تقديم
عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بتاريخ 22/ 12/2022 حلقة نقاش بحثية عن "المياه الضائعة ودورها في ردم الفجوة المائية في لبنان" حضرها عدد كبير من المهتمين والباحثين وأصحاب الخبرات المختصين في هذا المجال.
هدفت هذه الحلقة إلى الإسهام في دفع التفكير قدمًا باتجاه تقديم اقتراحات إجرائية آنيّة مناسبة تساهم في توفير المزيد من المياه المتوفرة لكن المُهدّرة والمرتبطة بتأمين احتياجات الخدمات الأساسية للمواطنين. وذلك باعتبار أن الأزمة الاقتصادية وتداعياتها وما رافقها من انكفاء كبير في مجاراة أعمال الصيانة والإصلاحات الضرورية لهذه الخدمات قد أسفرت عن نتائج سلبية لم يقتصر تأثيرها على نوع الخدمة فحسب بل تعدّاه إلى إمكانية توفيرها للمواطن بالوتيرة السابقة للأزمة وبالأسعار التي يمكن أن تتناسب مع مستويات دخله.
سلّطت حلقة النقاش الضوء على تحسين القدرة على استخدام مصادر مياه حالية في مشاريع يمكن تنفيذها عبر البلديات أو مصالح المياه أو جهات محلّية بأكلاف مقبولة، بحيث يمكن لهذه المشاريع المساهمة في استيعاب تنامي أعداد السكان واحتياجاتهم في القرى من جهة مع لحاظ القدرة على تأمين التمويل والاستدامة والتنمية المحلية من جهة ثانية.
ولهذا الغرض طرحت هذه الحلقة مجموعة من الأسئلة بشأن:
1. الفرص التي يمكن أن توفّرها البلديات والاتحادات والتجمّعات البلدية في سدّ جزء من النقص في توفير المياه للاستخدام والريّ على حدّ سواء، وحدود هذا الخيار على المستوى التمويلي والإداري وإمكانيات تطويره.
2. الشراكات الممكنة بين البلديات والقطاع الخاص والهيئات والمؤسسات المعنية ومصالح المياه في النطاق المحلّي.
3. المشاريع الاستثمارية المرصودة رسميًا لهذا القطاع المنفّذة وغير المنفذّة.
4. تجارب البلديات في إدارة قطاع المياه.
قدَّم عدد من المحاضرين المختصين أوراق عمل بحثية، في الحلقة التي أدارها مدير عام المركز الدكتور عبد الحليم فضل الله وقدَّم فيها كلمة تمهيدية رحّب فيها بالحضور مشيرًا إلى أن هذه الندوة تأتي في إطار تركيز المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق على دور السلطات اللامركزية في حلّ المشكلات المرتبطة بخدمات البنى التحتية ضمن مقاربة تقوم على أن النطاق اللامركزي والبلديات خصوصًا ليس لديها ما يكفي من القدرات للحلول محلّ السلطة المركزية، لكن ما يمكن أن تقدّمه البلديات هو أن تحل المشاكل التي تتطلّب الإدارة والتنسيق وتعبئة القدرات المحلية. ويأتي اختيار هذا الموضوع ضمن تقدير أن قطاع المياه ومشاكل هذا القطاع من أهم التحدّيات التي يواجهها البلد وكان مقدّرًا لولا الأزمة – ولو أُطلقت مشاريع سيدر- أن يكون لقطاع المياه حصة وافرة من الاستثمارات الممكنة المتمثلة مئات المشاريع المركزية وعلى مستوى مختلفة المناطق.
مشكلة المياه هي في الإدارة والاستثمار، بحيث إن فجوة الاستثمار الآن باتت تشمل الاستثمار الجاري أو النفقات الجارية. كذلك يتشابك قطاع المياه مع القطاعات الأخرى ولاسيّما منها القطاع الصحي وقطاع الصرف لما لجودة المياه من ارتباط مباشر مع هذين القطاعين، ولا يُرتقب الوصول قريبًا إلى نتائج في الإدارة على المستوى المركزي الحكومي. هناك بدائل جرى الحديث عنها في أوراق عديدة لكننا اليوم بصدد تكتيل الخبرات في هذا المجال للخروج بتوصيات يمكن أن نضعها موضع التنفيذ انطلاقًا من تحليل المشكلة وصولًا إلى وضع مسارات الحلّ ومرورًا بتجارب موجودة وقائمة بعضها لاقى تحدّيًا وممانعة على المستوى المركزي وبعضها استطاع أن ينجو كما حصل مع مشروع الاستفادة من فائض مياه الأمطار في مشروع نبع مياه الطاسة بحيث شقّ طريقه للتنفيذ.
إذًا على هذه المقاربة تقوم حلقة النقاش وهي تتألف من محورين: المحور الأول يناقش المصادر المائية المؤكدة والُمهدَرة، أما المحور الثاني فيركز على مصادر المياه الموسمية وتجارب الإدارة.
وكذلك أشار في كلمته إلى أن الجلسة الافتتاحية ستكون لتقديم بحث حول "السياسات المائية في لبنان: الواقع والتداعيات"، بينما ستتوزع الأوراق البحثية الأخرى على محورين:
المحور الأول يتناول المصادر المائية المؤكدة والمُهدَرة.
المحور الثاني يتناول مصادر المياه الموسمية وتجارب الإدارة.
كلمة مفتاحيّة: السياسات المائيّة في لبنان: الواقع والتداعيات المهندسة مها جمّول
تتصدّر قضايا المياه أولويات القضايا التنمويّة والحياتيّة في العالم، وهي في دول العالم العربي وشرق المتوسط بالتحديد باتت تُصنّف باعتبارها مسألة حياة أو موت. أحيانًا تتم مقاربة الحديث عن المياه إما من باب الندرة، وإما من باب التلوّث أو من باب السيادة على الموارد أو من باب الإدارة المستدامة أو من باب التسليع أي التعاطي معها باعتبارها سلعة قابلة للبيع والتبادل التجاري، وغيرها الكثير من المواضيع الهامة التي دأب قسم الدراسات الإنمائيّة على متابعتها منذ وقت طويل.
في هذه الكلمة المقتضبة سوف أتطرّق بشكل سريع إلى الإشكاليات الفعليّة التي أدّت إلى إقامة أو تنظيم ورشة العمل هذه، فهل تخصيص محاضرة عن استخدام فائض المياه الشتويّة أو تجميع مياه الأمطار أو استثمار السيول أو غيرها من العناوين المطروحة اليوم على بساط النقاش يعني أن لبنان بات قاب قوسين أو أدنى من التصحّر لذا بات حتمًا عليه دق ناقوس الخطر لاستثمار كل نقطة من مياهه؟ أم أنه دخل في مرحلة الهروب إلى الأمام لتجاوز الإصلاحات الإداريّة والهيكليّة والتلوث من خلال التفكير في استثمار مياه موجودة حاليًا لكنها تعتبر مياهًا ضائعة وذلك بدل تكبّد عناء رفع التلوث وإنجاز المطلوب ماليًا وإداريًا وفنيًا لإصلاح هذا القطاع؟ أم أننا بالفعل ندرك الاحتياجات المتزايدة للطلب على كمّيات إضافيّة من المياه مع تزايد أعداد السكان وتداعيات النزوح السوري المفاجئ، أو أننا بصدد إعادة تقييم الاحتياجات من المياه بعد الأزمة الاقتصاديّة التي عصفت بالبلد والتي أدت إلى تغيير في تركيبة الاقتصاد الذي كان يعتمد على قطاعات: السياحة والمال والعقارات وهي قطاعات لا تحتاج إلى استخدام كمّيات كبيرة من المياه مقابل ما وصلنا إليه في الوقت الحالي لجهة إعادة الاعتبار إلى القطاع الزراعي والصناعي مع ما يستلزمان من حاجات متنامية للمياه؟
الهدف الفعلي اليوم من حلقة النقاش هذه هو الإضاءة على الإمكانات المتاحة وتلك الممكنة لتحسين القدرة على استخدام مصادر مياه موجودة لتأمين الاستدامة المطلوبة لنموّ المجتمع وتعزيز صمود أهله فضلًا عن الإجابة عن أهم هذه الإشكاليات المطروحة، وهذا يعني أننا لا نحتاج لتأمين كمّيات إضافيّة فقط، بل أيضًا نحتاج إلى التخطيط لأعمال إدارة هذا القطاع وتأمين نوعيّة المياه المناسبة للمواطنين وحفظ وتيرة وصولها وقدرتها على تلبية المستلزمات الآنيّة والمستقبليّة بما يمكّنها أن تسدّ فجوة في الأمن الغذائي لهذا الوطن.
اسمحوا لي أن أتحدث باقتضاب عن مآل العمل على إستراتيجيّة المياه التي ظهرت عام 2012 والتي كان من المفترض أن تكون قد أُنجز أغلبها عام 2022، وكان متوقّعًا لها أن تُشكّل الإطار العملي والاسترشادي لعمل مصالح المياه والإدارات والبلديات في مجالات: الحفاظ على المياه والإدارة والحماية والمشاريع.
والحديث عن الخطة بالرغم من مرور 10 سنوات عليها لا يزال يكتسب أهميّة معينة باعتبار أن منهج وسياسات العمل التي أدّت إلى ظهور هذه الخطة إلى العلن لا تزال هي نفسها: إذ يمكن القول إنّ هذه الخطة هي نسخة محسّنة عن الخطة العشريّة للمياه التي كانت متداولة في الستينيات من القرن الماضي. وعندما تقصّدتُ القول إن منهجًا تقليديًا معينًا لا يزال ساريًا كان الهدف هو الإشارة إلى النواحي الآتية:
1. لم تستند الخطة إلى إحصائيات موثّقة وعلميّة حول الكمّيات الفعليّة المتوافرة. وكان أن طالعتنا دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أشارت إلى وجود كمّيات جوفيّة لم يتم احتسابها عند تقدير كمّيات المياه التي يتم التعامل معها. الواقع أن الإستراتيجيّة كانت بصدد التعامل مع كمّيات قابلة للسحب المباشر من مياه سطحيّة موجودة في الأنهر والينابيع لكنها مصادر ملوثة بأغلبها- أو قابلة للتلوث بالصرف الصحي أو مخلفات المعامل بشكل لا يمكن التعامل معه. ومن جهة ثانية فإن هذه المياه غير مناسبة للتخزين المباشر من خلال السدود باعتبار طبيعة لبنان الكارستيّة في معظمها التي تخزّن مياه الأمطار أو المياه المجمعة في باطن الأرض، وهذا يعني أن الاعتماد على التخزين الجوفي ممكن لكن كمّياته غير محددة وغير مدروسة فضلًا عن أن كلفة السحب منه قد تكون مرتفعة خاصة مع ارتفاع سعر أسعار الفيول في الوقت الحالي. إذًا وبغياب الإحصاءات الحقيقيّة نحن واقعون في إشكاليّة حول المفاضلة بين نوعيّة المياه والكلفة والاستدامة.
2. النقطة الثانية هي أن الخطة لم تلحظ الاستفادة من المياه المطلوبة لمشاريع الري فباستثناء بعض مشاريع الري المحددة في عكار ومشاريع الري من الليطاني القائمة منذ ستينيات القرن الماضي نكاد لا نلحظ أيّة إشارات جديّة لحاجات لبنان المخصصة للري. وإذا تأملنا قليلًا في واقع ما نحن فيه اليوم فسوف نُقرّ جميعًا بأننا منذ زمن طويل جدًا نحصل من مصالح المياه على مياه بوتيرة غير منتظمة لكنها مياه صالحة للاستخدام حصرًا- جميعنا نشتري مياه الشرب- وهذا تنازل من غير المعروف إن كان يمكن ردمه في يوم من الأيام. كذلك وجدنا أن مجلس الإنماء والإعمار كان أنجز القسم الأكبر والأهم من أعمال أقنية الري من بُحيرة القرعون لري الأراضي الواقعة على منسوب 800 متر وما دون، لكن المياه بسبب تلوثها المفرط لم يكن ممكنًا إرسالها في الأنابيب، والمشروع كما تعرفون جميعًا متوقف منذ نحو أربع سنوات.
كلّف هذا المشروع نحو 850 مليون$ وكان من المفترض أن يضخّ نحو 110 ملايين م3 من المياه سنويًا لكنه كان دون خطة زراعيّة فعليّة، فقد اقترح الإبقاء على زراعة التبغ وأنواع أخرى من الزراعات البعليّة (تصوّروا أننا ننفق 850 مليون$ لمشروع ري ثم نقترح الإبقاء على الزراعات البعلية). وهذا كله للتأكيد أن التعامل مع قضايا المياه في لبنان لم يكن يومًا بالمستوى المطلوب.
3. النقطة الثالثة هي أنه كان يمكن العمل على الخطة الإستراتيجيّة منذ وقت طويل لكن الهدف منها برأيي، لم يكن إصلاحيًا بقدر ما كان سياسيًا، وكانت حجة عدم التنفيذ هي غياب الموارد الماليّة الكافية لكن المواقف الآتية تظهر عدم صوابيّة الحجج المعروضة:
- الموقف الأولى: اعتراض النائب إبراهيم كنعان على عدم استكمال سد بريصا لحاجته إلى نحو 25 مليون$ زيادة على 15 مليون دولار التي كانت مقدّرة أصلًا لاستكمال السد، وذلك بسبب التسرّب الكبير للمياه المجمّعة نظرًا لطبيعة التربة في تلك المنطقة. وقد أخذ الجدل حول هذه النقطة بُعدًا طائفيًا في اللجان النيابية كما في الإعلام.
- الموقف الثاني: هو إقرار مجلس الإنماء والإعمار بأن سدّ جنّة في جبيل غير مصمّم لتوفير كمّيات مياه لبيروت مع العلم أنه كلّف حتى الآن نحو 225 مليون$ ويُتوقع أن يصل هذا المبلغ إلى 855 مليون$، لكن جبيل ومحيطها لا أزمة مياه فيها في الوقت الحالي ولا تحتاج مباشرة لمياه السدّ للري نظرًا لموقع السد البعيد عن الأراضي الزراعيّة. وهنا أيضًا كان المشروع لأهداف سياسيّة انتخابيّة أكثر منه حاجة إنمائيّة لمنطقة معينة. وهنا يمكن الإشارة إلى رأي مركز الأبحاث الجيوفيزيائية في المجلس الوطني للبحوث العلميّة عام 2015 الذي أشار إلى: (النص) "خطر تمزّق السد وإلى أن حلولًا أخرى كانت لتكون أقل تكلفة لناحية التأثير السلبي على الطبقات الجوفيّة وإلى احتمالية الزلازل وأنه كان يمكن التفتيش عن مواقع أخرى مناسبة".
- الموقف الثالث: ويتعلق بتعديل قانون المياه (القانون رقم 77 عام 2018) الذي تعدّل مرتين في وقت قياسي: ففي عام 2018 تم تمريره في مجلس النواب باعتبار وجوده شرطًا لازمًا من الفرنسيين – الجهة المقرِضة- لتمويل محطة الصرف الصحي في كسروان، أما التعديل الثاني فحصل عام 2020 أي بعد سنتين فقط.
وبالعودة إلى ما تضمّنته الخطة وكان بالإمكان تنفيذه دون تكاليف ماليّة كبيرة نذكر:
1. تضمّنت الخطة وضع تعرفات جديدة للمياه وقد جرى تطبيق هذه التعرفات بعد 10 سنوات من التأخير وكان يمكن أن تحصل قبل ذلك بكثير.
2. تضمنت الخطة بندًا حول تحسين إدارة قطاع الري، لكن وصلنا في عام 2022 ليكون عندنا كوليرا وري بمياه المجاري، وكان هذا التحسين ممكنًا بتكاليف معقولة. ولا شك أن أغلبكم قد اطّلع في أوقات سابقة على الأزمة الحاليّة على تقارير كانت تشرح إمكانيّة ري أنواع معينة من المزروعات بمياه الصرف الصحي دون غيرها- نحن بلبنان أحيانًا لدينا قدرة عجيبة على تبرير الأخطار أكبر من قدرتنا على إصلاحها-.
3. تضمّنت الخطة بندًا لاعتماد تقنيات مُثلى لإدارة الوحول الناتجة عن الصرف الصحي وبالطبع فإن شيئًا من هذا الأمر لم يتم (وبالمناسبة كنا في تشرين الأول الماضي في اجتماع في اتحاد بلديات الضاحية حول: سير العمل بمشروعي سد بسري وجرّ مياه الأولي. وقد سمعنا مدير المشاريع في مجلس الإنماء والإعمار م. إبراهيم شحرور عندما سألوه عن محطة الصرف الصحي في وادي بلدة النميريّة أين سيتم التخلص من المياه الآسنة عند خروجها من المحطة يقول: بشي وادي).
4. فجأة اكتشفت الدولة أن مصالح المياه ومحطات الصرف الصحي بحاجة لفيول، وكان تصريح لوزير الطاقة د. وليد فياض بداية كانون الأول الحالي في افتتاح الدورة الرابعة عشرة للمجلس الوزاري العربي للمياه (النص) "عن سعي الوزارة لتخفيض كلفة الطاقة عن طريق الاعتماد على الطاقة المتجددة" وأضاف عن توجهات الوزارة "باعتمادها على الينابيع الطبيعيّة والمياه السطحيّة والسدود والتغذية بالجاذبيّة وتخفيف الضغط على المياه الجوفيّة وما تحتاجه من طاقة لتغذية محطات الضخ، إضافة إلى إعطاء الأولويّة لتأهيل الشبكات بغية تخفيض الهدر الفني والقيام بحملات رفع التعديات عن الشبكات وتفعيل الجباية واعتماد العدادات والتخلّي عن الاشتراكات الثابتة بالعيار".
5. تضمّنت الخطة بندًا حول تطوير ترتيبات التخفيف من حدّة الفيضانات والسيول، وبالطبع فإن هذه الترتيبات إن حصل بعضها كانت لتتم بشكل جزئي وفي أماكن موضعيّة محددة.
إن ما ذكرته من أمثلة هو عيّنة فقط عن الترتيبات والإجراءات التي كان يمكن التعامل معها لكنها لم تحصل أبدًا، إذ المطلوب كان تنفيذ مشاريع السدود ذات الطابع المناطقي والتي فاحت منها روائح الصفقات.
في كلمتي أيضًا أرغب بالتنبيه إلى أخطار الهروب من مواجهة الإصلاحات الفعليّة في قطاع المياه، إذ في حلقة نقاش سابقة نظمها المركز في تشرين الأول من العام الفائت حول استثمار المصادر المائيّة للمنطقة الساحليّة في لبنان أكّد الخبير د. أمين شعبان أن: "لا خوف على لبنان من التصحّر أو الجفاف لأن مصدر المياه متوفر دائمًا (الرطوبة الواصلة عبر المتوسط)، لكنه أضاف: "السؤال الأهم هو كيف يمكن تأمين استخدام هذا المصدر بالنظر إلى العوامل المؤثرة في مسألة المتساقطات وكيفيّة تعامل الطبقات الجوفيّة معها والتي تتلخّص بعدة أمور منها: التغيّر المناخي وإزاحة الفصول والبنية العمرانيّة المتمثلة في مساحة كتل الخرسانة المانعة من تسّرب مياه الأمطار".
إذًا المياه موجودة لكن حمايتها واستثمارها بالطرق المثلى وتأمين الاستدامة المطلوبة هو أمر حيوي للغاية، خاصة وأن تغيرات كبيرة مفصليّة حصلت في لبنان لجهة تضاعف أعداد السكان في وقت قياسي ولجهة توجه قسم كبير من هؤلاء السكان إلى الزراعة والصناعة بفعل تداعيات الأزمة الاقتصاديّة وهي قطاعات مستهلكة جدًا للمياه.
إن ما ينبغي التنبيه منه أيضًا هو مراقبة الاتجاهات العالميّة في التعاطي مع حلّ مشاكل المياه، ففي تقرير صادر عن منظمة غرين بيس جرت الإشارة إلى أن "ستة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بينها لبنان تعاني من ظاهرة الاحتباس الحراري بوتيرة تقارب ضعف المعدل العالمي وأن تداعياته الخطيرة الناتجة عن تغيير المناخ هي في الشح الحاد في المياه". ويتابع التقرير: "تواجه بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضغوطًا بيئيّة مثل ندرة المياه ونضوب الأراضي وتلوث الهواء وسوء إدارة النفايات وفقدان التنوّع البيولوجي وتناقص الموارد البحريّة وفقدان النظم الساحليّة البيئيّة، وتحثّ المنظمة حكومات العالم وكبار رجال الأعمال والمستثمرين على الالتفات لتحذيرات هيئة دوليّة من العلماء واتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنّب التغيّرات المناخيّة الكارثيّة والخطيرة قبل فوات الأوان". الشاهد هنا الإشارة إلى حث كبار رجال الأعمال والمستثمرين على المساهمة في اتخاذ الإجراءات الضروريّة والمناسبة، وهذا قد يقودنا في مستقبل قريب – ربما- نحو توجيه هؤلاء المستثمرين بدعم دولي ومحلي إلى تحلية مياه البحر وذلك تماشيًا مع المقولة السائدة عن قدرة القطاع الخاص على تولّي زمام المبادرة بخلاف قدرة الدولة على ذلك.
وهنا ينبغي إعادة التأكيد على أن المياه هي حق وأن توفير المياه الآمنة هي حق، وأن الناس شركاء في ثلاث: الماء والأرض والكلأ، وأن على المواطن أن يدفع بدل الخدمة وبدل الاستهلاك والحماية التي يحصل عليها لا بدل الماء نفسه.
أخيرًا لا بد من التوقف عند مجموعة من النقاط السريعة والهامة في مجال سياسات العمل المفترضة في مجال المياه ومنها:
1. من الضروري إعادة النظر بالسياسات المائيّة الحاليّة في لبنان والنظر بعين الحكمة والمنطق والعلم نظرًا لأهميّة هذا المورد في حياة البلد ككل واستمراره.
2. إنشاء بنك معلومات مركزي موثّق حول المياه في لبنان وأشدد على كلمة مركزي باعتبار نظرًا إلى وجود جهات عدّة لديها تقديرات وقياسات مختلفة وبالتالي استنتاجات مختلفة ومتباينة.
3. أخْذ مسألة التغيّر المناخي في لبنان بالجديّة المطلوبة. والتغير المناخي كما تعلمون لا يتعلق فقط بثقب الأوزن كما روّجت لذلك العديد من وسائل الإعلام في قمة المناخ الأخيرة في مصر، بل إن التغيّر المناخي يمكن أن تكون له أبعاد كارثيّة وما حصل في باكستان مؤخرًا عندما جرفت الأمطار والسيول نحو ثلث الأراضي الزراعيّة في البلاد لهو خير دليل على الآثار المهولة التي يمكن أن تحصل.
4. "الملوّث يدفع" "واللي ثقب الأوزون يصلحه" هذه مقولات حق لكن يراد بها باطل. وهي تعني أن الفئات أو الجهات الملوِثة يمكنها أن تستمر في التلويث أو استنزاف الموارد ما دامت قادرة على الدفع المادي مقابل ممارساتها. وهنا نشير إلى أن التلوث من منطقة البقاع الأوسط بسبب المعامل والمستشفيات أو غيرها من المؤسسات أمر لا يمكن مقايضته ولا يمكن تحديد الثمن الفعلي الذي ترتّب على تلويث التربة أو موت الأنواع أو حتى التسبب بمعاناة الناس من المرض إن لم يموتوا بالفعل.
5. يتطلب إصلاح قطاع المياه في لبنان تمويلًا بالطبع لكنه أيضًا يتطلب إرادة سياسيّة وشجاعة إلى نظرة تنمويّة عادلة لا طائفيّة ولا مناطقيّة تأخذ بالاعتبار: خفض الهدر وحماية المصادر من التعديات، وعدم تسييس قضايا المياه (سد بسري توقّف لأسباب سياسيّة)، ولحْظ الاحتياجات الفعليّة للسكان والاقتصاد في الوقت الحالي وتوقعات النموّ المستقبلي بالنظر إلى التحدّيات التي نواجهها آنيًّا وأهمها تقلّص الإدارة والطواقم الإداريّة المولجة بالعمل المؤسساتي وتراجع القدرة على التخطيط.