية لم يتمكن من التوصل إلى استقرار دائم ولكن أدى إلى مزيد من التطرف والإرهاب والمأساة الإنسانية.

النظام الأمني الناشىء يتأثر أيضاً بشكل متزايد بالقوى الإقليمية مع تراجع الدور الغربي. فلا نرى دوراً غربياً ذا تأثير كبير، في مقابل نشوء لاعبين دوليين. فالنظام الدولي في ظل الهيمنة الأميركية والذي يتميز بالفوضى لم يعد يحقق النجاح وهو غير صالح لتقديم الحلول، ويتبين أن الحلول المحلية هي الأفضل. أيضاً هذا النظام مبني على ما يُصوَّر على أنه تهديد وهذا التصوّر خاطىء، أي تصوّر أن محور المقاومة هو التهديد وإنما التهديد الأكبر يأتي من إسرائيل وأميركا اللتين لا يمكن من خلالهما الوصول إلى السلام الآمن والدائم. إننا بحاجة لنظام إقليمي شامل يؤدي إلى أمن جماعي وهو النظام الذي تتشارك فيه كل الأطراف في المنطقة. وهو نظام يبنى على فهم مشترك وجماعي، وأيضاً نظام ذو طابع محلي مدعوم من بعض الأطراف من خارج المنطقة. هذه هي الميزات الأساسية للنظام الذي نراه نظام بعد الغرب. ودراسة مثل هذه التغييرات البنيوية مسألة مهمة. ويسعى مؤتمر طهران للأمن إلى تسليط الضوء على هذه الملفات. وفي النهاية آمل أن يؤدي نقاش المواضيع اليوم إلى وضع الأسس للتفكير في الأمور الأهم لهذا النظام الأمني الناشىء. مع التأكيد مجدداً على أن الهدف الأساسي لمؤتمر طهران للأمن هو استضافة الباحثين من أجل إجراء المزيد من النقاشات حول القضايا ذات الأهمية ذات الأولوية وشكراً.


كلمة د. عبد الحليم فضل الله  

ينعقد هذا المؤتمر في لحظة زمنية مفصلية تنتقل بالمنطقة من مرحلة إلى أخرى. إن سبع سنوات من الصراعات والتوترات كانت كافية لوضعنا عند حافة تاريخية تكشف عن بعض ملامح الأفق المستقبلي الآتي. وتنبع أهمية المؤتمر، الذي نرحب بحضوركم ومشاركتكم فيه، من هذه النقطة بالذات، فالفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لالتقاط الحقائق والسياقات الجديدة، وللتفكير خارج النسق تجنباً للوقوع في متاهات التفسيرات النمطية المبسطة، التي طالما اختزلت الأحداث والوقائع ببعض أبعادها وزواياها. 

إن ربط التحديات الانتقالية التي تمر بها المنطقة بأفول نجم الأحادية الغربية، كما في عنوان هذا المؤتمر، يأتي في سياق التأكيد على أن الأدوات المفاهيمية السائدة لم تعد صالحة لتحليل أوضاع عالم متغير ومتحول، وأن الحقائق الجيوسياسية الجديدة تملي علينا القيام بمراجعات لطريقة تحليلنا للتحولات الدولية وموقع منطقتنا فيها.

وفي هذا السياق يأتي استخدامنا تعبير غرب آسيا، الذي طالما أكد عليه الإمام السيد علي الخامنئي، بدلاً من الشرق الأوسط الذائع الصيت. لا يعد ذلك فحسب خروجاً على الخط التاريخي المفروض على لغتنا السياسية وعلاقاتنا الداخلية والخارجية، بل يتضمن أيضاً منظوراً مختلفاً لتركيبة هذه المنطقة وهويتها الجيوسياسية، ولآفاق التعاون والتكامل بين مكوناتها المختلفة، وللفضاء الرحب الذي يمكن أن تتفاعل فيه أقوام وديانات وإثنيات ومجتمعات متجاورة ومتعايشة منذ أمد بعيد. إن هذا الفضاء الذي كان ولا يزال مسرح النزاعات واصطفافات المحاور وتجاذبات موازين القوى، سيكون هو نفسه مع جواره الأوراسي الأعمق حاضنة الحلول والمخارج المرتقبة والمأمولة.

وبقدر ما كان صعود الفكرة الشرق أوسطية بصفتها أساس أي نظام إقليمي، تعبيراً عن مركزية الغرب وهيمنته وتحكمه، فإن أفولها أو استبدالها بأخرى بديلة (كفكرة المجال الأوراسي) هو أحد مؤشرات ضمور تلك المركزية وتفكك معادلاتها التي أرخت بظلال قاتمة على منطقتنا زهاء عقود طويلة. لقد انتقل ثقل هذه المركزية في لحظة ما من أحد جانبي الأطلسي إلى الجانب الآخر، لكنها الآن تتهاوى على الجانبين. 

لم تعد القارة العجوز قادرة على أداء دور مؤثر في الأحداث العالمية يتخطى رفع الحطام وتنظيف المسارح والتقاط الفتات، وها هي قبضة الولايات المتحدة الأميركية بدورها تتراخى عالمياً على وقع الوهن المتزايد في عناصر القوة الأربعة التي مكنتها في السابق من فرض هيمنتها وشق طريقها نحو الأحادية القطبية. وتخفق القوة العسكرية الأميركية التي أسالت الكثير من الدماء، مرة بعد أخرى في فرض سياسات واشنطن ذات التسلح الهائل على المنطقة والعالم؛ وتغرق القوة الاقتصادية في مستنقع أزمة بنيوية يمثلها على نحو خاص انزياح مركز العولمة من الغرب إلى الشرق، وفشل الاقتصاد الأميركي في الحفاظ على تفوقه من خلال الانتقال مثلاً من النيوليبرالية إلى ما بعدها؛ وباتت القوة الدبلوماسية أقل قدرة مما مضى في "إقناع" الحلفاء فضلاً عن المنافسين والخصوم، باتباع خطى واشنطن، وفي جعل المؤسسات الدولية ومن ضمنها مجلس الأمن جزءاً من ترسانتها السياسية؛ أما القوة الثقافية فقد فقدت الكثير من جاذبيتها وهيمنتها الأيديولوجية، ولا يخلو من دلالة في هذا السياق تراجع مستوى النخب القيادية الحالية في الغرب مقارنة بالأجيال السابقة.

إن ما يسري على الولايات المتحدة يسري بصورة مضاعفة على حلفائها، ولا سيما على دولة الاحتلال الصهيوني. يشهد هذا الكيان تحقق أقصى فرضيات نظرية أمنه القومي وطموحاتها، من تفسخ المجتمعات والدول المجاورة له إلى تداعي الجيوش العربية أو تحييدها أو استنزافها، ومع ذلك يعاني من أزمة ثقة متصاعدة بالحاضر والمستقبل ومن تنامي إحساسه بالخطر الوجودي. لو قلّبنا أوراق مؤتمر هرتسيليا الأخير (حزيران 2017) لوجدنا تل أبيب غارقة في غموض استراتيجي مقلق. يعترف المشاركون في المؤتمر المذكور أن مشكلة "إسرائيل" تكمن في عدم تحقيقها نصراً حاسماً منذ خمسين عاماً (أفيغدور ليبرمان)، وفي عدم امتلاكها رداً حاسماً على تحديات استراتيجية من قبيل امتلاك حزب الله 150 ألف صاروخ (عاموس جلعاد) وفي ترهل المظلة الغربية - الأميركية التي تحتمي بها. يستخدم العدو خطاب قوة نمطياً، استعلائياً ومكابراً، لكنه ينشغل اليوم بمراجعة عقيدته الأمنية، فيعترف ضمناً بضرورة الانتقال من الهجوم إلى الدفاع، ويصرح بالاعتماد أكثر فأكثر على واشنطن، وبضرورة تجنب الحرب ما لم تكن مدعومة منها. وتؤكد وثائق هرتسيليا على عقم آليات اتخاذ القرار لدى العدو في مقابل نجاعتها لدى المقاومة، وتقر بفشل رهانه الحصري على الغرب الذي يقف عاجزاً وفاقد الحيلة وضعيف المبادرة، وهي لذلك تنصح بالبحث عن عمق عربي داعم وعن فضاء استراتيجي شرقي ومتوسطي متمم للفضاء الغربي الذي يتموضع فيه (غادي آيزنكوت). يتصرف الكيان مثل دولة عالم- ثالثية عادية يحركها قصورها الذاتي، ويعاني من صعوبة فهم التحولات السريعة في بيئة استراتيجية متغيرة وغير تقليدية، لكنه يحدد بدقة مكامن الخطر والتحدي التي يأتي حزب الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية في صدارتها حسبما يذكر التقرير الاستراتيجي السنوي للكيان الإسرائيلي (2016-2017).

إن النجاحات التي سجلتها وتسجلها قوى المقاومة المتحالفة مع الجيوش الوطنية، والهيئات الشعبية ذات العمق الدولتي، هي تعبير عن أنّ قيام ائتلافات عريضة ذات تمثيل واسع وعميق من شأنه تمكين دول المنطقة وشعوبها ومجتمعاتها من استعادة زمام المبادرة واتخاذ قراراتها بنفسها والتحكم بأقدارها ومصائرها، وهو يعبّر كذلك عن أنّ موازين القوى الشعبية-الاجتماعية الحقيقية في المنطقة تفصح عن نفسها في كل مرة تتراخى فيه قبضة الهيمنة ويتراجع فيها النفوذ الأجنبي.

يحاول مؤتمرنا هذا فهم الأزمات ورسم الخيارات انطلاقاً من الحقائق الإقليمية والدولية المذكورة، لكنه لا يقف عندها، فهو يأخذ بعين الاعتبار أيضاً الأسباب الذاتية الكامنة خلف الانقسامات والحروب والويلات التي نعاني منها، والشروط الوطنية والإقليمية الموسعة التي لا بد منها للخروج من نفق الأزمة وإعادة البناء. إن أي مقاربة مشتركة من هذا القبيل لا بد أن تعنى أولاً بمواجهة المخاطر الخارجية وفي مقدمها التدخلات الأجنبية الداعمة علناً أو سراً  للإرهاب، لكن عليها أيضاً وقبل أي شيء آخر أن تمتلك تصورات واضحة لسُبل التقدم والتنمية الاقتصاديين وآليات إعادة البناء الداخلي على أسس الاختيار الشعبي. وهذا هو حجر الأساس في قيام نظام إقليمي يستند إلى الشراكة الواسعة بين دول غرب آسيا ومجتمعاتها المتنوعة من ناحية وبينها وبين جوارها الآسيوي والأوراسي من ناحية ثانية. 

 

كلمة الحاج محمد رعد  

بدعوة مشكورة من الأمانة العامة لمؤتمر طهران الأمني ومؤسسة الدراسات والأبحاث الدولية والمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ينعقد هذا المؤتمر على وقع انتصارات ميدانية مهمة تتوالى فصولها في لبنان وروسيا والعراق بوجه مشروع خطير رعته على مدى السنوات الست الماضية الإدارة الأميركية وحلفاؤها الغربيون ووكلاؤها الإقليميون. وهو مشروع هدف إلى إخضاع المنطقة وإسقاط محور المقاومة عبر تقطيع أوصاله واستنزاف قدراته وصولاً إلى إنهاء بعض قواه واحتواء بعضه الآخر وفي سياق تأمين السيطرة والتحكم بمستقبله وراهنه وضمانة أمن الكيان "الإسرائيلي" والحفاظ على مصالح أميركا وحلفائها الغربيين في منطقة غرب آسيا التي لا تزال غنية بالنفط وموارد الطاقة والممرات المائية وبالثروات الطبيعية وبمواقعها الجيواستراتيجية.

هذا المشروع الاجتياحي الخطير في كل أبعاده واستهدافاته سبق أن توسَّل في العام 2006 إلى الذراع الإسرائيلية وتمادى في دعم عدوانها على لبنان من أجل سحق المقاومة إلا أنه هُزم شر هزيمة فاضطر للانكفاء مؤقتاً لعله يجد ذراعاً جديدة يتوسلها لتحقيق نفس الأهداف فكان أن وجد ضالته في الذراع التكفيري الوهابي المنشأ. ولقد تم اختيار سوريا كهدف رئيسي لأسباب ترتبط تقتصر بموقعها الجيوسياسي وبدورها الاستراتيجي في محور المقاومة وبتركيبتها السكانية وبتوافق مصالح الغرب ودول الخليج على إسقاط نظامها والتحكم بوجهة مسارها. وقد تمادى الضالعون في التخطيط والتنفيذ لهذا المشروع في عدوانيتهم، إلا أن صمود سوريا وحلفائها والقوى الرديفة والصديقة التي وقفت معها أجهض أحلام الواهمين وخيّب توقعاتهم وأسقط مؤامرتهم. 

وها هي سوريا اليوم في المرحلة الأخيرة للخروج من محنتها تبدو أصلب إرادة وأكثر خبرة وأشد عزماً على متابعة مسارها المقاوم وتعزيز قدراتها للتصدي لمشاريع الأعداء وترسيخ وتطوير علاقاتها مع الحلفاء والأصدقاء. وها هي سوريا اليوم تفتح قلب آسيا على مرحلة إنتقالية واعدة بعد فشل الأحادية الغربية، لكنها أيضاً مرحلة لها تحدياتها الكبرى التي لا بد من مواجهتها بحكمة وعلم وشجاعة وعزم. خبرنا من التاريخ والسُنن التي تحكمه أن السياسة كما الطبيعة لا تقبل الفراغ وأن البقاء للأقوى في عالم الطبيعة، وأنه كذلك في عالم السياسة. غير أن القوة في هذا العالم لا تقتصر على البنية والعضلات بل تشمل الإرادة والإيمان وحسن الإدارة والعلم وتماسك البنية، كما تشمل مشروعية التصرف والذكاء في التخطيط والتسويق. كذلك خبرنا من التاريخ والسنن الحاكمة فيه أن الاستراتيجية الواضحة والواقعية والممنهجة والقيادة المخلصة والشجاعة والحكيمة والجيوش القوية لا تكفي وحدها للصمود وردع العدوان ولا لملء الفراغ إثباتاً للحضور بل لا بد من توفر سياسة شعبية وسياسة قادرة على ممارسة الرقابة والمحاسبة وفق الاستراتيجية التي تحظى بدعمها ومواكبتها والجهوزية الدائمة للشراكة في فعاليتها.

 أيها السادة إن الانتصارات في سوريا ولبنان والعراق قد تحققت بفضل مجموعة عوامل ذكرناها أعلاه ومن بينها أن جيوش تلك البلدان كانت تقاتل إلى جانبها مقاومة في لبنان ورجال دفاع شعبي في سوريا وحشد شعبي في العراق، وقبل ذلك استندت إيران في صمودها وانتصارها ضد الحروب العدوانية عليها إلى جيش نظامي يقاتل إلى جانبه حرس ثوري وقوات التعبئة العامة.

إنّ تثبيت الدولة الوطنية وتحصينها بالسيادة الشعبية هو أهم التحديات في المرحلة المقبلة، إذ بالاستناد إليها يمكن مواجهة تحدي الإرهاب والتدخل الأجنبي ومتطلبات التنمية وغير ذلك من التحديات التي ستكون محل عناية في مؤتمركم. التحدي الآخر يكمن في توفير القدرة الذاتية المباشرة أو الممنهجة التي تعين على تجاوز أي حصار يمكن أن تفرضه منظومة المؤسسات التي يديرها الأعداء على كل المستويات، كما يكمن في القدرة على تحديد المخاطر الجدية المباشرة أو الاستراتيجية وتوفير الحد الضروري اللازم للصمود بوجه أي اعتداء. وهذا التحدي تحتاج مواجهته إلى عقول ديناميكية ترتكز إلى إيمان واثق بالاستراتيجية المعتمدة كما تحتاج إلى قدرة على تحقيق إنجازات مرحلية تفتح آفاق أمل وتنعش الهمم لاستئناف الصمود توصلاً إلى فك الحصار وردع العدوان وإطلاق المبادرات الواعدة عبر القطاعين العام والخاص.

التحدي الثالث يتمثل في دقة تشخيص المصالح وتحديد أولوياتها ودقة إقامة واستثمار تحالفات مجدية لتحقيق تلك المصالح بناءً لتشخيص دقيق للدول الصديقة ولدوافعها ولثوابتها ولحجم الاستفادة وكذلك للمقابل التي نأمله منها. التحدي الرابع هو الثبات في مسار تحقيق الأهداف الاستراتيجية وتذليل العقبات وعدم الانصراف أو التلهي عنها في الوقت الذي يتواصل فيه مسار تحقيق الأهداف التكتيكية الأخرى المساعدة. أما التحدي الخامس فيكمن في فهم العدو ودقة تصنيفنا له ومعرفة استراتيجيته وأهدافه الأساسية وحجم أخطاره وتحديد مستويات المواجهة الممكنة في الزمان والمكان المناسبين وامتلاك القدرة على المناورة هجوماً أو دفاعاً أو احتواءً، بحسب الظروف.

أيها الأعزاء إن منطقة غرب آسيا هي محلُّ أطماع قديمة لدول النفوذ والسيطرة في العالم نظراً لما تختزنه من منابع كثيرة من الطاقة ومن ثروات معدنية وأسواق استهلاكية واسعة وممرات مائية واستراتيجية، وقد تزايد الاهتمام الغربي بها بسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وما يمثله هذا الاحتلال من ثكنة عسكرية متقدمة يمكن للغرب الاعتماد عليها في حماية مصالحه ومشاريعه العدوانية. للأسف الشديد تكاد هذه المنطقة تخلو من مظلة الأمان والردع التي لا بد لنظام إقليمي أن يوفرها للشعوب والقوى وحتى للدول لكي يحفزها على النهوض من أجل تحقيق سيادتها واستقلالها وإقامة بنيتها الوطنية بعيداً عن التبعية.

 كان في المنطقة أعمدة للنظام الإقليمي المرتهن للسياسات الأميركية والغربية، إلا أن نهضة الأمام الخميني "قده" لاقتلاع النظام البهلوي، وإقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما تمثل من دولة وطنية ذات سيادة شعبية، أطاحت بقوى كانت تظلل ذلك النظام الإقليمي وكان نظام الشاه يمثل إحداها. وحصل الارتباك في سياسة الإدارة الأميركية، ومنذ العام 1979 لم تستطع أميركا ولا حلفاؤها استعادة العمود المقتلع ولم يستطيعوا تثبيت المظلة الإقليمية التابعة لهما ولذلك تركزت السياسة الأميركية في المنطقة على استهداف نظام الجمهورية الإسلامية بكل الطرق. ورغم ضيق هامش المناورة لدى إيران في المرحلة الأولى وخلال الفترات الماضية إلا أنها استطاعت أن تجذّر حضورها وتقدم نموذجها الذي تعمل اليوم الدوائر الغربية من أجل أن لا يتكرر في أي بلد آخر سواء في منطقة غرب آسيا أو غيرها.

أيها السادة، دعوني أصدقكم القول بأن التحدي الأكبر أمام الشعوب ودول منطقة غرب آسيا بعد أفول الأحادية الغربية عموماً وبروز قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين اللتين تملك كل منهما ثقلاً وازناً في القرارات الدولية، هو القدرة على إيجاد أعمدة وطنية وازنة في المنطقة تستطيع أن تحمل مظلة الأمان للشعوب التي تتوق لقيام دول رافضة للتبعية.
إن بعض دول المنطقة مرشحة لهذا الدور وإن هذا الأمر ممكن رغم صعوبته، وهو السبيل الوحيد للاستقرار سواء في زمن الأحادية الغربية أو في زمن التعددية. إن أطماع الغرب وفجوره لا يحول دونهما في غرب آسيا إلا مظلات إقليمية وازنة بين دول وطنية محصنة شعبياً يمكنها أن تنشىء تحالفات دولية بإرادتها المستقلة وفقاً لمصالحها الخاصة وتكون شريكة باختيار مصالح مشتركة والدفاع عنها.

 أيها السادة، إن مؤتمركم الكريم يضطلع بمهمة حيوية كبرى ومعقدة في الوقت الذي تتوثب فيه شعوب المنطقة لتغير أوضاعها بما يتناسب مع حقها في العيش بأمن وكرامة واختيار نموذجها الذي يحقق سيادتها في وطنها ومنطقتها. الشكر لمنظمي المؤتمر والمشاركين فيه. 

 

تحميل الملف
المقال السابق
الأحوال المعيشية للأسر في لبنان 2015، النتائج والمؤشرات العامة والمناطقية - ملخص تنفيذي
المقال التالي
الحركات السلفية والقتالية: - 6/ حركة نور الدين زنكي الاعتدال المزيّف - شباط 2018

مواضيع ذات صلة: