السياسة الخارجية التركية في الولاية الجديدة لأردوغان... حدود الاستمرارية والتغيّر

تمهيد              

في أيار الماضي أُعلن رسميًا عن فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية رئاسية ثالثة وفوز التحالف الذي يضمّ حزبه بأكثرية برلمانية، وبالتالي استمرار حكم حزب العدالة والتنمية لخمسة أعوام إضافية يمضي فيها الحزب نحو استكمال ربع قرن من الحكم. انتهاء الانتخابات بفوز أردوغان يعني تحرّره من الضغوط التي كانت موجودة قبل هذا الاستحقاق وهو ما سينعكس في قراراته خلال المرحلة المقبلة داخليًا وخارجيًا. ومع ذلك يبدو أن الملف الداخلي سيبقى أولوية لأردوغان على المدى القريب خصوصًا وقد أعلن بدء حملته للانتخابات البلدية المُقرّرة في آذار 2024، والتي وضع فيها هدف استعادة بلديات المدن الكبرى التي خسرها في الانتخابات البلدية عام 2019 ولا سيّما إسطنبول وأنقرة.
في الوقت ذاته، وجد أردوغان نفسه بعد الفوز في موقف أقوى خاصة على صعيد العلاقة مع الخارج. كما أنه لم يعد مقيّدًا بعامل زمني ضاغط يدفعه لاتخاذ قرارات من الصعب أن يتبنّاها في الحالات الطبيعية، وهو ما قد ينعكس في مواقفه الخارجية، مثل موقفه من التطبيع مع سوريا. كما أن مواقف الدول الغربية، الإيجابية بمعظمها، من نتيجة الانتخابات والحكومة التي شكّلها الرئيس التركي، والتي تضم وزراء على علاقة إيجابية بالغرب. تُعدّ مؤشّرًا على أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات لتحسين العلاقات بين الغرب وأنقرة. 


في دراسة التحوّلات المتوقّعة في السياسة الخارجية التركية في منطقتنا بعد الانتخابات لا بدّ من إمعان النظر في التغيّرات الأساسية في الإقليم والعالم والتي يمكن تلخيصها في التالي:
1.    اشتداد المنافسة بين القوى العظمى، روسيا والصين من جهة وأميركا من جهة أخرى. 
2.    تداعيات الحرب في أوكرانيا.
3.    دور الصين المتنامي في المنطقة.
4.    الاتفاق السعودي-الإيراني.
5.    ميل القوى الإقليمية نحو سياسة التحوّط لتجنّب الانخراط في صراع القوى الكبرى. 
6.    التعقيدات المتزايدة في الوضع السوري مع سعي محموم للقوى الخارجية لضمان مصالحها فيها.
7.    الضغوط المحليّة التركية وتحديدًا الاقتصادية منها والانقسامات السياسية والإيديولوجية.

انطلاقًا مما تقدّم عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق حلقة نقاش خاصة بتاريخ 13 تموز 2023 عُرضت فيها ثلاث أوراق تطرّقت إلى أبرز التغيّرات التي قد تطرأ على توجّهات تركيا في المنطقة بعد فوز أردوغان في الانتخابات وبالتحديد فيما يخصّ الدول الخليجية؛ وإيران وحلفاءها (العراق، سوريا، فلسطين المحتلة)؛ والطاقة والحدود البحرية في حوض المتوسط. 

افتُتحت الحلقة بكلمة لمدير عام المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الدكتور عبد الحليم فضل الله وأدارها مدير الدراسات الاستراتيجية في المركز الدكتور حسام مطر. في مداخلته الافتتاحية أشار الدكتور فضل الله إلى أن هناك نوعين من التحوّلات التي حدثت في تركيا: 1. انزياح لموازين القوى داخليًا، من سيطرة القضاء والجيش إلى السيطرة المدنية على باقي المؤسّسات. 2. الانتقال بعيًدا عن الرعاية الأميركية، وفي المحصّلة حافظت تركيا على أطلسيّتها لكنها توجّهت شرقًا، وانتقلت من التركيز على الحضور في المجال الغربي إلى التركيز على الحضور في غرب آسيا وشمال إفريقيا.

يضمّ هذا التقرير الأوراق الثلاث التي تناولت محاور الحلقة إضافة الى أبرز الأفكار التي وردت في مداخلات المشاركين.


أُفق العلاقات التركية مع وإيران ودول المشرق العربي / د. محمد نور الدين  

انتهت الانتخابات النيابية في تركيا في 14 أيار 2023 والرئاسية في 28 منه بفوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لولاية ثالثة في رئاسة الجمهورية وفاز تحالف الجمهور المؤيّد له بالأغلبية البرلمانية.
وفور إعلان النتائج كان السؤال الأساسي عما إذا كانت السياسات التركية السابقة التي انتهجها أردوغان سواء في الداخل أو الخارج ستتواصل على ما كانت عليه أم إنها ستشهد تغييرات جذرية أو جزئية في هذا الاتجاه أو ذاك.
إن الإجابة عن سؤال الاستمرار أو التغيير تفرض أن تُؤخذ بعين الاعتبار مجموعة من المحدّدات يمكن أن تساعد على الإجابة.
1- المنطلقات الإيديولوجية للحزب الحاكم والكتلة التي أيّدت أردوغان في الرئاسة والتي بقيت قوتها التمثيلية ثابتة في آخر ثلاث انتخابات 1914 و 1918 و 2023 وهي 52 في المئة بمعزل عن أي وضع سياسي أو اقتصادي. ويعكس أردوغان توجّهات هذه الكتلة في سياساته الداخلية والخارجية على السواء.
وفي هذا الإطار يأتي البُعد العثماني لسياسة تركيا الخارجية وفي قلبه حدود الميثاق المِلّي والوضع في القوقاز، وبالتالي سعي تركيا لتكون قوة عالمية وليس إقليمية فقط مستفيدة من بعض التغيّرات في التوازنات الدولية في الوقت الحاضر وهو الذي يبدأ فيه أردوغان عهده الجديد بشعار "القرن التركي".
2- المصالح الاقتصادية التركية في شرق المتوسط تحديدًا والصراع على مصادر الطاقة فيه.
3- عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي والمترتّبات المتوجّبة على هذه العضوية.
من بديهيات السياسات الخارجية لأي دولة أن تولي علاقاتها مع دول الجوار أولوية. ومن هذا المنطلق نرصد السياسة التركية حيال عدد من بلدان الجوار:

العراق
نظرًا لوجود قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل في شمال غرب العراق شكّل العراق دائمًا مصدرًا لتهديد الأمن القومي التركي. ولا غرابة أن يكون شمال العراق بل عمقه أحيانًا ساحة عمليات حرّة للجيش التركي تكثفت في السنوات الأخيرة في وقت لم تبذل الحكومة العراقية أدنى جهد لحلّ هذه المشكلة ووقف انتهاك السيادة العراقية. ويمكن اعتبار شمال العراق شريطًا أمنيًا تابعًا لتركيا. وقد ازداد النشاط التركي هناك بعد تطوّر الأوضاع في سوريا ونشوء الإدارة الذاتية الكردية في شمالها الشرقي. وبعد إعادة انتخاب أردوغان لا يتوقّع حصول أي تغيير في هذه السياسة أي استمرار العمليات الأمنية الخاصة والواسعة للجيش والاستخبارات التركية واعتبار شمال العراق منطقة حيوية للأمن القومي التركي.

"إسرائيل" والخليج
على الرغم من الأمل الذي تعلّقه بعض الفئات في العالم العربي والإسلامي على وجود سلطة "إسلامية" في أنقرة فإن العلاقات بين تركيا و"إسرائيل" على سبيل المثال لم تتغيّر في اتجاه حاسم لنصرة الشعب الفلسطيني وتذبذبت المواقف التركية مما يجري في الأراضي المحتلة. ولكن مصالح حزب العدالة والتنمية والرغبة مثلًا في تخفيف الضغوط الاقتصادية عن تركيا عشية الانتخابات الرئاسية في ربيع 2023، دفعت أردوغان لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" واستقبال الرئيس الإسرائيلي في ربيع 2022 في القصر الجمهوري، ووصف أردوغان أكثر من مرّة العمليات الفدائية في الضفة الغربية ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي بـ "الإرهابية والشنيعة" فيما كان ميزان التبادل التجاري يتصاعد تدريجيًا كل عام ليلامس حدود العشرة مليارات دولار في نهاية العام 2022. ومع تجديد انتخاب أردوغان من غير المتوقّع حصول تغيير في سياسته تجاه "إسرائيل" لجهة تعزيزها مع الحفاظ على لغة تنديدية بالممارسات الإسرائيلية لا تُسمن ولا تغني القضية الفلسطينية من جوع.
أما العلاقات مع دول الخليج ولا سيّما السعودية والإمارات (قطر خارج أي سياق آخر) فالمتوقّع أن تزداد عمقًا خصوصًا أن أردوغان أراحهما من ملفّين شائكين (الخاشقجي والاتهام بتمويل الانقلاب) كما إنهما وضعا ثقليهما من أجل تعزيز حظوظه في الفوز بالرئاسة. وبما أنه من غير المتوقّع تحسّن الوضع الاقتصادي التركي في وقت قريب، بسبب عبء العجز الكبير والدين الهائل وكذلك اقتراب الانتخابات البلدية في آذار 2024، فالحاجة لضخّ المال السياسي ستبقى قائمة، وبالتالي استمرار الحاجة إلى الدعم المالي الخليجي لوقت ليس بقصير وهذا هدف زيارة أردوغان الخليجية التي شملت السعودية والإمارات وقطر.
كما لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون الدول الخليجية (إضافة إلى مصر) في صدد اتباع سياسات جديدة تجاه تركيا لا تلقي بها بالكامل في أحضان إيران وهو الهدف المحتمل نفسه بالنسبة للانفتاح العربي المفاجئ على سوريا أي تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، خصوصًا أن الانفتاح العربي هذا لم يشهد بعد ترجمات عملية له ولا سيّما على الصعيد الاقتصادي أو تمويل عودة النازحين. وفي جميع الأحوال ربما يجب الانتظار أكثر ريثما يتضح ما إذا كان لهذا الانفتاح أيضًا علاقة بالتفاهم السعودي– الإيراني الذي فاجأ مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين.

سوريا
 تقع سوريا في رأس التحدّيات التي تواجهها تركيا مع دول الجوار. وتحوّلت إلى شأن داخلي تركي في وقت مبكّر من الأزمة السورية انتهت عبر دعم المعارضة المسلّحة ومن ثم التدخّل المباشر واحتلال أجزاء من شمالها الغربي ومن شرق الفرات.
في منتصف صيف 2022 أطلقت تركيا دعوة إلى سوريا للمصالحة. وفي ظل المصالحات التي تمّت مع السعودية والإمارات و "إسرائيل" ومصر، بدا كما لو أن المصالحة مع سوريا آتية ولا ريب.
لكن الواقع لم يكن كذلك.
أما اليوم فمن غير المتوقّع في ضوء المواقف التركية السابقة ومصالح أنقرة حصول أيّ تقدم أو انفراجة في ملفّ المصالحة مع سوريا للأسباب التالية:
1- إن أردوغان لم يتخلّ عن أطماعه في الشمال السوري، إن لم يكن كل سوريا، على قاعدة أنه جزء من حدود الميثاق الملّي التركي. وبالتالي فإن الانسحاب منه غير وارد إلا في حال تحوّل هذا الشمال إلى شريط جغرافي واجتماعي تابع ضمنًا لتركيا بصيغة أو بأخرى. وكانت تركيا بررت عملية درع الفرات بأنها كانت لإبعاد خطر داعش والأكراد عن حدودها فيما كان أردوغان يعلن بعد ثلاثة أشهر فقط من العملية (29 تشرين الثاني 2016) أنه "لم يدخل سوريا إلا لإسقاط النظام وليس لأي سبب آخر". فيما كان مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية يتحدث عن إيجاد موطئ نفوذ لتركيا في سوريا والمنطقة من وراء عملية درع الفرات. فعمليات التغيير الديموغرافي والثقافي والاجتماعي والديني وإحلال فئات سكانية من عِرق معيّن ومذهب معيّن قائمة منذ سنوات ولا تزال حتى الآن على قدم وساق.
2- أما حلّ مشكلة اللاجئين فهي ورقة يمسك بها أردوغان ويوظّفها لمصالحه، ومنها ابتزاز الغرب بالمال لقاء منع تدفّق اللاجئين إليه، وابتزاز الغرب بهم في أي مشكلة قد تظهر بين أنقرة والعواصم الأوروبية. كما أن اللاجئين كانوا ورقة انتخابية حيث لعبوا دورًا مهمًّا وربما راجحًا في فوز أردوغان بالرئاسة من خلال عمليات التجنيس التي لا يعرف أحد عدد المجنّسين وكلهم يقترعون لأردوغان وقد أكدت صحيفة جمهورييات في افتتاحيتها صباح 29 أيار 2023 أن أردوغان لم يكن ليفوز لولا أصوات اللاجئين السوريين. ثم إن اللاجئين يشكّلون قاعدة ليعود بعضهم إلى مناطق محدّدة في شمال غرب سوريا ليسوا هم منها لتغيير البنية الديموغرافية هناك عبر إقامة مدن من الطوب تبنيها قطر وهو ما اعترف به أردوغان في خطاب له في 2 حزيران 2023 حيث قال إن نصف مليون لاجئ قد عادوا وسيعود في المرحلة المقبلة مليون آخر. ولا ريب في أن من يتعامل مع مشكلة اللاجئين بهذه الطريقة ومن دون انتظار التنسيق مع دمشق لا يريد أصلًا مصالحة مع دمشق.
3- ما إن انتهت الانتخابات الرئاسية حتى بادرت تركيا في حزيران 2023، إلى تفعيل عملياتها العسكرية في الشمال السوري وحتى قصف مواقع لروسيا وسوريا فضلًا عن اغتيال عدد من الكوادر الكردية. وبالتالي إن استخدام لغة العنف والتهديد السابقة على الانتخابات استؤنفت بعد توقّف مما يوحي بأن تركيا تواصل سياساتها السابقة.
4- تكرّر تركيا بعد فوز أردوغان أنها لن تنسحب من سوريا إلا في حالة الانتهاء من قوات حماية الشعب الكردية. وذد ذكرت صحيفة "يني شفق" في 24 حزيران 2023 في عنوانها الرئيسي على الصفحة الأولى أن أنقرة اشترطت على سوريا أربعة شروط للمصالحة وهي: تغيير الدستور، وانتخابات عادلة، وعودة آمنة وبكرامة للاجئين، ومكافحة "الإرهاب" الكردي. والجميع يعرف أن للوجود العسكري الكردي بُعدًا أميركيًا يجعل من مقاربته أمرًا معقّدًا إلا بالتوافق بين أكثر من طرف من تركيا وأميركا إلى روسيا وسوريا.
5- وهذا يبدو قطعًا غير وارد في ظل إصرار واشنطن البقاء في سوريا لاعتبارات التأثير في المسار السوري وفي ظلّ معارضة واشنطن لأي مصالحة بين تركيا وسوريا وتلقائيًا عدم استعداد تركيا للدخول في مواجهة كبيرة وجدّية مع القوات الأميركية في سوريا ولا في مواجهة سياسية حادّة مع واشنطن.
6- ولا يغيب عن البال أن تعريف الجماعات الإرهابية في سوريا يختلف بين دمشق وأنقرة خصوصًا أن الإرهاب في إدلب فيه عناصر أجنبية كثيرة. وهذه الجماعات لا تشكّل مشكلة كبيرة لتركيا لأنها لا تريد تصفيتها بل تحتاج إليها في عمليات عسكرية متعدّدة من سوريا إلى القوقاز وليبيا وحيثما احتاجت إليهم. وبالتالي فإن التمييز بين الإرهاب الكردي وعدم إرهاب جماعات إدلب أمر غير مقبول البتّة من جانب دمشق.
7- وإذا كان رهان البعض على ضغوط روسيا وإيران على أنقرة لتليين موقفها فهذا أيضًا غير وارد ما دامت موسكو في هذه المرحلة الحساسة من الحرب الأوكرانية لا تستطيع الذهاب بعيدًا في الضغط على أنقرة لانتزاع تنازلات منها. بل هي لم تكن تستطيع ذلك قبل الحرب الأوكرانية فكيف الآن. أما إيران فإن قدرتها على الضغط على تركيا أقلّ خصوصًا أن إيران تواجه تحدّيات تركية خطيرة في القوقاز ولا يبدو أنها حققت نجاحًا حتى الآن في مواجهة هذه التحدّيات. وهذا يجعل من إصرار طهران على بقاء أردوغان في السلطة موضع تساؤلات خصوصًا أن القول بأن أردوغان يحارب أميركا من خلال محاربة أكراد سوريا قد لا يكون مقنعًا كفاية أو على الأقل غير دقيق.
8- أضف إلى ذلك أن الكادر الذي يتولّى السياسة الخارجية والعسكرية والأمنية التركية لا يزال هو نفسه من وزير الخارجية حاقان فيدان إلى وزير الدفاع ياشار غولر ورئيس الاستخبارات الجديد إبراهيم قالين وكلهم مرتبطون برأس القرار أي أردوغان. وبالتالي فإن التغيير في السياسات السابقة غير متوقّع ما لم تحدث مفاجآت لسبب أو لآخر.

إيران والقوقاز
أما بالنسبة للعلاقة مع إيران وتاليًا الوضع في القوقاز، فلا تحتاج تركيا إلى تغيير جذري في سياستها تجاه إيران فالعلاقات الثنائية بين البلدين لا تزال ثابتة على ما هي عليه منذ عقود خارج طبيعة السلطات الحاكمة والمتعاقبة في البلدين ولا تزال لغة المصالح المتبادلة وتوازن الرعب من كل الزوايا تحكم ثبات العلاقات الثنائية.
لكن التنافس بل الصراع في الساحات الثالثة لم ينقطع عند كل فرصة وفي رأس ذلك الأزمة في سوريا وتحميل تركيا إيران وحلفاءها مثل حزب الله القيام بأدوار سلبية في سوريا. 
وقد برزت في السنوات الأخيرة مسألة الصراع بين أذربيجان وأرمينيا كعامل مهدّد للعلاقات التركية– الإيرانية باعتبار أن أنقرة لعبت دورًا مساعدًا للغاية في أن يتمكّن الجيش الأذري من إلحاق الهزيمة بأرمينيا ودفعها للانسحاب من الأراضي الأذرية التي سيطرت عليها ومن نصف قره باغ ذات الحكم الذاتي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. واعتبرت الهزيمة انتكاسة كبرى لإيران نتيجة دعمها لأرمينيا في المحافل الدولية. لكن الأخطر أن اتفاقية وقف النار في 10 تشرين الثاني 2020 بين باكو ويريفان برعاية موسكو لحظت بندًا اعتبرته إيران خطرًا استراتيجيًا عليها وهو فتح ممرّ برّي وسكة حديد من نخجوان ذات الحكم الذاتي على الحدود التركية إلى أراضي أذربيجان مرورًا بالأراضي الأرمينية عُرف بممر زنغيزور. وهذا الممرّ يعني أن الشاحنات التي ستأتي من تركيا إلى باكو ومنها الى آسيا الوسطى لم تعد بحاجة للمرور عبر الأراضي الإيرانية. وهذا بطبيعة الحال يهمّش من الثقل الإيراني في تلك المنطقة وبين تركيا وآسيا الوسطى. كما يتيح هذا الممرّ صِلة برّية للمرة الأولى بين تركيا والعالم التركي وما يعنيه ذلك من تقلّص النفوذ الإيراني لصالح النفوذ التركي ومن تراجع العلاقات البرّية المباشرة بين إيران وأرمينيا. كما أن أردوغان لم يتردّد في إثارة النعرة القومية والعزف على وتر توحيد جناحي نهر آراس أي جمهورية أذربيجان الحالية ومقاطعة أذربيجان الإيرانية.
كذلك ترى إيران أن الحرب الأذرية بدعم تركي على أرمينيا قد فاقمت من الحضور العسكري الإسرائيلي في أذربيجان وما يعنيه ذلك من تعريض الأمن القومي الإيراني للخطر.
على أن التنافس بل الصراع الشرس بين تركيا وإيران في سوريا والقوقاز، وإلى حدّ ما في العراق، لم يحل دون أن تكون تركيا وإيران شريكين في بعض المنابر والمِنصّات مثل مِنصّة أستانا حول المسألة السورية ومن ثم رباعية المصالحة بين تركيا وإيران وروسيا وسوريا. ثم إن طهران لا تزال ترى في نظام إسلامي في أنقرة عامل ثقة أكثر من وجود نظام علماني قد يجرّ تركيا إلى موقع مواجهة مع إيران الثورة الإسلامية. إن استمرار أردوغان وفريقه السابق في السلطة يؤشر إلى استمرار سياساته السابقة مع إيران بخيرها وشرها.
باختصار إن فوز أردوغان بالرئاسة لا يشكّل بداية مرحلة جديدة في العلاقات التركية الخارجية. ومن خلال كل المواقف التركية بعد الفوز بالرئاسة، واستمرار طاقم العمل نفسه، يمكن توقّع استمرار سياسة المصالحات لجهة تعزيزها مع الدول التي بدأت معها مثل "إسرائيل" والسعودية والإمارات وتفعيلها كما مع مصر. ويسري هذا الاستمرار على المواقف الخارجية تجاه سوريا حيث لا يبدو أن هناك تغييرًا جدّيًا في السلوك التركي السلبي معها، أما مع إيران فإن القاعدة التي تحكم العلاقة بينهما مستمرة في علاقات ثنائية جيدة لكن مع اندفاع تركي أكبر من قبل لمحاولة إضعاف إيران في أكثر من مكان ولا سيّما في القوقاز الجنوبي.

 

مستقبل العلاقات التركية الخليجية / أ. محمد أبو طالب  

-    يمكن تقسيم السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية إلى ثلاث مراحل: 1) مرحلة التمكين من 2002 -2010 سياسة تصفير المشاكل، 2) مرحلة الحصاد الدموي التي جاء بها ما يسمّى بالربيع العربي 2010-2016، 3) مرحلة البراغماتية المفيدة وتقع ما بعد محاولة الانقلاب في تركيا حتى اليوم.
-    لا يوجد مستوى واحد للعلاقات التركية مع الخليج، بل يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات: 
-    المستوى الأول هو مستوى التعاون المستقرّ والمفيد، وهو يضمّ أولًا قطر وبدرجة ثانية سلطنة عُمان. وأتوقّع أن تبقى العلاقة ثابتة، بل مرشحة إلى مزيد من التطوّر والتعاون.
-    المستوى الثاني هو مستوى التبعية للمملكة العربية السعودية، ويضمّ بالدرجة الأولى مملكة البحرين، وبدرجة أقلّ دولة الكويت، والعلاقة مع هاتين الدولتين خاضعة لعلاقة تركيا مع المملكة العربية السعودية. 
-    المستوى الثالث والأهمّ هو مستوى العلاقات الندّية والتنافس الإيجابي أو السلبي، حسب الظروف والساحات، وتمثّل المملكة العربية السعودية بشكل رئيسي والإمارات العربية المتحدة بدرجة أقلّ هذا المستوى من العلاقات.
-    تعريف القوّة الإقليمية المُهيمنة: القوّة الإقليمية هي الدولة التي تُبرز الادعاء (التصوّر الذاتي) بمكانة رائدة لنفسها في منطقة جغرافية واقتصادية وسياسية، وتتميّز وتستعرض قدراتها العسكريّة والاقتصاديّة والديموغرافيّة ومواردها التنظيميّة والإيديولوجيّة لبسط السلطة الإقليمية، ويكون لها نفوذ كبير في الشؤون الإقليمية. وتساهم في تحديد الهويّة أو المشروع الإقليمي بطريقة حاسمة.
-    شكّل ما يسمّى بالربيع العربي محطة فاصلة في العلاقات التركية السعودية والإماراتية، كذلك فعلت محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، وأخيرًا اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في السفارة السعودية في أنقرة. وقد وصلت العلاقات إلى مرحلة متأزّمة جدًا، لكن بطبيعة الحال، قام الرئيس أردوغان وكما عوّدونا من قبل، بانعطافة وتراجع عن كل مواقفه السابقة، وزار الرياض في شهر نيسان عام 2022. وقد كان من الواضح أن الأزمة الاقتصادية في تركيا هي التي استغلّها وليّ العهد السعودي من أجل محو قضية خاشقجي.
-    ارتفاع أسعار النفط وتراكم عوائده في خزائن الرياض التي يرصدها الرئيس التركي، مما دفعه إلى دعوة وليّ العهد لتمويل بعض مشاريعه في إنتاج الأسلحة، وذلك انطلاقًا من “غيرته” على العالم الإسلامي كي لا يبقى سوقًا للسلاح بل يصبح منتجًا له!

مستقبل العلاقات
-    في 12 تموز 2023 وصل وزير مالية تركيا محمد شيمشك ورئيسة البنك المركزي حفيظة أركان في زيارة لتفعيل العلاقات الاقتصادية وتحديدًا الاستثمارات السعودية في تركيا.
-    قبلها بأيام كان وزير المالية ونائب الرئيس التركي في قطر.
-    وفي الشهر الماضي كان رئيس دولة الإمارات في زيارة لأنقرة وبعد أسبوعين زار نائب الرئيس التركي أبو ظبي.
-    بحسب فهمنا لموقع ودور وطموح كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة، وتركيا حزب العدالة والتنمية، أي الرئيس أردوغان من جهة ثانية، يمكن القول بأن المرحلة الحالية التي تمرّ بها العلاقات بين الطرفين هي مرحلة إعادة التشكيل والتشبيك والتموضع، وهي المرحلة القريبة المدى، خاصة في ظلّ انكفاء أو تراجع سطوة الدولة العظمى الولايات المتحدة. في المملكة العربية السعودية يسعى وليّ العهد إلى إعادة تقييم قوّة ونفوذ وقدرة إمكانات المملكة، في محاولة للتفلّت أو التخفيف من تأثير ونفوذ واشنطن، وهذه في الحقيقة سياسة جديرة بالقراءة والمتابعة. أما تركيا فإن رئيسها يقف أمام تحدّيين اثنين: الخروج من الأزمة الاقتصادية أولًا، وتوريث نهجه ورؤيته ثانيًا، ولكي تنجح الثانية هو بحاجة للأولى نظرًا إلى حاجة أنقرة لثروات الخليج، لذلك سيقوم خلال شهر تموز بزيارة لهذه الدول الهدف منها استقطاب 25 مليار دولار للاقتصاد التركي بحسب بلومبرغ.
-    أما على المدى المتوسط والطويل، فمن الصعب أن تحظى هذه العلاقات بالاستقرار والهدوء، لأن كلا الطرفين يطمحان لزيادة نفوذهما، وملء الفراغ الذي تنسحب منه واشنطن. وكلا الطرفين يعملان لقيادة العالم العربي والإسلامي، وتقديم نموذج يستقطب المحيط، فهناك صراع خفيّ على قيادة العالم الإسلامي، وهي الكلمة الملطّفة لجملة "الهيمنة" على العالم العربي والإسلامي.


العلاقة مع الدول العظمى
-    يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، سعي القوى الإقليمية المهيمنة إلى الحدّ من تأثير القوى العظمى على الإقليم الذي تقع فيه، لأن هذا التأثير سيؤدّي بطبيعة الحال إلى إضعاف دور ومكانة الدولة الإقليمية المهيمنة لصالح دور الدولة العظمى التي لا تسمح بوجود قوى منافسةٍ لها. لكن ثمّة خيار أقلّ سوءًا للقوّة المهيمنة إقليميًا، ألا وهو وجود قوتين عُظميين معًا في المناطق الأخرى، وبالتالي ستُجبران على تركيز الاهتمام على بعضهما البعض عوضًا عن الاهتمام بالدولة الإقليمية المهيمنة.
-    مع روسيا: أعظم إنجازات بوتين أنه أدار بذكاء وفهم سياسته مع تركيا التي يدرك جيدًا حاجته إليها. ومن شأن تشابك مجموعة المصالح والمغريات التي يقدمها بوتين لتركيا أن تجعل من الصعب على أردوغان أن ينقلب على موسكو. في المدى القريب ليس من السهل الانقلاب على روسيا، ويكفي روسيا أن تكون تركيا في موقع محايد.
-    تحاول الصين المضيّ في عدّة محاور بمشروع طريق الحرير مثل ممرّ جوادر الباكستاني، فضلًا عن سكك حديد تربطها بأوروبا عبر روسيا، إلا أن الطريق الأقصر والأكثر واقعية هو الطريق إلى الأناضول الذي يبدأ من غرب الصين إلى البحر الأسود ومنه إلى البحر المتوسط عبر مضيق البوسفور، حيث يمثل النقل البحري الوسيلة الأرخص تكلفة لكثير من البضائع، وهو ما يدفعها إلى تعزيز العلاقات مع تركيا بشكل كبير. وفي هذا الإطار استحوذت شركة كوسكو باسيفيك الصينية العملاقة لشحن الحاويات على ميناء كوموبورت في بحر مرمرة الذي يعدّ ثالث أكبر ميناء في تركيا مقابل مليار دولار، وذلك لتقديم خدمات ملاحية ولوجستية للسفن المارّة.
-    الولايات المتحدة والغرب: هناك حلم يراود الأتراك من أيام العثمانيين، خاصة بعد القرن التاسع عشر، وهو أن يصبحوا جزءًا من الغرب، وكذلك فعل أتاتورك ومن جاء بعده، والاستثناء الوحيد ربما هو الراحل نجم الدين أربكان الذي اعتبر أن علاقة تركيا مع الغرب ستكون ذيلية، بينما ستكون مع العالم الإسلامي قيادية. المشكلة في العلاقات الأميركية التركية هي استكبار وغرور الغرب، ونظرته الدونية للآخرين، وبالتالي لن تستطيع تركيا في أي يوم أن تكون جزءًا من الغرب، هذا حلم. هي بالنسبة للغرب موقع متقدّم لاحتواء المنطقة الأوراسية، ويمكن أن تكون فاعلة في قطع طريق الحرير الصيني، وبعبارة أخرى، هي منصّة لتحقيق أهداف الغرب في المنطقة.

تحميل الملف
المقال السابق
سلسلة البحث الراجع | جيوبوليتيك المعادن النادرة الإنتاج والاستخدام / العدد 59 - آب 2023
المقال التالي
سلسلة المواكبة المستمرة | إعداد مديرية الدراسات الاستراتيجية/ العدد 29 - تموز 2023

مواضيع ذات صلة: