المقدّمة
مع بدء العدوان الإسرائيلي على غزة بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انطلقت من لبنان جبهة مساندة من حزب الله بهدف وقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد سكان القطاع، واستمرت هذه الجبهة بالضغط العسكري حتى تشرين الثاني 2024 حينما جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الصهيوني. طوال هذه الفترة دخلت اللوبيات "الإسرائيلية" في واشنطن فيما يشبه حالة "تعبئة عامة" للضغط والتحريض والتلاعب داخل الكونغرس الأميركي لتأمين غطاء أميركي كامل لعدوان حكومة بنيامين نتنياهو في فلسطين ولبنان ولاحقًا لشيطنة الاحتجاجات الطلابية والشعبية في الولايات المتحدة. ونظرًا لتأثير ونفوذ هذا اللوبي كان حيويًا معرفة اتجاهات الضغط التي يمارسها داخل الفضاء السياسي الأميركي. إحدى طرق هذه المعرفة كانت عبر تحليل محتوى تغريدات حسابات مؤسسات اللوبي الإسرائيلي والعاملين فيها على منصة إكس.
جرى تحديد 206 حسابات على منصة إكس (تويتر سابقًا) تتبع لمؤسسات اللّوبي "الإسرائيلي" اليمينيّة الناشطة في الولايات المتحدة (12 مؤسسة) وللباحثين العاملين فيها وهي موزعة كالتالي: حزب الليكود: (1) مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، (2) منتدى الشرق الأوسط. يمين الوسط الصهيوني: (3) لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، (4) معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، (5) اللجنة اليهودية الأميركية، (6) نادي مكافحة التشهير، (7) الكونغرس اليهودي الأميركي، (8) مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية، (9) المنظمة الصهيونية في أميركا. يمين الوسط الصهيوني / المحافظون الجدد: (10) المعهد اليهودي للأمن القومي في أميركا، (11) مجلس السياسة الخارجية الأميركية، (12) متحدون ضد إيران نووية.
صُمّمت برمجية تقوم بجمع التغريدات من هذه الحسابات على أساس أسبوعي، وفي هذه المرحلة تشمل التغريدات كل ما تم نشره في هذه الحسابات دون أية معالجة. حُدّد 400 مصطلح تقريبًا تمّ فرزها وربطها بحسب دول المنطقة وبعض الموضوعات الأساسية (الطاقة في المتوسط، الصواريخ الدقيقة، الإرهاب، التطبيع) لتصفية الداتا الكاملة وحصرها في ما يخص المنطقة ربطًا بهذه المصطلحات وهكذا نحصل على التغريدات المرتبطة بكلّ دولة أو موضوع، منفصلة عن الأخرى. بناء على ذلك تجري معالجة كميّة للتغريدات بحسب البلدان والموضوعات والمؤسسات، إضافة إلى معالجة تحليلية لقضايا محدّدة. في المحصّلة، بلغ مجموع التّغريدات التي تمّ تحليل مضمونها في التقارير المشمولة بالدراسة 13265 تغريدة موزّعة على 21 تقريرًا.
يأتي هذا المسعى البحثي في سياقٍ تزايدت فيه أهمية منصّة «إكس» كحاضنةٍ مركزيةٍ لصناعة الرأي العام وتوجيه السرديّات المرتبطة بقضايا الشرق الأوسط داخل الولايات المتحدة. وعليه، فإن تحليل مضمون تغريدات مؤسسات اللوبي الإسرائيلي اليميني والباحثين المنتسبين إليها يكشف بنية الخطاب والرسائل ذات الأولويّة التي يسعون إلى تمريرها، ويُظهر الأساليب الخطابية المستخدمة لتوجيه الأجندة السياسية الأميركية تجاه ملفات حسّاسة مثل إيران وحزب الله والصراع العربي – الإسرائيلي واتفاقيات التطبيع والترتيبات الأمنية الإقليمية في شرق المتوسط والخليج.
تنبع أهمية هذا التحليل من أنّ الخطاب الرقمي لهذه المؤسسات لا يقتصر على كونه مرآةً لسياساتها، بل يمثّل أداة ضغط ناعمة (Soft-Lobbying) تسعى إلى تهيئة الرأي العام وتوفير غطاءٍ سياسي وقانوني لمبادرات تشريعية أو قرارات تنفيذية. وعليه، يسهم تحليل مضمون التغريدات إلى:
- تفسير آليات التأثير التي يوظّفها اللوبي في لحظات التصعيد والتفاوض.
- تقدير حجم المواءمة بين أجندة اللوبي ومصالح "إسرائيل" الأمنية–الاستراتيجية وبين أولويات الإدارات الأميركية المتعاقبة.
- المساعدة على استباق حملات التأثير ووضع استراتيجيات لتفكيك وتفنيد السرديات المضادّة.
بهذه المقاربة التي تمزج بين التحليل الكمي والنوعي، يسعى تحليل التغريدات إلى تقديم صورة شاملة ودقيقة عن ديناميات الخطاب الإسرائيلي اليميني في الفضاء الرقمي الأميركي في لحظةٍ تتصاعد فيها التحديات الإقليمية ويحتدم التنافس على رواية الأحداث ومسار السياسات المستقبلية في الشرق الأوسط.