مقدمة
عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بتاريخ 12 تشرين الأول 2021 حلقة نقاش تحت عنوان "إمكانية استثمار مصادر مائية للمنطقة الساحلية في لبنان" قدّم لها رئيس المركز الدكتور عبد الحليم فضل الله وحاضر فيها الدكتور أمين شعبان الباحث في الهيدرولوجيا والتقنيات الفضائية لدى المجلس الوطني للبحوث العلمية، والدكتور يوسف كرم رئيس دائرة المياه والبنى التحتية في مجلس الإنماء والإعمار.
د. عبد الحليم فضل الله
أفتتح النقاش رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق د. عبد الحليم فضل الله بكلمة أشار فيها إلى أنّ أزمة المياه في لبنان والقضايا المرتبطة بها كانت محور مؤتمرين عقدهما المركز، الأول تحت عنوان "مشروع الليطاني المنسوب 800 م، التحديات وسُبل الاستفادة (27-28/ 11/2018). والثاني مؤتمر نهر الحاصباني- الوزاني، الحاجات والحقوق في ضوء متطلبات التنمية والاتفاقيات الدوليّة" (24-25/ 7/2019)، حيث جرى التأكيد على الترابط بين القضية التنموية وقضية حقوق لبنان في مياه النهر وتسلّط الضوء على العديد من الحقائق المرتبطة بكمية المياه والتدفقات الهائلة للمياه الجوفية والسطحية من لبنان إلى فلسطين المحتلة.
على حافة الفقر المائي:
ولفت د. فضل الله إلى أن ما توفّر من معطيات بخصوص الموارد المائية المتاحة في لبنان تضعه الآن على حافة الفقر المائي، بينما كان من المتوقع ضمن التوجهات الوطنية الكبرى التي طُرحت أول مرة في الخطة الشاملة لترتيب الأراضي أن يصل لبنان إلى حدّ الفقر المائي عام 2030، لكنه وصل إلى هذا الحدّ قبل الأوان لأسباب عديدة من بينها عدم السير في خطة إصلاح قطاع المياه، وعامل النزوح السوري الذي استجد وزاد الضغط على الموارد. لكن لو أخذ لبنان بعين الاعتبار قياس الجودة والنقاوة وإمكانية الاستخدام فلربما تبيّن لنا أنه أكثر فقرًا من الناحية العملية.
ومن بين الاقتراحات والحلول كان يُنظر إلى مشروع سد بسري باعتباره أحد الحلول لأزمة المياه لمنطقة مكتظة تضمّ حوالي نصف اللبنانيين أو أكثر في بيروت وضواحيها، لكنّ أسبابًا شتى أدّت إلى توقّف مشروع السد وجُمّد بعد أن سُحبت الأموال المخصصة لتمويله.
البحث عن موارد بديلة:
إذًا، لا بد من البحث عن موارد بديلة، ومع أن قائمة مشاريع "سيدر" تضم حوالي 83 مشروعًا مخصصًا لقطاع المياه بكلفة تصل إلى أكثر من 4500 مليون دولار، نصفها من المفترض أن ينفّذ في المرحلة الأولى وعلى المدى القصير لكن يبدو أن تنفيذ هذا البرنامج بعيد المنال في الظرف الراهن.
سوف تُسلّط حلقة النقاش هذه الضوء على موضوع من شقين: الأول موضوع الينابيع البحرية، وذلك للإجابة عن أسئلة مثل: هل يمكن لهذه الينابيع أن تكون بديلًا شاملة لأزمة المياه؟ أم هل يمكن الاستناد إليها على الأقل لحل مشكلة توفير 10% من الحاجات المطلوبة؟ هل هي مجدية بمعنى هل أن كلفة هذا المشروع تقنيًا يمكن أن تصل إلى 10 أضعاف الموارد التقليدية؟
أما الشق الثاني فيهدف إلى تسليط الضوء على مشروع بسري وبدائله والملابسات التقنية التي رافقت الإعلان عنه ثم تداعيات توقّف المشروع.
د. أمين شعبان:
بدأ د. أمين شعبان عرضه المفصّل لموضوع المياه العذبة في البحر موضّحًا إن دراسة هذا الموضوع غير التقليدي تحتاج إلى مزيد من البحث والتقصّي مقارنة مع توافر الدراسات الموثقة والمعطيات المؤكدة حول المياه السطحية والجوفية في لبنان. لذا سوف تقدم هذه الندوة تقييمًا عامًا للتحديات الموجودة، وأسباب لجوء البلدان إلى استثمار المياه البحرية، كذلك سوف يتم التطرق لوجودها على الشاطئ اللبناني وطريقة دراستها وبعض التطبيقات والنتائج المتوافرة والخلاصات التي يمكن الاستفادة منها. ثم بدأ بالحديث عن المياه في لبنان بوجه عام كونه موضوعًا حساسًا جدًا، فلبنان كان يلقّب بالقصر المائي للشرق الأوسط لناحية كميات المياه وجودتها والتي كان لها دور بارز في دعم قطاع السياحة المؤثر في النمو الاقتصادي في لبنان.
لا خوف من التصحر أو الجفاف:
يمكن الجزم أن مياه لبنان سواء أكانت سطحية أم جوفية وفيرة بكل معنى الكلمة فهي موزّعة على امتداد مساحة الوطن، وذلك ناتج عن تأثير وجود سلسلتين جبليتين بشكل أفقي وامتدادهما من الشمال إلى الجنوب لناحية البحر المتوسط، بحيث أن كل الكتل الهوائية الباردة التي تأتي من البحر يُحصر أغلبها في هذه الكتلة الجبلية الغربية. إذن يتمتع لبنان بمميزات خاصة ووجود حاجز مناخي يميّزه عن منطقة الشرق الأوسط بأكمله، وبسبب هذا الحاجز تحتفظ الكتل الجبلية بالرطوبة. ولذلك لا خوف على لبنان من التصحّر أو الجفاف لأن مصدر المياه متوفر دائمًا، لكن السؤال الأهم هو كيف يمكن تأمين استخدام هذا المصدر علمًا بأن لبنان يتميز بالمناخ الرطب الأعلى في الشرق الأوسط ويصل فيه الهاطل المطري إلى 1500 ملم.
يقودنا هذا الأمر لشرح أهم العوامل المؤثرة في مسألة المتساقطات وكيفية تعامل الطبقات الجوفية معها والتي تتخلص بعدة أمور منها: التغير المناخي وإزاحة الفصول والبنية العمرانية المتمثلة في مساحة كتل الخرسانة المانعة من تسّرب مياه الأمطار.
صحيح أن التغيّر المناخي له دور مهم لكن من المهم أيضًا معرفة كيفية أخذ البيانات المناخية من مصادرها المتعددة. ومع وجود بعض الفراغات في هذه السلسلة بين أعوام 1950 – 2017، اتضح أن هناك نقصًا في تساقط الأمطار بحدود 25 ملم في منطقة معدل المتساقطات فيها هو 910 ملم سنويًا، وهو مؤشر طبيعي ومقبول لأننا نتكلم عن تغير المناخ باعتباره عملية فيزيائية ديناميكية غير ثابتة. وقد حصل تغيّر في تساقط الأمطار خلال الـ 60 سنة الأخيرة مع ملاحظة أن بعض المناطق تقلّ فيها نسبة التساقط بينما تزيد في مناطق أخرى.
أما المسألة الأخرى المتعلقة بكميات الأمطار فتتمثل في إزاحة الفصول، وفروقات درجات الحرارة التي تكون قاسية جدًا في بعض الأحيان بحيث يمكن أن تصل الفروقات في اليوم نفسه إلى 15 درجة مئوية ولحظ ارتفاع درجات الحرارة وتداعياتها على الطبيعة. كذلك يمكن الإشارة إلى إن المتساقطات التي كانت تهطل على الأرض تراجعت بفعل أن المياه كانت تنزل كلها إلى جوف الأرض لكن مع توسّع المدن والحيازات العمرانية وانتشار الباطون، باتت هذه المياه أمام احتمالين: إما التبخر وإما الذهاب باتجاه البحر.
من المتداول في معظم المحافل العلمية أن لبنان يقع في منطقة جافة أو شبه جافة، لكن البيانات الموجودة والتحليلات الإحصائية المؤكدة فيه تُظهر أنه لا يزال يُصنّف في المنطقة شبه الرطبة، وعلى الرغم من تتالي مراحل الجفاف بين وقت وآخر، فلدى لبنان بالمقابل كمية كبيرة من الثلوج تغطي أكثر من ربع مساحته وهو ما يُعدّ ثروة بحد ذاته، إذ لولا الثلوج لما كانت أنهار ولا ينابيع. ولأن الثلوج هي المصدر الأساسي للمياه فإنه يوصى بشدة أن تكون مرتفعات الجبال والقمم محميات بيئية، خاصة وأن بعض الأنهار تتغذى من الثلوج التي تساهم بنسبة 80% من مياهها.
إضافة إلى هذا كله، نشير إلى أن لبنان يتميز عن محيطه بوجود 14 نهرًا بينها أنهار كبيرة وأخرى صغيرة، منها ثلاثة أنهار مشتركة مع بلدان مجاورة، وفيه حوالي 2000 نبع على اليابسة بمعدل دفق 25 ليتر/ بالثانية. كذلك يتميز بوجود مجموعة من البحيرات الجبلية التي تقوم على حفظ المياه وتساهم في تلطيف المناخ وتؤدي دورًا اقتصاديًا محليًا في الزراعة. ولا بد في هذا المجال من الإشارة إلى أهمية بحيرة القرعون التي أنشئت عام 1956 والتي باتت تحتاج إلى صيانة وإزالة التلوث.
أما من حيث التركيبة الجيولوجية في لبنان فيمكن الحديث عن ثلاثة خزانات مياه جوفية كبيرة وبتكاوين جيولوجية مختلفة، ويمكن القول إنّ أكثر من 70% من أراضي لبنان هي أراضٍ لديها احتمالية كبيرة بوجود مياه جوفية.
تحت خطر الفقر المائي:
بالنسبة لخط الفقر المائي فهو متعارف عليه بأقل من 1000 م3 سنويًا، بينما تُقّدر حصة الفرد من المياه بحوالي 1350 م3 (المرتبة 144 عالميًا)، مقابل أن حاجة الفرد السنوية هي بحدود 220 م3، وهذا يعني أن لبنان يمتلك فائضًا يوازي أكثر من 6 مرات عن الحاجات. لكن بسبب المشاكل الكثيرة التي عانى منها القطاع ومن بينها: مشاكل إدارية، وانقطاع المازوت (وباقي أنواع الفيول المشغّل)، والهدر الفني والتقني في الشبكات، وتلوث المياه، وغياب المشاريع الاستثمارية الهامة على مصادر المياه، وتحدي نمو السكان بمعدل 2% سنويًا ما يعني إضافة نحو 100 ألف فرد سنويًا يحتاجون إلى 24 مليون م3 سنويًا من المياه الإضافية... فقد أصبح لبنان في الوقت الحالي تحت خط الفقر المائي بحيث بات يحتل المرتبة 157 عالميًا بين 184 دولة. لكن في الواقع فإن كمية المياه السنوية الواصلة عبر من مصالح المياه لا تتجاوز 80 م3 / فرد في أحسن الأحوال، مع العلم بوجود مناطق عديدة لا يصلها أكثر من 60% من حاجة المياه التي يتم توفيرها بجهود فردية تعتمد على حفر الآبار وبناء خزانات التجميع الخاصة أو غيرها من الطرق.
في لبنان العديد من الينابيع والأنهار المشهورة والتي خفّت مياهها أو تراجع مستوى التدفق فيها خلال خمسة عقود بنسبة 55- 60%، وكذلك الأمر بالنسبة للمياه الجوفية الرئيسية التي جفّ الضخ فيها، وقد أظهرت الدراسات التي أجراها المركز الوطني للبحوث العلمية انخفاض وتراجع نسبة المياه في منطقة البقاع بسبب إقامة الآبار العشوائية.
ونحن كباحثين في مجلس البحوث العلمية ومؤسسات أخرى أكاديمية موجودة في لبنان وفي وزارات وهيئات أصبح لدينا دراسات وافية عن الموارد المائية في لبنان وأوضاعها، وكل الدورة المائية أصبحت مدروسة: من الجريان السطحي إلى البرك الموجودة والخزانات، إلى التسّرب المائي إلى جوف الأرض، إلى المياه الجوفية، وكذلك عن المياه التي تذهب باتجاه البحر؛ لكن يبدو أن المياه التي تذهب إلى البحر هي المسألة الوحيدة التي أخذت القسط الأقل من الدراسات.
الينابيع البحرية:
إن! المياه العذبة البحرية أو الينابيع البحرية أو مصادر المياه غير التقليدية هي مصطلحات تعني المياه التي لا يمكن استخدامها إلا بعد المعالجة مثل مياه البحر أو المياه المبتذلة الخ... بحيث أن عدم معالجتها لا يسمح باستخدامها حتى في الزراعة.
أما عن تعريف المياه غير التقليدية لها فيُنظر إليها باعتبارها: المياه التي ليس واردًا استخدامها بصورتها الحالية مثل الينابيع البحرية، لكنها مياه نظيفة ويمكن أن تكون صالحة للشرب ولكنها ليست محسوبة تقليديًا في كميات المياه المستخدمة. وتوصف هذه الينابيع البحرية بالأنهار غير المرئية مِن قِبل عدد من الدول لأنها موجودة بكثرة في كل المناطق ذات الصخور الكلسية الشائعة في لبنان والتي تتميز بمسامية عالية وتشققات وتكسّرات كما نرى أنها موجودة في العديد من مناطق العالم ومنها مناطق الشرق الأوسط.
إذًا الينابيع البحرية هي مياه جوفية عذبة، مثل الينابيع الموجودة على اليابسة وبنفس خصائصها لكنها موجودة في البحر، قرب شاطئ البحر وإما ضمن البحر وداخله على بُعد مسافات محددة، لكن مصدرها هو الخزانات الجوفية على البر. تتسرّب هذه المياه إلى البحر والى خارج الحدود البرية أيضًا بسبب وجود خزان جوفي فيه كسر صخري أو خزان فيه انخفاض بالطبقة السفلية.
والينابيع البحرية في لبنان هي أما موجودة على الشاطئ تمامًا وإما تتدفق داخل البحر على مسافات تقارب الـ 700م، ويمكن للتدفق أن يكون عموديًا أو أفقيًا. (انظر الرسم المرفق الذي يظهر)
1. ينابيع تتدفق مباشرة على الشاطئ مع:
• تسّرب عمودي على الشاطئ.
• تسّرب أفقي على الشاطئ.
2. ينابيع تتدفق داخل البحر بشكل دائري.
3. ينابيع حارة (عمودية التسّرب أو دائرية) على الشاطئ أو داخله.
ومن الينابيع الموجودة على شاطئ البحر نذكر: نبع أبو حلقة في طرابلس وينابيع عدلون والصرفند وينابيع أخرى في جبيل. أما الينابيع داخل البحر فيمكن ملاحظتها من خلال بعض الصور التي تبيّن وجود تجاويف في قاع البحر حيث ضخ المياه عمودي، والتدفق فيها عالٍ ويمكن رؤيتها بمجرد النظر إليها.
تقوم الأبحاث في مجال التعرّف على المياه البحرية على ملاحظة فروقات درجات الحرارة، كون المياه القادمة من جهة اليابسة أبرد من مياه البحر، لكن من الطبيعي أن نجد تفاوتات واسعة لدرجات الحرارة (تُعرف بالشواذات الحرارية Thermal Anomalies) إذ قد يتراوح الفرق في حرارة المياه بين درجة واحدة إلى 7- 8 درجات حسب قوة الضخ الموجودة.
المسح الجوي والمعاينة الميدانيّة:
من هذا المنطلق قام المجلس الوطني للبحوث العلمية عام 1997، وبدعم لوجستي ومادي من وزارة الطاقة وهيئة الاستشعار عن بُعد في سوريا، بمسح جوي حراري لهذه الينابيع فكان أن جرى تركيب مجسّات حرارة قادرة على تمييز هذه الفروقات. تجدر الإشارة إلى أن هذا العمل استتبع بدراسات أخرى متممة له اعتمدت على المعاينة الميدانية، وأظهرت أن الأطياف الحرارية (التبقعات) التي جرى رصدها كانت لمياه عذبة ومياه مبتذلة ومياه صرف منزلية تم التأكد من خصائصها وأنواعها وميزاتها من خلال أجهزة خاصة لقياس الحرارة والكثافة وإجراء التحاليل الميكروبيولوجية المتعددة. (تبيّن من الفحص وجود زيوت منزليّة ومياه مبتذلة ومياه آتية من محطات الكهرباء ومن محطة الزوق التي تدخل مسافة 2 كلم داخل البحر).
تلا العمل الميداني إصدار مجموعة من الخرائط بمقاييس مختلفة للينابيع والأطياف الحرارية، حيث أظهرت بعض الصور قوة التدفق داخل البحر وبدا أن أحد الينابيع القادم باتجاه البحر هو على درجة حرارة 21ْ بينما حرارة مياه البحر هي بحدود 23.5ْ، وبالطبع فإن جريان هذا النبع السريع كان بسبب تواجده على صخور أرضية طولية وأخذ امتدادًا داخل البحر.
لكن التحدي الحقيقي كان في تحديد الكميات وكان هذا الأمر صعبًا، إذ لم تؤدِ الدراسات الرامية إلى تحديد الكميات إلى نتيجة حتى الآن. ولمزيد من التقدير في هذا المجال اعتمدت الأبحاث على أسلوب بسيط جدًا يقوم على احتساب حجم الطيف ومساحته في الصورة، ثم احتساب حجم الضخ الآتي من النهر، وهذا الأمر سمح بتحديد الحجم أو الكميات المقدّرة، فعلى سبيل المثال درسنا التبقعات مقابل نهر بيروت ونهر أبو علي أو نهر إبراهيم، ثم جرى التدقيق في مساحات الشواذات الحرارية الخاصة بكل منهما، ومن خلال التدقيق في الدراسات السابقة الموثقة الذي أظهر حجم الضخ الخاص أمكن تقدير حجم المياه التقريبي في البحر.
كذلك يمكن القول إن الدراسات في لبنان قد أظهرت وجود مجموعة كبيرة من الينابيع منها 59 نبعًا مهمًا في البر. من بين هذه الينابيع أمكن رصد مجموعة ينابيع لمياه حارة (حرارية) داخل البحر بحسب الطريقة التي سبق شرحها، فتبين وجود حوالي 400 مليون م3 من المياه العذبة في البحر، أي ما يوازي قدرة 3 أنهار ساحليّة في لبنان، وقد أمكن تحديد كميات المياه التي تسرّبت من كل ينبوع والتعرف على كل التفاصيل الخاصة ما سمح باستكمال الدراسات حول المعايير الجغرافية أو الزمنية أو الفيزيائية، ثم جرى وضعها في برنامج خاص لمعالجة الداتا المتعلقة بكل نبع على حدة.
إضافة إلى ذلك فقد كان مهمًا لأعمال البحث التعرف على كيفية تسرّب المياه من النبع من مصدره الأساسي، ما هي طبيعته ومكان وجوده ومصدره سواء أكان من الينابيع الشاطئية أم من ينابيع في جوف البحر أو من تلك التي تتسرّب عبر التجاويف الكارستية والتي تنبع من داخل البحر. لذا فقد استندت التقييمات إلى الاعتبارات المعطاة للمفاهيم الهيدروجيولوجية الكاملة وللخزانات الجوفية المضغوطة التي تساعد في عملية ضخ الينابيع.
وعرض البروفسور شعبان صورة الينابيع التي تمت معاينتها عن قرب والمتواجدة في منطقة البرج قرب كازينو لبنان، حيث الكسر أو الصدع الموجود والمقدّر طوله بحوالي 12 كلم واضح على الخريطة الجيولوجية ويمتد من المنطقة الجبلية مع الصخور الجوراسية التي تعتبر الخزانات الجوفية ثم يُكمل مساره باتجاه البحر، بعدها تُبيّن الصور الفضائية المعتمدة في مركز الاستشعار عن بُعد والتي تُغطي مساحة كبيرة بتكلفة مقبولة جدًا حجم الكسور (الفوالق) التي تنقل المياه من اليابسة إلى البحر والموجودة تحديدًا مقابل منطقة شكا، كما تبيّن وجود تدفقات كبيرة جدًا للمياه في مقابل سواحل عكار. وأظهرت هذه الخريطة سهل عكار مكونًّا من صخور بازلتية (نارية) على تجانس مع طبقة المياه الجوفية التي تعطي حرارة لهذه المياه، أما الكسر الصخري فظاهر بشكل واضح من خلال الصورة الفضائية، لكن لا يُلحظ امتداده في المناطق الترابية في السهل.
وتابع د. شعبان قائلًا: مؤخرًا، بات المركز اللبناني لعلوم البحار يزوّد العلماء ببعض المعلومات لما يملكون من الخبرات والمجسّمات الأرضية ولأنهم يعملون على مشروع لتنفيذ مُجسمّ شكا لقاع البحر وهو ما يسمح بالاطلاع على التركيبة الجيولوجية الموجودة لقاع البحر وبالتالي التعرف عن كثب على كمية تسرّب المياه. لأن الهدف الرئيسي هو تحديد آليات الدورة المائية أي تحديد حركة المياه، خاصة وأن هذه الدورة هي عبارة عن حلقات مترابطة إذا فقدت منها حلقة مياه الينابيع البحرية فإن الدورة كلها سوف تشكو الخلل.
احتساب التوازن المائي:
من خلال دراسة الهيدروجيولوجيا ودراسة تعيين آبار وخزانات المياه الجوفية أمكن احتساب التوازن المائي، وقد تحددت بصورة شبه مؤكدة الكمية التي دخلت على المنظومة المائية كما تحددت الكمية التي خرجت منها، بمعنى آخر لقد اتضح من أين تسّربت كمية 400 مليون م3 التي أشرنا إليها.
من جهة ثانية أمكن أيضًا من خلال الأبحاث اكتشاف تسرّب مياه البحر المالحة إلى البر في المناطق حيث مستوى المياه الجوفية أقل من مستوى مياه البحر، وهذا ما وجدناه في منطقة الشويفات على مسافة 5 كلم بعيدًا عن البحر حيث تتم تعبئة الكسر الصخري بالمياه المالحة ويُسحب الماء إلى الداخل. أما في المناطق حيث الطبقات الجيولوجية هي عازلة بين المياه الحلوة والمياه المالحة يمكن ملاحظة أنه يمكن الحفر في منطقة مثل صيدا قرب الملعب البلدي المجاور للبحر تمامًا وتكون النتيجة هي الحصول على مياه حلوة. لاحقًا سوف يقودنا هذا البحث المتعلق بمعرفة مكان الينابيع البحرية إلى تطوير الأبحاث المشتغِلة على موضوع التغذية الصناعية بهدف ضخ المياه السطحية أو المياه الجوفية.
مجمل القول إن المياه في لبنان وفيرة لكن يجب العمل على حجز هذه المياه قدر الإمكان قبل أن تذهب هدرًا إلى البحر، وذلك بالرغم من وجود التشققات الصخريّة التي من شأنها أن تساهم في تغذية المياه الجوفية. إن إقامة السدود لحجز المياه لا مشكلة فيها وهذا يتضح من خلال تقصّي أحوال سّد القرعون الذي هو أكبر سدّ في لبنان وقد تجاوز عمره 65 سنة تقريبًا وهو يبُعد عن فالق اليمونة أقل من 2 كلم وعن فالق روم 5-6 كلم وما زال يعمل بكفاءة وفعالية تامة خاصة في مجال توليد الكهرباء، لكن ينبغي النظر بالكثير من الجدية إلى الدور التي تؤديه الكسارات الموجودة على ضفاف بحيرة القرعون والتي تؤثر سلبًا على السدّ أكثر مما يمكن أن يؤثر عليه الفالق نفسه.
إنّ السدود في لبنان هي الحل الوحيد سواء أكان السدّ يحجز المياه أم لا يحجزها، إذ حتى لو تبيَن وجود تسّرب للمياه نتيجة التشققات فإن هذه المياه لا تذهب هدرًا بل هي تغذي المياه الجوفية.
الخلاصة:
أما في الخلاصة فإننا نشير إلى أهمية متابعة الدراسات والأبحاث للاستفادة من المصادر المتاحة وفق الآتي:
تحديد إحدى عناصر/آليات الدورة المائية (حلقة هيدرولوجية) للمساعدة في تطبيق الدراسات الهيدروجيولوجية المختلفة.
احتساب الموازنة المائية Input Vs Output)).
مراقبة قنوات تسّرب المياه المالحة (intrusion Conduits saltwater) إلى الخزانات الجوفيّة في المنطقة الساحلية.
المساعدة على اختيار مواقع التغذية الاصطناعية للمياه الجوفية.
الاستثمار: من خلال تحديد مصادر التغذية لهذه الينابيع من على اليابسة تتاح الفرصة إما لاستثمار هذه المصادر (من على اليابسة) أو للحفاظ عليها (مواقع محمية).
وفي الإجابة عن سؤال إمكانية استثمار مياه الينابيع البحرية نشير إلى أن الخطط الفرنسية السابقة أشارت بوضوح إلى أن استثمار المياه يجب أن يكون على اليابسة، أما الدراسات الأميركية التي تلتها في الفترة الزمنية، فتُفيد بأن استثمار المياه من داخل البحر ليس مجديًا بدرجة كبيرة، وتؤكد على أهمية الرجوع إلى اليابسة بحيث يتم الاستفادة من مصادر التغذية الأساسية لهذه- المياه في اليابسة، ومن داخل المحميات الطبيعية بحيث يمكن حصر هذه المياه والاستفادة منها قبل وصولها إلى البحر.
د. يوسف كرم:
تحدث الدكتور يوسف كرم عن مشروع سد بسري وبدائله فأشار إلى السد مصمّم ليؤمّن المياه لمنطقة بيروت الكبرى ابتداءً من الدامور وصولًا لبيروت، ولتخديم منطقة بهذا العدد من السكان وبهذه المساحة يُفترض الاعتماد على قواعد وأسس محددة لضمان سلامة نظام المياه.
القاعدة الأولى التي تعتبر من أهم هذه القواعد هي ضرورة تعدّد مصادر المياه وتنوّعها، ما يعني أننا عندما نريد أن نوفّر مياهًا للمنطقة المستهدفة لا يُفترض الاتكال على مصدر واحد، ولهذا يتم الاعتماد أيضًا على مياه منشآت الدامور والدلبة والديشونية لكن في حال حصول أي عطل في هذه الآبار فسوف تنقطع المياه عن منطقة واسعة.
القاعدة الثانية هي أن يكون لدينا قدرة إنتاج للمياه أكبر من الحاجة للاستهلاك، وذلك بهدف الأخذ بعين الاعتبار أنه في حال طرأ أي عطل على المنشآت يجب أن تكون هناك منشآت أخرى بديلة تعوّض النقص في الطلب على المياه الذي يمكن أن يحصل، وذلك لضمان نوعية المياه من جهة والحفاظ على المخزون الاستراتيجي من جهة ثانية.
وفي هذا الإطار يشير تقرير ديوان المحاسبة في فرنسا إلى نظام مياه الشرب في باريس حيث يُفنّد أن باريس تشرب من نهر السين ومن المانش ومن ينابيع قد مضى على قيام منشآتها 200 سنة تقريبًا وما زالت حتى اليوم في الخدمة، ويشرح التقرير أن المصدر الأساسي للشرب هو نهر السين، أما المانش فيكمل الحاجة التي تبلغ 540 مليون م3، حتى إذ حصل أي خلل في أية منظومة من هذه المصادر يكون هناك مجال لتعويض النقص. الأمر الثاني المأخوذ بالحسبان في منطقة باريس وضواحيها هو وجود طبقة مياه جوفية تحتوي على نحو 700 مليار م3، ومن هذه الطبقة تستخدم مصالح المياه سنويًا ما لا يزيد على 20 مليون م3، بحيث يتم الاقتصاد في استعمال هذا المخزون الاستراتيجي. لكن ما يحصل في لبنان هو عكس ما هو متّبع في فرنسا لجهة استعمال المخزون الاستراتيجي مما يؤدي إلى دخول الملوحة على الأراضي وخاصة في منطقة بيروت والمناطق الساحلية.
تجدر الإشارة إلى أن عددًا من التقارير والدراسات المختلفة تؤكد إمكانيّة الاستعاضة عن إقامة سد بسري من خلال اتخاذ عدد من الإجراءات منها: تخفيف الهدر في الشبكات، وتحلية مياه البحر، وتجميع مياه الشتاء، واستعمال المياه الجوفية، ولهذا السبب ينبغي مناقشة هذه الإشكاليات كما يلي:
1- خفض الهدر في الشبكات
من خلال مراجعة تقرير UNDP حول نبع جعيتا الصادر عام 1972 والذي يُعتبر من التقارير المرجعية حول مسائل المياه بالرغم من قِدمه يظهر أن العاصمة ومحيطها تحتاج إلى مياه هذا النبع في أشهر أيار وحزيران وتموز أي في أشهر الجفاف في الوقت الذي لا يمكنه أن ينتج في مثل هذا الوقت من السنة أكثر من 7 ملايين م3، أما في أشهر فصل الشتاء فيتخطى تصريفه حاجات بيروت الكبرى لكن لفترة قصيرة جدًا، وبالتالي مهما كان الحد من الهدر بالشبكات فإن خفض الهدر لا يمكنه تغطية كل كمية المياه المطلوبة، وهذا الهدر لا يعّوِض عن سد مثل سد بسري الذي يبلغ حجمه 125 مليون م3.
2- تحلية مياه البحر
موضوع تحلية مياه البحر هو من الخيارات المطروحة، لكن إذا استُعملت المياه الموجودة بالشكل الصحيح يمكن تأجيل تحلية مياه البحر إلى مرحلة لاحقة. علمًا بأن التحلية عملية بحاجة إلى طاقة كبيرة جدًا وكلفة إنشاء المعمل عالية، والأرقام المتداولة في هذا المجال تدور حول كلفة تصل إلى ألف دولار لكل متر مكعب (أكثر أو أقل حسب التقنية)، فضلًا عن أن للتحلية أثرًا بيئيًا سلبيًا على البحر لأنه يسحب الماء ويردّها بملوحة زائدة.
عالميًا يتم درس أفكار مثل وضع محطات تحلية مياه في حرم محطات الكهرباء بحيث يؤخذ البخار الناتج عن محطة الكهرباء في تسخين مياه البحر، بمعنى أنه يتم استخدام التقنيات التقليدية لتحلية المياه باستخدام طاقة حرارية موجودة بالفعل، ويمكن من خلال التقديرات الأولية التنبؤ بأن محطة مثل محطة الذوق الحرارية قادرة على إنتاج قرابة 30 ألف م3 من المياه يوميًا بكلفة إنشاء تصل لحوالي 300 مليون دولار. إذن تحلية مياه البحر تبقى خيارًا قائمًا ومطروحًا.
3- تجميع مياه الشتاء
أما فيما خصّ موضوع تجميع مياه الأمطار – وقد جرى الحديث حوله مطوّلًا- فقد تبيّن أنه غير مجدٍ كفاية: إذ من خلال حساب بسيط لمبنى من 5 طوابق عدد سكانه حوالي 40 نسمة، يمكن استقطاب كميات تصل لنحو 600 م3 من سطح المبنى الذي تُقدّر مساحته أيضًا بحوالي 600 م2، فيما تبلغ الحاجة خلال أشهر الجفاف الستة نحو 1100 م3، هذا بغضّ النظر عن إمكانية تخزين كمية 600 م3 وهيكمية كبيرة بحاجة إلى مساحة يُعتّد بها.
إذًا الموضوع الأساسي في لبنان هو موضوع المياه الجوفية، ومن بين أهم الدراسات التي وُضعت للمياه الجوفية في لبنان هي دراسة UNDP عام 1970 وخضعت فيما بعد لمراجعات، ولكنها تبقى مرجعًا مهمًا جدًا في هذا المجال. ملخّص هذه الدراسة هو أنه بالرغم من أن المطر يهطل في لبنان بكميات كبيرة جدًا، فإنه لا يمتلك مياهًا جوفية يمكن أن يستعملها بطريقة اقتصادية مقبولة. (انظر جدول المقارنة المرفق).
والواقع أن هناك دراسات مختلفة ومتناقضة حول المياه الجوفية إلا أن أغلبها وجّهت متخذي القرار نحو استعمال المياه السطحية المقّدرة بنحو 540 مليون م3، فهي من جهة تشير إلى أن كميات المياه الجوفية غير كافية واستثمارها صعب اقتصاديًا، ومن جهة أخرى تذكر أن لبنان باستطاعته أن يستعمل 1200 مليار م3 من المياه الجوفية سنويًا بالرغم من كونها غير اقتصادية.
تقسم دراسة UNDP لبنان إلى قسمين: القسم الأول هو المنطقة المتوسطية وهي المنطقة الفاصلة بين قمة جبال السلسلة الغربية والبحر حيث تبلغ مساحتها تقريبًا 5500 كلم2، أما القسم الثاني فهو المنطقة الداخلية التي يُقدّر مخزونها بحوالي 416 مليون م3.
.png)
كذلك يمكن ملاحظة أن طبيعة المياه الجوفية في لبنان مقسومة إلى قسمين، قسم فوق مستوى البحر وقسم آخر تحت مستوى البحر. أما كمية المياه الواقعة فوق مستوى سطح البحر فهي الكمية التي تخرج بشكل تلقائي والمسؤولة عن تفجّر الينابيع. أما الطبقة الواقعة تحت مستوى سطح البحر فتُقدّر بـ 400 مليون م3 سنويًا، وهو ما ينسجم مع ما أشار إليه د. أمين شعبان آنفًا.
وإذا ما احتسبنا كل الينابيع الموجودة في لبنان ابتداءً من نبع أبو حلقة، نبع قاديشا، ونبع رشعين وكل ينابيع الكورة والبترون وصولًا حتى نبع الطاسة في الجنوب نجد أن تصريفها الإجمالي الأعلى محدود ضمن 5 أشهر من السنة وهي معتبرة ضمن الينابيع الموجودة في الطبقات الجوفية الواقعة فوق مستوى سطح البحر والتي لا يتعدى تصريفها الإجمالي 400 مليون م3، فيما سدّ بسري وحده يشكّل ثلثها (125 مليون م3).
لكن يُفترض الالتفات إلى مسألة أخرى مهمة وهي المتعلقة بـ "الاحتياط الاستراتيجي" إذ يمكن لكميات المياه الموجودة في الينابيع (فوق مستوى البحر) أن تنحدر تدريجيًا لتتساوى مع مياه البحر إذا بقي لبنان فترة طويلة بدون مطر (بحدود 50 سنة)، لكن بسبب طبيعة لبنان الجيولوجية فإن كميات المطر تعيد ملء الطبقات الجوفية سنويًا وبشكل تلقائي مع العلم أنه باستطاعة الخبراء تغذية الطبقة الموجودة فوق مستوى البحر بحدود 200 مليون م3 سنويًا. أما القسم الواقع تحت مستوى البحر فهو ثابت وعمره ملايين السنين ويفترض به أن يكون المخزون الاستراتيجي. وأما البدائل التي طرحت لسد بسري فتقضي باستعمال هذه الطبقة الموجودة تحت مستوى البحر والتي لا تتجدد كل سنويًا.
خلاصة الأمر أنه إذا لزم علينا الاستفادة من الطبقة الموجودة فوق سطح البحر بشكل أكبر والمقدرة بحوالي 700 مليون م3 يمكن الاستفادة من 420 مليون م3 - مؤكدة الاستخدام- تصرف على فترة 5 أشهر، وجب تكثيف الدراسات والأبحاث بهذا الخصوص.
تجدر الإشارة إلى أنه في لجنة الإشغال النيابية كان يؤتى على ذكر الآبار الأفقية، ويُذكر مثالًا عليها النفق الذي من الممكن أن يتم شقّه في حمّانا وقد أجرينا في مجلس الإنماء والإعمار حسابًا بسيطًا جدًا أظهر أن نفق حمّانا في حال تنفيذه بإمكانه أن يوفّر 70- 80 ألف م3 من المياه في كل كيلومتر.
الدراسات المتعلقة بسد بسري
أما الدراسة التي استعملت كثيرًا من قبل الجهات المعارضة لإنشاء سد بسري فهي في الأصل ليست دراسة لتغذية بيروت بمياه الشفة، بل دراسة لحماية مغارة جعيتا من التلوّث، وقد عمل عليها جيولوجيون كبار، وكان من جملة الاقتراحات أن طرحت بعض التوصيات فيها لتغذية بيروت. أيضًا كان هناك اقتراحات تتمحور حول إنشاء سدود في وادي الصليب بين المتن وكسروان، لأن أرض النهر هناك فيها تشققات كبيرة جدًا وبالتالي إذا ما تم حصر المياه داخل السد، عندها يمكن تغذية الطبقة الجوفية التي تذهب إلى جعيتا. اقترحت الدراسة أيضًا أن يُصار بالتوازي إلى بناء عدة سدود في فيطرون وكفرذبيان وبقعاتا وداريا الخ... ولكن الاقتراحات بقيت مجرّد توصيات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وبالنظر إلى الأحجام الموضوعة والمقترحة في الدراسة، نجد أن سعة سد كفرذبيان هي بحدود 7 ملايين م3 وسد فيطرون بحدود 6 ملايين الخ... مع لحظ أن علوّ سد بقعاتا هو 80 م وعلو سد فيطرون هو 65 م، وهذا يعني أننا بصدد الحديث عن سدود كبيرة جدًا بتكلفة عالية جدًا لكي نحفظ المياه ونضخّها إلى جعيتا لاحقًا. وأقل تقدير للكلفة تشير إلى أنها يمكن أن تبلغ 4 مرات كلفة سد بسري، لكي نستفيد من 30 مليون م3. إن المشكلة التي تواجه مصالح المياه في السدود هي في أنها سدود تخزينية بمعنى أنه لا يمكن دائمًا مراقبة المياه وذلك بسبب الطبيعة الجيولوجية للبنان، ما يعني أن المياه عندما تأتي تُحفظ في السد وعندما تسمح ظروف الضغط تذهب إلى مغارة جعيتا ولكن لا يمكن التحكّم فيها عندما تنزل إلى الأرض وتغور فيها، خاصة وأنه بمجرد فكّ الضغط في مغارة جعيتا فإن نصف هذه السدود سوف تبقى جافة وفارغة في الوقت الذي لن تزيد فيه كمية المياه في المغارة أو تلك الواصلة إليها بالقدر الذي يحقق الاكتفاء المطلوب، وبالتالي فإن الحلّ المقدّم في مثل هذه الدراسات هو حل جيد من الناحية النظرية لكنه يحتاج إلى دراسة أعمق. وبالنظر لكلفة السدود بحسب الدراسة السابقة يتبيّن أنها تبلغ 4 أضعاف كلفة سد بسري أي قرابة 600 مليون دولار، إنّ فكرة السد للتغذية الاصطناعية مهمة جدًا ولكن يوجد طُرق أخرى أوفر وأضمن.
تجدر الإشارة إلى أن دراسة UNDP السابقة كانت واضحة بخصوص وجود كميات كبيرة من المياه ذات "المخزون الاستراتيجي" تحت حوض بسري تُقدّر بمليار م3 على الأقل، وهذه حقيقة ثابتة ولا إشكال فيها. إلا أن المشكلة أن هذه المياه الجوفية يمكن أن تتراجع لتصل إلى مستويات حرجة جدًا بعد 20 سنة فيما لو تم السحب منها بحدود 90 مليون م3 سنويًا، خاصة وأن هذا النقص لا يمكن سدّه فيما لو كان الاستهلاك أكبر بكثير من الإنتاج المتاح.
إن سحب مخزون حوض بسري يعني القضاء على فكرة المخزون الاستراتيجي الذي أشرنا إليه سابقًا والذي من المفترض استعماله عند الضرورات القصوى فقط.
وهنا لابد من إعادة التذكير بالتصوّر الذي وضعته وزارة الطاقة والمياه لمشروع إمداد بيروت الكبرى والذي يمدّ بمياه الشرب المناطق الواقعة من نهر إبراهيم إلى منطقة الأولي. إذ إن هذا التصوّر يعني أنه بالإمكان في وقت قريب ربط مشروع الأوّلي الذي يقوم مجلس الإنماء والإعمار بتنفيذه مع سدّي بسري وجنّة (الذي ينحدر إلى منطقة نهر إبراهيم)، وتكمن أهمية هذا التصوّر في الوصل المائي الذي من شأنه أن يوفّر أكثر من مصدر للمياه لمنطقة بيروت الكبرى - بين نهر إبراهيم والأولي- وإذا ما نُفّذت هذه المنظومة مع ربط التمديدات الرئيسية بقساطل متصلة ببعضها عندها يمكن تعويض أي خلل مائي في أي منطقة. وبالتالي فإنّ أي مصدر مائي إضافي على الشاطئ سواء أكان نبعًا بحريًا أو محطة تحلية يمكن أن يصبح جزءًا من المنظومة المائية المكملة بحيث يُصار إلى توفير الاكتفاء التام لكل تلك المنطقة لفترات طويلة مقبلة.
أخيرًا، لابد من مناقشة ما يُثار من جدل يُطرح بشدة يطال نوعية المياه في نهر الليطاني، وما يرتبط به بضرورة التقدم في العملية الخاصة بمنظومة الصرف الصحي، إذ يأخذ النقاش الحيّز المعروف به، خاصة وأن مشروع الأولي سوف يجرّ مياهه إلى بيروت من بحيرة القرعون التي تُصوّر على أنها بحيرة مليئة بالسينوبكتيريا. يُشار إلى أن دراسات عدة صادرة عن المركز الوطني للبحوث العلمية أكّدت وجود سينوبكتيريا لكن عند انتقال المياه من البحيرة إلى أحواض جون وأنان لا تظهر فيها البكتيريا، لذا فإن التثبت من حجم التلوث ونوعية المياه يحتاج إلى مجموعة قياسات ودراسات أخرى معمقة.
المداخلات:
بعدها فُتح باب المداخلات والأسئلة التي ركّزت على الآتي:
وجود تضارب كبير في الأرقام المعلنة حول المياه وكمياتها في لبنان بين المراجع الرسمية ذات الصلة، وتعزيز دور وزارة الطاقة في جمع البيانات الخاصة بالمياه
ضرورة التفكير بمسألة ترشيد استهلاك المياه قبل الإنتاج (لا تسرفوا ولو كنتم على نهر) ووضع جملة من المحفّزات التي من شأنها تحسين العمل بهذا الاتجاه: تطوير أساليب الري والزراعة، مناقشة مسائل مثل تصدير المياه إلى الخارج، الهدر في الشبكات...الخ
إعطاء أولوية قصوى لدراسة المخزون الاستراتيجي من المياه وكيفية المحافظة عليه، ودعم بناء السدود في الأماكن المثبتة والمناسبة والتي من شأنها تحسين مخزون هذه الطبقة.
من المهم التفكير بعدم نقل المياه لمسافات كبيرة وتكديس السكان في العاصمة ومحيطها، بل يمكن جر هذه المياه لمناطق أقرب بهدف تنمية واستصلاح أراض في الأرياف تحتاج إلى تطوير واستقطاب المزيد من الاستثمارات.
من المفيد تنفيذ مشروع تجريبي على أحد الينابيع البحرية Pilot Project بحيث يستكمل كل المراحل المطلوبة للعمل عليه لتحليل السلبيات والإيجابيات الممكن تحصيلها بالوضوح المطلوب لأخذ القرار العملي المناسب.
توسيع الغطاء النباتي والحرشي الذي بإمكانه الحفاظ على كميات إضافية من المياه بدل سيلانها على طبقات الباطون العازلة وانسيابها إلى البحر مباشرة.