دور القوى المناوئة للهيمنة في إعادة بناء النظام الدولي

مقدمة:

عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ندوة موسَّعة تحت عنوان: "دور القوى المناوئة للهيمنة في إعادة بناء النظام الدولي" بتاريخ 26 أيلول 2019 في قاعة المركز حاضر فيها المفكر الروسي ألكسندر دوغين والكاتب السياسي البرازيلي بيبي أسكوبار والأكاديمية الفرنسية فاليري بوغولت شارك فيها نخبة من الباحثين والأكاديميين وعددٌ من السياسيين والمهتمين.

 

د. عبد الحليم فضل الله:

نرحب بكم في هذه الندوة الموسعة وهي تحت عنوان:  "دور القوى المناوئة للهيمنة في إعادة بناء النظام الدولي"، يبدو العنوان سياسيًا وتقليديًا ومكررًا بمعنى ما . لكن لن يكون كذلك مع ضيوفنا غير التقليديين المفكر الجيوبوليتيكي الكسندر دوغين، والمحلل الجيوسياسي المعروف بيب اسكوبار، والأكاديمية الفرنسية فاليري بوغولت.  وكل منهم يقدم نقدًا جذريًا للنظام العالمي من منطلقات عدة سياسية ثقافية فكرية حقوقية وثقافية ويحملون مسؤولية إخفاق النظام العالمي إلى فشل الحداثة الغربية وأحاديتها وغطرستها.

إن فهم تحولات العالم والمنطقة فيه على وجه الخصوص، لا يكفي فيه تتبع التدفق اليومي للأحداث والنزاعات والوقائع وتحليلها، بل يقتضي اضطلًع القوى المناوئة للهيمنة بدورها في بناء نظام دولي جديد، وتقديم أطروحتها في هذا المضمار، وهذا لا يأتي في سياق عادي بل يحتاج إلى اكتشاف الذات قبل استكشاف الآخر.

إن ما نعانيه هو عوامل متداخلة فكرية أيديولوجية وثقافية من ناحية وجيوبولتيكية اقتصادية من ناحية ثانية، والبحث عن البدائل يجب أن ينطلق من رفض المركزية الغربية، في ظل نهاية الأيديولوجيات الماركسية والفاشية والليبرالية وإخفاق مشروع الحداثة في الوصول إلى بر الأمان، هذا المشروع الذي قام على فصل الإنسان عن مرجعياته الثقافية والقيمية والاجتماعية والفكرية بدعوى الوصول إلى الفردانية بوصفها معبرًا للحرية...

لكن ما حصل فعلًا هو أن الفردانية وتفكيك الجماعات كان لمصلحة قوى الطغيان العالمي وأذرعها الإقليمية والمحلية، لم تنجح الليبرالية في إقامة نظام عالمي على شاكلتها أو عالم ليبرالي حرّ، بل غذت إمبراطوريات قائمة على الهيمنة والسيطرة.

لقد كان لفشل الليبرالية أثر مزدوج:  إمبراطوريه أميركية/ غربية مسيطرة تسعى إلى الهيمنة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وقيميًا وثقافيًا، وطموحات إمبراطورية تسعى إلى فرض قيم مضادة، وهذا ما يعبر عنه صعود اليمين العنصري المتطرف بتجلياته المختلفة في العالم) ومن بينها الحركات التكفيرية في منطقتنا (.

لقد اصطحبت الإمبريالية الغربية معها نقائضها الثقافية) الجماعاتية والفردانية بأسوأ صورها( والاقتصادية )الأزمات بدل الرفاهية( والسياسية (الحروب بدلًا من السلام(، ولا يقتصر الفشل على الليبرالية بل يشمل أيضًا اليسار العالمي الذي عجز في التعبير عن نفسه والصمود في وجه العواصف..  وبدلًا من ذلك عمل على الاندماج بأطروحات نقيضة له:  فنشأ يسار ليبرالي، ويسار محافظ، ويسار يميني، ويسار اجتماعي يبحث عن بدائل في مساحة منفصلة عن النظام الدولي.

وعلى الصعيد الجيوبوليتكي أدت الرهانات الخاطئة إلى التمدد الفائق والمكلف والخطير للإمبراطورية الأميركية دون وعي أن المطامح والأطماع الجيوسياسية وليس الأيديولوجية هي التي تحرك النزاعات، فلم تنجح فكرة الاندماج الحميد بالغرب التي تبنتها روسيا في التسعينيات، في تحقيق المصالحة مع الغرب الأوروبي والأميركي، ولم تنجح فكرة الصعود  "الاقتصادي"  السلمي للصين في منع الغرب من تحويلها إلى عدو. 

وفي النظرية السياسية الرابعة تحتل الفكرة الأوراسية مكانًا مهمًا، في ملء الفراغات الكبرى التي تتركها الإمبراطوريات الكبرى غير الحميدة، الأميركية تحديدًا، من خلال فضاء مشترك متنوّع سياسيًا لكن بقيادة سياسية موحدة.  فضاء يتكون من روسيا والصين وجنوب غرب آسيا والعالم العربي وإيران وتركيا.  ومن الأفكار المطروحة في مواجهة الإمبراطورية الغربية إقامة ما يمكن تسميته إمبراطورية مضادة لا تسعى إلى فرض منظوماتها الفكرية والثقافية والسياسية على الآخرين.

لكن هل تحققت الشروط السياسية لقيادة ما في هذا الفضاء الأوراسي؟ هل يوجد فعلًا تطابق للمصالح الجوهرية والجيوسياسية؟ هذا السؤال جدير بالاهتمام. 

نرى الآن تقاطعات بين المنطقة العربية والشرقية عامة ومنطقة غرب آسيا أو ما يُعرف بالشرق الأوسط، تقاطعات أدت إلى بروز مقاربة موحّدة في سوريا وفي العراق إلى حدٍ ما. لكن توجد مقاربات مختلفة لدى أطراف الفضاء الأوراسي على الصعيد الاقتصادي وبعض التحدّيات الكبرى ومنها كيف نواجه الأطماع الإسرائيلية؟ وكيف نساهم في بناء نظام في الخليج؟ وكيف نوحّد نظام المصالح في ما بيننا؟

 

ألكسندر دوغين:

أنا سعيد جدًا لوجودي في لبنان لقد أحببت لبنان وكل ما فيه . سأتكلم عن الموضوع الرئيسي للندوة وهو أن مشكلة اليوم هي" كيف أفهم التحضّر؟". هناك مفهوم واحد سائد وهو وجود حضارة واحدة تؤخذ بالاعتبار وكل الحضارات الأخرى غير معتبرة. هذه المفاهيم هي مفاهيم عرقية، في الماضي كان يشار إلى الأشخاص ذوي البشرة البيضاء بالمتحضرين أو المتمدنين ويشار بالعبيد إلى أصحاب البشرة السوداء. أما الآن فقد طرأ شيء من التغيير على هذه المفاهيم العِرقية فصار يشار إلى مجتمع متحضّر وشبه متحضّر وغير متحضّر .ومفهوم التحضّر هنا يعني الحضارة الحرّة الغربية وبالتالي نحن إما متحضرون أو لا . إذا كنا غير متحضرين يعني أننا نجهل كينونة الحضارة العِرقية ولا نكون كذلك إذا قبلنا بحضارة واحدة. نحن مجبرون على العيش في هذه الرؤية الكونية التي فرضها الاستعمار وهذا ما يسمى بالتقدّم وحقوق الإنسان والعالمية. ولكن خلافًا لذلك وبمزيد من الوعي والإدراك نحاول أن ننتقل من مفهوم الحضارة الواحدة الغربية إلى حقيقة وجود العديد من الحضارات، بينما هذا هو جوهر الاختلاف بيننا. هم مستعدون للقتل ويقتلون لأجل نفي تعدّد الحضارات .يعتبروننا متعصبين ويدّعون أنهم يجسّدون الحرية .إن عالم اليوم منقسم إلى قسمين: قسم مع التعدّد الحضاري وقسم ضده. وكان العالم في الماضي ينقسم إلى شرق وغرب، فقير وغني! فكرتنا هي التشديد على تعدّد الحضارات وهذا يعني أن علينا تصفية عقولنا من الهيمنة الفكرية الغربية. علينا مثلً أن نفهم هوية الروس وحقيقة أفكارهم وحياتهم وثقافتهم والتشديد على ما نعتقد أو نؤمن به، ولا مشكلة إن كان مخالفًا أو موافقًا للمفاهيم الغربية لأننا نعتقد بتعدّد الحضارات. والتحدّي الأكبر هو أن تبقى على مبادئك ومعتقداتك وطريقة عيشك مع تقبّل اختلاف الآخرين من دون الحكم عليهم وقبول الحضارة الغربية والقانون الدولي. أعتقد أن غياب القوة الجيوسياسية يحول دون القدرة على الكفاح ضد الغرب. حاولت روسيا، الغنية بالأسلحة النووية والعجلة الحديدية والقوية اقتصاديًا لكنها تفتقر للموارد الطبيعية، الوقوف في وجه الغرب والدفاع عن السيادة وحدها لكنها فشلت. أما الآن فقد عرفنا أهمية القُطب الآخر وهو الصين في هذه الحالة. لكن مع دخول الصين في حرب تجارية متزايدة مع الغرب أدرك الصينيون أهمية تعدّد الحضارات. والآن أصبحنا، روسيا والصين متحدّين وقررّنا الدفاع عن حضارتينا. إلى جانب الخطوات الأيديولوجية والجيوسياسية، توجد الأسلحة النووية والقوة الاقتصادية بالإضافة إلى عدد السكان الكبير جدًا في الصين والمساحة الشاسعة في روسيا والأسس التاريخية للحضارتين .بذلك يصبح لدينا ثلاث حضارات: الغربية والصينية والروسية. ماذا عن العرب؟ ماذا عنكم؟ ماذا عن حزب الله؟ الطريقة الوحيدة للدفاع عن سيادتكم هي أن تتحدوا .روسيا بوصفها قوة جيوسياسية جاهزة للمساعدة، كما حصل في سوريا حيث كانت مهمتنا تمهيد الأرضية والظروف لتعدّد الأقطاب، أي لتعدّد الحضارات. أنتم الآن مدعوون للًنضمام إلى القافلة .لكن ما هي الهوية المسيطرة في العالم الإسلامي؟ الشيعة وقادتهم يدركون عمق هذه المشكلة، لكن هذا غير كافٍ. لأن السنّة هم الأكثرية في العالم الإسلامي والسعودية تسعى لإظهار الاتحاد الإسلامي حسب ما يريد الغرب ووفقًا لنظرتها إلى الإسلام. على المسلمين العرب وغير العرب الاتحاد والدفاع عن حضارتهم ضمن تعدّد الأقطاب .تخيّلوا مستقبل العالم الإسلامي على الأقل فكريًا وروحيًا وجيوسياسيًا وعندما يتحوّل الحلم الإسلامي وهو توحيد جميع المسلمين ضمن حضارتهم الخاصة والمختلفة عن باقي الحضارات إلى حقيقة. شكرً ا لكم.


بيبي أسكوبار:

بعد الشرح المفصّل الذي تفضّل به السيد ألكسندر، لا أعتقد أن هناك ما أريد إضافته غير بعض القصص. كم هو رائع أن تضع روسيا مفاهيمها وأن تنظمها وهذه عملية معقدة جدًا. عرفت أممًا مختلفة وأدركت صعوبة جعل المنظمات تعمل بشكل متعاون ومشترك. لقد عملت في آسيا وأوروبا لخمس وعشرين سنة وتابعت إزالة التمييز العنصري للغرب من الداخل في أوروبا. وفي جنوب آسيا حصل نقل مواقع للغرب الأميركي. كانت روسيا في ذلك الوقت في خراب كامل. بعدها دخلنا في مرحلة تاريخية حيث كنا فيها رهائن لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. حصل هذا عندما حاول قادة جُدد في الغرب البحث عن عدوّ .وبعد حرب العراق بدأت روسيا بالنهوض مجدّدًا، وأصبحت الصين ثاني أكبر دولة اقتصاديا. لكن محاربة القوى المناوئة في العالم من الصعوبة بمكان.
أعتقد أن ما حدث في البرازيل عام 2010 يهمّ العالم الإسلامي لأن أحداث البرازيل ظاهرة عالمية شرقية وكان الرئيس لولا دا سيلفا بمثابة القائد للشرق .آنذاك لم يعرف أحد حتى البرازيليون أنفسهم ما كان يحدث في بلًدهم، والآن بدأت الأمور تتضح. كان دا سيلفا موضع ثقة ولا أحد يشك فيه لأنه كان مفاوضًا بارعًا وكانت لديه رؤية  360درجة للأحداث وهذا أمر لا يصدّق.

 

فاليري بوغولت:

أشكركم أولًا على دعوتكم لي في هذه الندوة، وثانيًا على إفساح المجال للغة الفرنسية لأنني أشعر بالارتياح عندما أتكلم بالفرنسية أكثر من اللغة الإنكليزية وبذلك أستطيع أن أعبّر عن أفكاري بصورة أفضل. استمعنا إلى وجهتي نظر إحداهما تعالج المسألة إيديولوجية والثانية كانت جيوسياسية .أؤيد تمامًا ما طرحه ألكسندر دوغين بطريقة تفصل العقل عن الروح أي عن الإطار الذي ينتظم مناهج تعليمنا .يجب التفكير بطرق أخرى فنحن لم نعد مكبّلين بالقيود الإيديولوجية والثقافية.

في هذا المنظور أودّ أن ألفت انتباهكم إلى 4 أو 5 نقاط مهمة وأساسية في النظام الاقتصادي العالمي الحالي مع تعجبي أن أحدًا لا يتصدّى له. وهذا من الأسباب الرئيسية التي تدفعنا إلى التصدّي له عقليًا بالدرجة الأولى ومن ثم بأفعالنا على المستوى المحلي ثم على المستوى الدولي.

أولًا، أعتقد أنه يجب رفض كل أشكال المعاهدات الدولية وكل أشكال المعاهدات الدولة المتعلقة بالتبادل التجاري الحر الناشئة قانونيًا وذات الكلمات السيئة. إن القوى التي تقف وراء هذه المعاهدات تتأثر بالشركات العالمية الكبرى وليست مُحبَّذة في عمليات التبادل التجاري الحرّ وفي التجارة التي تخدم الجميع إذا أردتم، هذه القوى ترتكز على الشركات العالمية الكبرى التي تدمّر التجارات كلها والحريات التجارية والثقة بها .وعليه يجب عدم الوثوق بالكلمات لأن الكلمات المستخدمة في النظام الذي نعيش فيه تستخدمها هذه القوى بصورة سارّة لكي تخفي حقيقة أخرى.

ثانيًا: أشدّد على القوانين الإنكليزية الشنيعة التي فرضت قواعد معيّنة على النظم الداخلية والعالمية. هناك الكثير من القواعد التي نصفها بالقاسية ولكن قانونيًا يجب الالتزام بها وإلا سوف نُستبعد من الحركة العامة. في فرنسا سعي حثيث لوضع قوانين جاهزة لكي تفرض لصالح القوانين الإنجليزية من أجل المصلحة الخاصة.

ثالثًا: النقطة الأخيرة التي أريد أن أمر عليها بسرعة هي توحيد منظمة الأمم حول الفكرة الإنجليزية للبرلمان التمثيلي. هذه الفكرة كانت مكرّسة مع المبدأ الفرنسي لفصل السلطة بهدف الوصول إلى منظمة سياسة معاكسة تمامًا حيث يصعب الفصل بين السلطات وتوازنها.

إن الفصل بين السلطة والبرلمان التمثيلي يؤمن التوازن .لأن الجهة التي تختص بتحديد السلطات تشمل الوظائف التنفيذية والوظائف التشريعية ولم تكن الوظائف مرتبطة بالقضاء وإنما كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياسة .وبالتحديد في هذا الترتيب الذي كان مفروضًا في القرن الثامن عشر في فرنسا تلًشى الحق السياسي ولم يعد موجودًا أبدًا. هذا يعني أن الحالة السياسية هي بيد من لديه السلطة الاقتصادية والنقدية. أما النقطة الرابعة فهي حول الأهمية الاستراتيجية لوجود مفهوم نقدي سليم أي أن النقد يعتبر كمؤسسة وليس كمادة. وهذا المفهوم النقدي يناسب بعض المؤسسات التي كانت تسعى لتضليله والتي طورت الأذن السياسي .يجب أن ندرك أن البنوك المركزية هي النفي الدقيق للسلطة السياسية النقدية. ففي الحقيقة ليس هناك فائدة من أي وزارة مالية بوجود بنك مركزي.
لدي الكثير لأقوله حول هذا الموضوع.

في الحقيقة، البنوك المركزية تشرح للجميع أنها تسعى للاستحواذ على القدرة الاقتصادية بشكل مباشر ورسمي. وعليه لا يعود هناك أي فائدة من أي وزارة مالية لأن البنك المركزي يشغل أدوارًا اقتصادية ومالية وحقوقية في الوقت عينه.  إن البنوك المركزية هي النفي الدقيق للقدرة الاقتصادية والمالية للدول .والسلطة الوحيدة الموجودة هي سلطة البنوك المركزية. وعلى المستوى النقدي، إذا أردنا استعادة دولة قابلة للحياة فيجب اعتبار أن فكرة النقد لها قيمة اجتماعية ولا يجب أن يدخل النقد في التجارة أبدًا. النقطة الأخيرة، التي أردت أن أشدّد عليها أيضًا، وربما كنت على علم بها، هي دورالعدالة المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمفهوم السياسي وببناء الدول. ليس هناك من عدالة خاصة بل هذا نفي دقيق للعدالة بشكل عام. إن ما جعل مفهوم العدالة الخاصة معروفًا هو أن هذه الأخيرة أغرقت مفهوم العدالة الذي كنا نعرفه جميعنا والذي كان معتمدًا بين الجميع.

هذا ما أدى إلى فوضى اقتصادية ومالية ونشوء الحضارة الحالية التي يمكن التصدّي لها لا بالقوة بل بالتركيز العقلي لإيجاد المعنى الأساسي للكلمات التي ضللتها السياسة وأنشأتها الدول الوهمية إذا صح القول والتي لديها مهام أخرى غير خدمة انتقال رؤوس الأموال. هذه ظاهرة نلحظها في أغلب الدول الغربية ولا سيما في أميركا اللاتينية التي  كانت من أول المجربين لهذا المفهوم. شكرً ا لحسن استماعكم.

 

مداخلات

بعد أن قدّم المحاضرون الثلاثة ألكسندر دوغين، بيبي أسكوبار، فاليري بوغولت، أوراقهم فُتح باب النقاش وكان لعدد من المشاركين - وهم من الباحثين الاستراتيجيين والأكاديميين- أسئلة ومداخلات أعقبها رد من ألكسندر دوغين وبيبي أسكوبار 

وهنا ملخّص المداخلات:

إن معارضة الهيمنة الحضارية الأحادية بالدعوة إلى عالم متعدّد الحضارة تحتاج إلى مشروع إنساني، اقتصادي، اجتماعي، إيديولوجي يكون عنصر توحيد للقوى المعترضة حاليًا. مشروع توليفي يجمع إيجابيات النظام الذي سقط مع عناصر المشروع المضاد. ثمة بُعد دولي في موضوع الحضارات وهو متوافر في كل من الصين وروسيا بعمق تاريخي وتكنولوجي وديمغرافي .والمشكلة بالنسبة إلى العرب هي أنه كلما جرت محاولة لإعطائهم هذا البُعد الاستراتيجي كانوا يُواجهون بعدوان خارجي.  إن إعادة بناء نظام دولي جديد تحتاج إلى إعادة النظر في أصل المفهوم الجيوسياسي للدولة الحيوية .والمطلوب هو إعادة تركيب مفهوم الدولة قبل الانتقال إلى مفهوم الحضارة الأوسع الذي لا يزال غائبًا حتى الآن.
إن التمدّد الصيني على المستوى الاقتصادي يستبق شكلًا من أشكال النفوذ السياسي الذي يسير بسرعة أكبر من التفكير الإيديولوجي للمنظرّين والفلاسفة الكبار أمثال ألكسندر دوغين وغيره .اللغة الصينية والفلسفة الكونفوشوسية صعبة التمدّد بسبب طبيعة اللغة والشعب. إن التفكير في القطبية الأحادية أو المتعددة سيعود بنا إلى الماضي الثنائي القطبية، والتفكير في المجموعات الاستراتيجية القائمة على التعدّد الحضاري والثقافي والاقتصادي. يمكن الحديث عن مشروع وحدة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط لتكون إحدى المجموعات التي يتشكل منها النظام العالمي الجديد. إن تعدّد الحضارات ليس حلًا لجميع المشاكل. لأن العالم كبير جدًا، وفي العالم 6 الاف لغة وهناك شعوب ليس لديها رؤية واضحة حول حضاراتها. في الجانب الفلسفي لا يوجد إطار مشترك للحضارات على صعيد التواصل والتعامل مثل كيفية التعامل مع تناقضات الآخرين وهذه مشكلة إنسانية تاريخية.

فنحن في لبنان مُهاجمون من الجانب التقني عبر رفع قيمة الدولار. لكننا نعرف كيف نتعامل فلسفيًا مع المرونة الحضارية ويمكننا أن نتعلم من بعضنا البعض وهذه خطوة أولى ومهمة. في الشرق الأوسط مجموعة صغيرة قالت  "لا " لأميركا وحققت انتصارات سنة  2000 و 2006 وفي سوريا من 2006 إلى 2014 كان محور المقاومة وحده تقريبًا إلى أن تدخلت روسيا وساندت الصين. لكن لولا الصمود الميداني لحزب الله لكنا الآن في عالم آخر.

 

ألكسندر دوغين:

جاءت ردود ألكسندر دوغين على مداخلًت المشاركين كالآتي:

أولًا بالنسبة لصدام الحضارات يجب علينا الانتباه إلى أن نظرية العلًقات الدولية الواقعية تستخدم مصطلح صدام الشائع في المقالات وهو أمر واقعي يمكن أن يحصل دائمًا وفي كل مكان حيث سيحدث صدام بين الدول من أجل السيادة.  لقد أضعنا النقطة الأساسية فالأهمية لا تكمن في صدام الحضارات بل في تعدّد الحضارات.
هانتنغتون يشدّد على تعدّد الحضارات باعتبارها جهات فاعلة جديدة، فهي ليست كتل أيدولوجية ولا دولية. علينا أن ننسى فكرة الصدام والتركيز على الرسالة الأساسية وهي تعدّد الحضارات.

ثانيًا، حول أيدولوجية الرأسمالية والاشتراكية، إن تعدّد الأقطاب ليس مشروعًا إيديولوجيًا وتعدّد الحضارات هو جوهر تعدّد الأقطاب .ثم إن مفهوم تعدّد الحضارات لم يوضع بعد بشكل واضح وعلينا الاستمرار في البحث عن مفهوم واضح له. ولا يمكننا اعتبار تعدّد الأقطاب مفهومًا إيديولوجيًا لأن مفهوم تعدد الحضارات يجري تحديده.

أنتقل الآن إلى السؤال حول موضوع الدولة في الحضارة .الفكرة الأساسية هي أن الحضارة مختلفة تمامًا عن الدولة القومية.  هناك بعض الدول الشبيهة بالحضارات لكن في الواقع هما أمران مختلفان. فالحضارة الإسلامية تختلف عن الدولة الإسلامية. وحول موضوع النظرية السياسية الرابعة ففي الحقيقة لقد طورت هذه النظرية لكن مع الأسف لم تترجم إلى العربية .وهذه دعوة للبحث عن بديل للليبرالية خارج الشيوعية والفاشية.

هناك انتقاد متزايد لليبرالية والشيوعية والقومية والفاشية، ولذلك سميت بالنظرية السياسية الرابعة  وليس هناك نظرية سياسية مطبقّة على السياسة في روسيا، لدينا فقط بعض الميزات منها. ولا يوجد انقسامات في روسيا، وهي لم تصبح بعد من النظرية السياسية الرابعة، لكن إن أصبح لديها نظرية سياسية فستكون حتمًا النظرية الرابعة.

بالنسبة للسؤال حول الارتباطات بين الحضارات، هل يجب أن تستند إلى طريقة عالمية؟ إن اتباع الطرق العالمية كالطبيعة أو نمط الحياة أمر خاطئ، لأن هذه الطرق هي طرق غربية، ومفهومها غربي وليست كما ينص الإنجيل أو القرآن. فكل حضارة تختلف عن الأخرى من حيث عدة مفاهيم كالطبيعة والموت والحياة .لكن نحن نتقبّل كل المفاهيم الغربية باسم العالمية لأننا مستعمرون فكريًا. علينا تحرير عقولنا من هذا الاستعمار وعندها سندرك جميع المفاهيم من الناحية الطبيعية والسياسية.

النقطة الأخيرة حول القوة الفلسفية والعسكرية والمالية . فالقوة الفلسفية تأخذ المرتبة الأولى بالأهمية عن القوة العسكرية ثم المالية) المرتبة الثالثة(، ومهما كانت القوة العسكرية والمالية كبيرة فإنها لا تكفي للسيادة إذا لم تكن هناك سيادة فكرية وفلسفية، ففقدان السيادة الفكرية يجعلك عبدًا بالتأكيد. والقوة العسكرية والكرامة والشجاعة كلها أمور مقررة من قبل الأشخاص. أنت تقرر العيش بكرامة وأن تكون شجاعًا أم لا. لهذا السبب أنا أحب حزب الله، فحزب الله ليس غنيًا لكنه قوي وشجاع. واتباع التسلسل الذي ذكرته أولًا يخوّلنا خلق طريقنا للسيادة.

 

بيبي أسكوبار:

أولًا، كيف يمكن للبرازيل أن تنشئ قاعدة بسرعة وبسهولة في الوقت الذي تتعرّض فيه روسيا والصين وإيران لأقوى أشكال الحرب المختلطة؟ وفي الحقيقة لا يعرف أحد فيه الجواب عن هذا السؤال. وهذا يدل على أن البرازيل شهدت انهيار اليسار من الداخل
فيما كان اليمين ينظّم نفسه بمساعدة مباشرة من الأميركيين. ولا أحد حتى من روّاد الفكر في العالم له علم بمدى تعقيد هذه العملية في البرازيل. وعلى اليسار التعلّم من حالة البرازيل التي تعد الحرب الأكثر تعقيدًا. حيث كانت العملية غير مكشوفة أبدًا والمساعدات من الغرب كانت بالخفاء .وكانت عملية سرية بواسطة المباحث الفيدرالية ووزارة الخارجية وخصوصًا بواسطة وزارة العدل. وثانيًا، هناك تحركات للعزل لكن المشكلة أن البرازيل في الوقت الحاضر دولة يغيب عنها القانون فمن المستحيل العزل فيها. بالإضافة إلى أن نائب رئيس البرازيل يكون لأول مرة جنرالًا وممثلو البرازيل في الأمن الدولي جنرالات يتحكمون بالبرازيل بشكل أو بآخر .إن البرازيل تتجه نحو نوع من التكنولوجيا المتقدمة الديكتاتورية العسكرية الرقمية. وهذا أمر خطير جدً ا لليسار في جميع أنحاء العالم لأنه سيؤدي إلى انقلاب.

تحميل الملف
المقال السابق
نشرة المصادر الإلكترونية | إعداد مديرية المعلومات - العدد الثالث / تشرين الثاني 2019
المقال التالي
نشرة المصادر الإلكترونية | إعداد مديرية المعلومات - العدد الأول / أيلول 2019

مواضيع ذات صلة: