النقل العام في لبنان: مقاربات عملية لمواجهة تحدّيات النهوض بالقطاع

مدخل

عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بتاريخ 15 آذار 2022 حلقة نقاش حول قطاع النقل العام في لبنان حاضر فيها كل من: د. قاسم رحّال مستشار وزير الأشغال العامة، والمهندس إيلي الحلو مدير مشروع النقل العام في مجلس الإنماء والإعمار، ود. علي الزين الباحث والخبير في مجال النقل في جامعة ليون وحضرها نخبة من المختصين والمهتمين. 
افتتح رئيس المركز الاستشاري د. عبد الحليم فضل الله حلقة النقاش بكلمة رحّب فيها بالمشاركين وأعرب عن أمله في أن يُسفر النقاش عن خلاصات وتوصيات تساهم في وضع الحلول الملائمة لأزمة النقل، خصوصًا وأن المستهدف الأساسي منها هم صانعو القرار سواء أكانوا مسؤولين على المستوى الوزاري أو المؤسسات الرسمية أو على مستوى البلديات أم من الفاعلين والمؤثرين في رسم السياسات العامة.
 ورأى أنّ طرح موضوع النقل المشترك الآن هو أكثر أهمية من أي وقت مضى، مع أنه كان مهمًا طوال الوقت. فإذا راقبنا تطوّر المسار في هذا القطاع بدءًا من إقرار خطة النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية نجد أن 47% من الإنفاق الاستثماري ذهبت إلى قطاع النقل وكان وقتها يُقدّر بما بين 5 إلى 6 مليارات دولار، لكن لم يكن للنقل المشترك إلا نصيب زهيد وغير فعّال من هذا الاستثمار كله.
وحتى عندما طُرح في عام 2013 مشروع "سيدر" لإعادة استنهاض البنى التحتية في لبنان جرى تخصيص نحو 7 مليارات دولار لقطاع النقل في المرحلتين الأولى والثانية فضلًا عن أموال أخرى إضافية كانت مخصّصة للمرحلة الثالثة، دون أن يحظى النقل المشترك بالتمويل اللازم.
وإذا كان هذا القطاع مهمًا في الأساس، فإنّه اليوم أكثر أهمية لأن تطويره شرط أساسي من شروط التعافي والنهوض الاقتصادي والاجتماعي وإعادة النظر بالخريطة الزمنية للبنان ووصل المناطق إنتاجيًا وديموغرافيًا وجغرافيًا بعضها ببعض وأيضًا لأجل زيادة فعالية الإنتاج. 
وتزداد أهمية تطوير قطاع النقل في مواجهة نزف العملات الصعبة المترتبة على عجز الميزان التجاري والرصيد السلبي لميزان المدفوعات، علمًا أن فاتورة المشتقات النفطية كانت تعادل حوالي ثلث الاستيراد قبل الأزمة، وهذه النسبة آخذة بالارتفاع بعد الأزمة ومرشحة للازدياد أكثر في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا على خلفية الحرب الأوكرانية. إن مواجهة هذا النزف هو استحقاق أساسي يتطلب جهودًا سريعة وفعالة في مجال النقل المشترك وغيره.

فضلاً عن ذلك، إنّ وجود نظام متطوّر وشامل للنقل المشترك من شأنه مساعدة الأسر اللبنانية على مواجهة الأزمة، فالإنفاق على المواصلات يضغط على ميزانيات الأسر ويقتطع منها ما لا يقل عن 13.1 بالمئة بحسب سلة الاستهلاك المعتمدة من قبل إدارة الإحصاء المركزي، ولا شك أن هذه النسبة ارتفعت وربما تضاعفت بعد الأزمة المالية والانهيار النقدي في البلد.
سنناقش في هذه الحلقة قضايا النقل انطلاقًا من الخطط القائمة ومن الأوضاع التي يؤمل الوصول إليها، في محاولة لنسج رؤية واقعيّة تأخذ بعين الاعتبار الظروف الإدارية والمؤسساتية التي تمرّ بها الدولة، وضمن مقاربة متعددة الجوانب تبين العوامل المؤثرة في أزمة القطاع والسياق العام المحكومة له والاستفادة في البحث عن المخارج والحلول من التجارب المماثلة.

 

خطة إدارة قطاع النقل العام: التصوّرات العامة والخطوات التنفيذية والعقبات / د. قاسم رحّال، مستشار وزير الأشغال العامة والنقل
 

أولًا: واقع النقل العام في لبنان في الوقت الحالي:

يعاني النقل العام في لبنان من مجموعة أزمات ومعوّقات أفضت إلى فشل القطاع وشلله بشكل شبه كلّي في الوقت الحالي، ويمكن في هذا المجال الحديث عن عدد كبير من هذه العوامل أهمّها: التدمير الممنهج للبنية التحتية لقطاع النقل العام وآلياته وتجهيزاته، غياب دور الدولة في رعاية هذا القطاع، العشوائية المنظمة التي تتحكّم بهذا القطاع على أسس مناطقية وأحيانًا مذهبية، استفحال أزمة السير الحاصلة في مختلف المدن والمناطق اللبنانية ولا سيّما في مدينة بيروت وضواحيها، إنزال وسائل نقل عمومي إلى السوق اللبناني بما يفوق 33 ألف سيارة سرفيس تاكسي شرعية وألفي باص و4 آلاف ميكروباص إضافةً إلى أعداد كبيرة من وسائط النقل المزوّرة.

كذلك يمكن الإشارة إلى عدد آخر من المعوّقات التي تصف الواقع الحالي منها:
1-    سوء تنظيم قطاع النقل وحصره في العاصمة بيروت وضواحيها وعدم وجود محطات تسفير أساسية تخدم هذا القطاع لا في بيروت ولا في باقي الأقضية.
2-    تضاعف عدد السيارات المسجّلة سنويًا في وزارة الداخلية حيث أصبح العدد يفوق المليون و700 ألف سيارة.
3-    غياب البرامج الجدّية للفحص الميكانيكي الفعّال والشامل الذي يؤمّن صحة صيانة المركبات وسلامتها بالرغم من وجود مراكز الفحص فعليًا.
4-    سوء حالة شبكة الطرقات الرئيسية والدولية وعدم استثمار الموازنات الخاصة في وزارة الأشغال العامة والنقل لهذا الغرض لاستخدامها بطريقة علمية ومهنية لصيانة الطرقات.
5-    ارتفاع كلفة التنقل مقارنة بالحد الأدنى للأجور وخصوصًا في السنوات القليلة الماضية.
6-    الشغور الحادّ في أعداد موظفي مؤسّسات وإدارات الدولة التي تهتم بهذا القطاع وعدم إمكانية التوظيف وجذب الكفاءات البشرية لتفعيل هذا القطاع.
7-    عدم وضع آليات تشريعية وتنفيذية لتنفيذ الخطة المعدّة سابقًا من قِبل لجنة الأشغال العامة في مجلس النواب عام 2002.
8-    عدم وجود معلومات وإحصاءات عن الحافلات والمركبات العاملة على خطوط النقل: أعدادها، أماكن تواجدها، حركة عملها، مدى انتظام خدماتها، الخ...
9-    عدم وجود نقل عام حاليًا مُشغَّل من قِبل القطاع العام.

 

ثانيًا: الواقع الإداري لمؤسّسات ومشاريع النقل حاليًا:


1.    المؤسسات الإدارية:
تقع مسؤولية النقل العام على عاتق المديرية العامة للنقل البري والبحري ومن ضمنها المهام الموكلة إلى مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك.
وبالعموم يمكن الإشارة إلى أن أبرز المهام التي تقوم بها هذه المديرية هي: التركيز على الأمور التي تُعنى بقضايا المرافئ والأملاك البحرية بالدرجة الأولى، وإعطاء التراخيص وإذن المزاولة لسائقي النقل العام بدون وجود آليات للتنسيق مع مصلحة السكك الحديد والنقل المشترك لتحديد مسارات التشغيل.
أما مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك وهي المؤسسة المختصة بأمور قطاع النقل العام في لبنان فتعاني من نقص حادّ في العديد الإداري وخصوصًا المهندسين والفنيين تحديدًا العاملين في مجال الصيانة. كذلك تشكو من التوقف القسري للباصات التابعة للمصلحة خاصة لجهة التداعيات الكبيرة بعد انفجار 4 آب حيث تضرّر نحو 45 ميكروباص فضلًا عن تضرر المستودعات الرئيسية والمخازن التابعة للمصلحة والموجودة في منطقة الأشرفية- مار مخايل. وبالطبع وكما أغلب المديريات الرسمية فإن المصلحة تعاني من الشح المالي ومن نقص الاعتمادات غير الكافية لتنفيذ المشاريع أو الدراسات الإحصائية وجمع المعلومات والبيانات عن حركة النقل العام في كافة الأقضية في لبنان، بحيث لا يوجد إحصائيات كافية لدى مصلحة سكك الحديد والنقل عن حركة التنقل بين بيروت وضواحيها وكافة الأقضية اللبنانية، كما لا يوجد إحصائيات لدى مصلحة سكك الحديد والنقل عن حافلات القطاع الخاص العاملة على الأراضي اللبنانية، عددها وأماكن تواجدها وحركة عملها ومدى انتظام خدماتها... الخ، كذلك لا توجد إحصائيات متكاملة أو دراسات جدوى لدى مصلحة سكك الحديد والنقل حول وضع خطوط السكة وحجم التعدّيات عليها يمكن الاستفادة منها في جذب الشركات العالمية للاستثمار في هذا القطاع.

2.    المشاريع قيد التنفيذ في قطاع النقل: مشروع النقل العام في بيروت الكبرى- المدخل الشمالي:
هو مشروع مموّل من قِبل البنك الدولي تم إقراره في مجلس النواب اللبناني عام 2017 وتبلغ قيمته 295 مليون دولار أميركي، الهدف منه إدخال خط النقل السريع بيروت- طبرجا مع خطوط التغذية والممرّات من المناطق الجبلية المحاذية.

 

ثالثًا: مقترحات في مواجهة التحدّيات:

إن التحدّيات التي تواجه القطاع أكثر من أن يمكن إحصاؤها، لكن مع ذلك يمكن الإشارة إلى أهمية العمل على عدد من المقترحات بالتوازي، ومن هذه المقترحات نشير إلى ما يأتي:
1.    ضرورة تعزيز قدرات المؤسّسات الرسمية في بناء القطاع.
2.    التنسيق بين وزارتي الداخلية والأشغال لضبط المخالفات والتزوير في اللوحات العمومية. كذلك إنشاء مجموعة تنسيق عمل مشتركة ومستدامة من المؤسسات العامة مع الجهات المانحة: المديرية العامة للنقل البري والبحري، مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، مجلس الإنماء والإعمار... الخ.
3.    تعزيز الشراكة وتنظيمها بين القطاعين العام والخاص على أن يكون القطاع العام وتحديدًا مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك هي المنظّم والقطاع الخاص هو المشغّل.
4.    تحسين شبكة الطرق وضمان استمرار صيانتها وتأمين وصول شبكة نقل فعّالة لكل الأقضية اللبنانية وداخل الأقضية بالتكامل والتعاون مع القطاع الخاص مع ما يلزمها من محطات تسفير وخلافه.
5.    تحسين نظام النقل العام بنوعية خدمات عالية الجودة ليكون أكثر أمانًا واستدامة بهدف التحوّل لاستخدام النقل العام وتوفير إدارة أفضل لحركة المرور والتنقل لتنافس استعمال السيارات الخاصة.
6.    إحياء خطوط السكك الحديدية وإشراك القطاع الخاص وخصوصًا الشركات العالمية في تبنّي وإنشاء أقسام منها.

 

رابعًا: استراتيجية وخطة عمل وزارة الأشغال العامة والنقل لقطاع النقل

 

  
1.    الهيئة الناظمة لقطاع النقل:
من المقترح إعطاء صلاحيات لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك في الوزارة بحيث تتولّى هي مهام الهيئة الناظمة للنقل العام في لبنان لتنحصر صلاحياتها في ما يلي:
-    تنظيم التنافس بين المشغّلين من القطاع الخاص.
-    تأكيد على السلامة العامة والالتزام بالمعايير البيئية.
-    تحديد معايير الجودة لمواصفات المركبات، تبادل الخدمة، مستوى الاعتمادية.
-    الرقابة على الالتزام بمواصفات التشغيل واستخدام التقنيات الحديثة كتقنية تحديد المواقع (GPS) مما يتيح التأكّد من كمّية الخدمات المقدّمة وانتظامها والالتزام بجدول التشغيل والخطوط المرسومة وبالتالي توفير إحصاءات دقيقة باستخدام العدّاد الآلي للركاب.
-    العمل على رفع مستوى تكامل جميع الخدمات من خلال التنسيق بمواقيت وجداول الخدمة بين كل الخطوط والمشغّلين وتوحيد تحصيل التذاكر وتوفير المعلومات للركاب والتسويق العام.
-    إصدار التعريفات والرقابة عليها والالتزام بها.
-    العمل على تحضير جميع المراسيم المنوطة بها للقيام بمهامها.
وأمام هذه المهام الجديدة الضرورية لا بدّ من إعادة هيكلة الجسم الإداري والفني لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك لتتناسب معها. لذلك يجب على الحكومة إصدار مراسيم تنظيمية لهذا القطاع بهدف إدخال العنصر البشري الملائم من حيث الكفاءة الإدارية والتقنية للتمكّن من الإشراف المناسب.


2- النقل المشترك:
بعدما تعذّر تنفيذ مشروع النقل العام في بيروت الكبرى (GBPTP) طلبت وزارة الأشغال العامة والنقل، من خلال مجلس الإنماء والإعمار، إعادة هيكلة المشروع على أن يتضمّن الآتي:

‌أ.    إعادة هيكلة مشروع النقل العام في بيروت الكبرى:
-    تحديث دراسة خطوط الحافلات التي تخدم مدينة بيروت وضواحيها الشمالية. 
-    تحديث دراسة خطوط الحافلات التي تخدم الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مدينة صور بالإضافة إلى محافظة النبطية ومرجعيون وحاصبيا.
-    إدخال إضافات لدراسة الخط الساحلي من طبرجا إلى طرابلس- البحصاص، وكذلك للحدود الشمالية اللبنانية عند نقطة العبوديّة، والبلدات والمناطق المتفرعة من هذا الخط.
-    دراسة خط الحافلات المتجهة شرقًا من بيروت- زحلة- بعلبك حتى الحدود اللبنانية- السورية: نقطة المصنع مع خدمة المدن والبلدات على طول هذا الممر.

‌ب.    تزويد حافلات نقل لمصلحة النقل المشترك:
-    تم الاتفاق بين وزارتي النقل الفرنسية واللبنانية على إعطاء هِبة من الباصات (50 باص) من الحكومة الفرنسية.
-    التأكد من وضعها على الخطوط وحسن تشغيلها وصيانتها، (سيتم استلام هذه الحافلات في خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة).
-    إصلاح 45 باصًا متضررًا من هِبة عينية وستصبح جاهزة للتشغيل خلال أربعة أسابيع.


‌ج.    خطوط سكك الحديد:
ستقوم وزارة الأشغال بعد أسبوعين بالتوقيع مع شركات إسبانية مموّلة من الحكومة الإسبانية لتحضير الدراسات الآتية:
-    المخطط التوجيهي لسكك الحديد اللبنانية آخذين بعين الاعتبار التعدّيات الموجودة.
-    إجراء إحصاءات وجمع المعلومات المطلوبة وتحضيرها لجذب القطاع الخاص للاستثمار والمساهمة في نهوض هذا القطاع.
-    دراسات جدوى اقتصادية وبيئية خاصة.
-    تحديد النظام المالي الأمثل لتلزيم وتنفيذ هذه المشاريع.

 

تحميل الملف
المقال السابق
سلسلة المواكبة المستمرة | إعداد مديرية الدراسات الاستراتيجية - العدد الخامس عشر - أيار 2022
المقال التالي
سلسلة المواكبة المستمرة | إعداد مديرية الدراسات الاستراتيجية - العدد الرابع عشر - نيسان 2022

مواضيع ذات صلة: