تقديم:
عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في 15 شباط 2019 حلقة نقاش بعنوان: "المواجهة الصينية- الأميركية: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية" حاضر فيها الباحث الفرنسي المختص بالشؤون الصينية والأوروبية ليونيل فيرون . شارك في النقاش عدد من الباحثين والمهتمين.
افتتح حلقة النقاش رئيس المركز الاستشاري د. عبد الحليم فضل الله وقد طرح جملة من الأسئلة حول الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة لمواجهة الصين أيكون عمادها الحرب، أم العقوبات الاقتصادية، أو الدبلوماسية، منفردة أم بالتحالف مع دول تابعة، كما تفعل الآن مع بعض دول الشرق الأوسط أو في أقاليم أخرى كما حصل في وارسو؟
وبالنسبة للصين: هل المواجهة حتمية؟ أهي اقتصادية أم جيوستراتيجية، أو ربما تصل إلى تصعيد التنافس العسكري؟ ثم ما هو المتغير التكنولوجي والتقني في هذه المواجهة؟ علمًا بأن الصين ما تزال غير مكتفية ذاتيًا على المستوى التكنولوجي وتحتاج إلى الغرب في بعض الجوانب لاستكمال الدورة التكنولوجية، كل ذلك على ضوء "مشروع صُنع في الصين 2025".
ليونيل فيرون: الإشكاليات الاستراتيجية الصينية في مواجهة الولايات المتحدة
في المرات السابقة تحدثت كثيرًا عن العلاقات الصينية- الأميركية، هذه المرة أود الحديث عن الإشكاليات الاستراتيجية الصينية في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية: بمعنى كيف تفكر الصين؟ وكيف تبلور استراتيجيات من منظورها للعلاقة مع الولايات المتحدة؟
لفهم العلاقة الصينية- الأميركية المطلوب فهم إشكاليات ورؤى الطرفين. غالبية الناس تعرف الولايات المتحدة جيدًا، إلا أن الكثيرين لا يعرفون كيف تفكر الصين؟ وما هي التحديات والإشكاليات الاستراتيجية المطروحة من وجهة نظرها؟ لذلك لا بد من الاطلاع بعمق أكبر على المنظور الصيني.
وعطفًا على الذي تحدث فيه السيد عبد الحليم حول الأسئلة عن الاستراتيجية المعتمدة من قبل الولايات المتحدة لمواجهة الصين، هل ستكون استراتيجية بناء تحالف دولي واسع ضد الصين أو محاولة بناء تحالفات حسب المهمة محدودة؟ لا أعلم، هل تستطيعون قراءة الكتب الموجودة خلفنا؟ هذه الكتب وحدها تظهر حجم الحملة الإعلامية والأيديولوجية التي تتعرض لها الصين حاليًا في الغرب.
إذا استندنا إلى هذه الحملة الإيديولوجية والسياسية نجد أننا على المستوى الإيديولوجي بحالة حرب ومواجهة مع الصين لا أقل. لكن يوجد كتاب صادر من الصين عنوانه "من يهدد من"؟ وعمليًا هو السؤال الأكثر وجاهة علمًا بأن الصين ليس لديها قوات تتدخل وتقصف بلدان مثل ليبيا وسوريا والعراق.
لفهم الرؤية والاستراتيجية الصينية بمواجهة الولايات المتحدة ينبغي أولًا أن نفهم الفكر الاستراتيجي الصيني التقليدي. أتحدث طبعًا عن التراث التقليدي الاستراتيجي الصيني لأن رؤية الحزب الشيوعي الصيني اليوم هي في نظري امتداد لهذا التراث أي أن الحزب الشيوعي الصيني يشارك في هذا الفكر التقليدي الصيني.
والصورة التي خلفي تعبّر عن رؤية ونمط تفكير القيادات الصينية منذ زمن بعيد، بمن في ذلك قيادة الحزب الشيوعي الحاكم منذ عام 1948. هذه الدوائر التي ترونها تحاكي التفكير الاستراتيجي الصيني. الدائرة الصفراء هي قلب الصين، والمقصود بها جمهورية الصين الشعبية، يُمنع منعًا باتًا القيام بأي محاولة لإعادة النظر بالنظام القائم، ومواجهة أي محاولة لتحدي أو تغيير النظام القائم بكل الوسائل المتاحة والممكنة. الدائرة الخضراء هي جوار وأطراف الصين، وهي الدائرة الذي يُمنع دخول لاعبين خارجيين إليها لتهديد قلب الصين. الدائرة الزرقاء التي أسميتها عمدًا كنوع من البرابرة، يُقصَد بها اللاعبون البعيدون عن الصين والذين من الممكن التعامل معهم وإقامة علاقات معهم انطلاقًا من حاجات الصين الاقتصادية والاستراتيجية، وكل ما هو بعيد كأوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا وحتى الولايات المتحدة الأميركية.
ولفهم مخاوف الصين اتجاه الولايات المتحدة ينبغي النظر إلى الخارطتين اللتين أمامنا على شاشة العرض، خارطة الولايات المتحدة من جهة وخارطة الولايات المتحدة مع بلدين أحدهما في جوارها الشمالي والثاني في جوارها الجنوبي، وحاجزين هما المحيطان، يعني بكلام آخر أن الولايات المتحدة هي جزيرة كبرى، وهذا وضع مريح عادة بالنسبة لقوة إمبراطورية لا يوجد تهديد في جوارها.
أما الصين فيوجد في جوارها المباشر 23 دولة بينها عدة دول نووية. على حدود الصين مباشرة دول تعاني من نمو تنظيمات إرهابية. وثمة وجود عسكري أميركي في أطراف الصين وفي جوارها وهذا واضح على الخارطة، وبالتالي جوار الصين هو جوار تدور فيه صراعات وهو جوار خطير.
في السنوات الماضية كانت الرؤية الدفاعية الصينية والقدرات الدفاعية موجهة أساسًا ضد تهديدات قادمة من الجوار البري، من آسيا الجنوبية ومن آسيا الوسطى. والحقيقة بالنسبة للصين أن التحديات كانت دائمًا تأتي من البر ومن الجوار منذ ألف عام، يعني قبل وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة.
ومنذ عشر سنوات حصل انقلاب كبير، بمعنى حصلت عملية إعادة تموضع استراتيجي بسبب التهديد الأميركي القادم من الشرق، أي القادم من البحار، وأصبح التهديد يأتي من البحار. وفي شرق الصين يوجد خصم واحد هو الولايات المتحدة، والتحدي الرئيسي اليوم هو تحد قادم من شرق الصين، بمعنى أن العدو موجود مقابل الضفة الشرقية للصين.
هذا الأمر، إذا دخلنا فيه بالتفصيل أكثر، نجد إشكالية تايوان والوجود العسكري الأميركي، والأعلام الأميركية التي ترونها هي إعلام تمثل وجود قوات عسكرية أميركية قرب الشواطئ الصينية، سواءً أكانت قوات عسكرية موجودة في البر، كما هي موجودة في كوريا الجنوبية، أو وجود قوات البحرية الأميركية.
بالنسبة للصين هناك خطان دفاعيان في مواجهة الوجود العسكري الأميركي يمثلهما الخطان الأحمران على الخارطة أحدهما يسمونه خط حزام الجزر، وهما الخط الدفاعي الأول وخط الدفاعي الثاني بمواجهة الوجود العسكري الأميركي. والاستراتيجية الصينية على المستوى الدفاعي هدفها دفع الولايات المتحدة للتراجع إلى خارج الخط الدفاعي الأول والمغادرة خارج هذه المنطقة التي هي جوار الصين المباشر، والمرحلة الثانية هي محاولة إخراج الأميركيين إلى ما بعد الخط الثاني بمعنى إخراجهم إلى جزيرة غوام حيث لديهم قاعدة عسكرية كبيرة.
ينبغي أن نبقي في أذهاننا أن كل البنية الصناعية الصينية موجودة على الساحل الشرقي للصين. وانطلاقًا من قاعدة غوام، تكون الطائرات الحربية الأميركية بعيدة ثلاث ساعات طيران عن المراكز الصناعية الصينية.
ثم إن موضوع تايوان له أهمية كبرى في إطار المواجهة مع الولايات المتحدة لأن المياه الإقليمية اليابانية تصل عمليًا إلى حدود غوتيناوا، أي أن المياه اليابانية الإقليمية تصل إلى حدود تايوان تقريبًا، كما أن المياه الإقليمية الصينية تصل بسبب الجزر الموجودة إلى حدود تايوان تقريبًا.
بكلام آخر، إذا أرادت السفن والغواصات الصينية الذهاب إلى المنطقة الأكثر بعدًا، أي المنطقة التي فيها الخط الدفاعي الثاني فإنها مضطرة للمرور إلى جوار تايوان مباشرة لكيلا تمر بالمياه الإقليمية الفليبينية أو اليابانية. من هنا أهمية تايوان لكونها مفتاح المحيط الهادئ بالنسبة إلى الصين.
إن الهدف الفعلي لاستقلال تايوان الذي تحرص عليه الولايات المتحدة هو منع الصين من القدرة على إرسال قوات بحرية داخل المحيط الهادئ، لأن الاستقلال يجعل لتايوان مياهًا إقليمية وبالتالي تغلق تمامًا إمكانية المرور أمام البحرية الصينية أو الغواصات الصينية، ثانيًا إذا أصبحت تايوان دولة مستقلة من الممكن أيضًا أن تقام فيها قاعدة عسكرية أميركية.
بما أن الحديث يجري عادة عن تهديد صيني، دعونا نعكس المقاربة ونتحدث عن التهديد الأميركي. ولمواجهة صعود الصين أعلن أوباما الاستدارة نحو آسيا. وكان التفسير المباشر لذلك تفسيرًا اقتصاديًا إذ اعتبر البعض أن هذه الاستدارة هي استدارة اقتصادية بمواجهة التحدي الاقتصادي الصيني.
أما الصين فرأت في هذا الإعلان استراتيجية احتواء لها وبداية لحرب باردة جديدة. تلت خطاب أوباما جولة لوزير الدفاع الأميركي آنذاك ليون بانيتا زار خلالها كل دول جوار الصين بهدف تعزيز الوجود العسكري الأميركي في هذه الدول حيث طلب إعادة فتح قاعدة سوبكبيه الأميركية القديمة التي كانت قد أغلقت في الفلبين كما دعا إلى إعادة فتح قاعدة عسكرية أميركية في فيتنام.
بالنسبة للصينيين بدأت عام 2011 حرب باردة. ذلك أن الاستدارة نحو آسيا إذا ترجمناها على الخارطة نرى أنها عمليات استقدام قوات عسكرية أو تعزيز وجود عسكري أميركي سابق في محيط الصين وتدخلات أميركية عسكرية كذلك في جوار الصين. هذه الخارطة توضح حقيقة ماهية الاستدارة نحو آسيا والتي هي بكل بساطة استراتيجية احتواء وتطويق للصين عبر أطرافها وجوارها المباشر.
آخر نقطة في حديثنا عن البنية الاستراتيجية للصين هي النقطة التي لها علاقة بتحدي الطاقة. تستورد الصين حوالي 70% من حاجاتها من النفط، ولا يزال جزءًا كبيرًا من هذه الـ 70% مصدره الشرق الأوسط. روسيا شريك آمن بالنسبة للصين، واستقدام النفط والغاز من روسيا أسهل لأنه يُستقدم بالأنابيب، أي عن طريق برية ويوجد حدود مشتركة بين البلدين. والشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا ليست مرتبطة بمواجهة التهديدات الأميركية فقط وإنما هي شراكة استراتيجية سببها استيراد النفط والغاز والطاقة بشكل عام.
استعرضنا في الجزء الأول البيئة الاستراتيجية المباشرة للصين والإشكاليات التي تطرحها. في الجزء الثاني سوف نتطرق للمخاوف الأميركية تجاه الصين. إن ما يقلق الولايات المتحدة هو قيام الصين بخلق منظمات دولية أو المشاركة بخلق منظمات دولية بديلة أو موازية للمنظمات الدولية القائمة حاليًا. عام 1996 تم تشكيل منظمة شنغهاي للتعاون بين روسيا والصين التي توسعت بعد ذلك لتضم دولًا أخرى. كانت الغاية من خلق هذه المنظمة في المرحلة الأولى مواجهة إرهاب التنظيمات الشيشانية وتنظيمات الإيغور، ولكن بعد ذلك توسع مجال عمل هذه المنظمة ليشمل الاقتصاد والتعاون السياسي والاستراتيجي، واليوم لا نستطيع إلا أن نلاحظ أهم دول القارة الآسيوية تشارك في منظمة شنغهاي للتعاون. في عام 2005 انضم الصينيون إلى مسار آخر هو قمة شرق آسيا، ونتيجة للضغوط اليابانية والكورية تم ضم الولايات المتحدة وأستراليا إلى هذه المنظمة. ولكن الصين هي التي أطلقت هذه المنظمة ولا يزال لها تأثير كبير في إدارتها وتحديد وجهتها.
أطلقت الصين كذلك البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية وهو جزء من "مشروع حزام واحد طريق واحد" (طريق الحرير الجديد).
تحاول الولايات المتحدة طبعًا التصدي بشكل مباشر لهذه المبادرة الصينية لهذا المشروع الصيني "مشروع طريق الحرير". كما أنها تمارس ضغوطًا كبيرة على الأوروبيين لعدم المشاركة بمشروع تشكيل البنك الآسيوي الذي قررت لوكسمبورغ المشاركة فيه، ولكن دولًا أوروبية كثيرة أخرى تتعرض لضغوط لعدم المشاركة.
يوجد اليوم 57 دولة مشاركة بهذا البنك، والواضح أن الولايات المتحدة، ترفض حتى الآن المشاركة في هذا البنك على الرغم من أن العديد من الاقتصاديين في الولايات المتحدة يعتبرون أن عدم المشاركة في هذا البنك من قبل الولايات المتحدة خطأ استراتيجي. لقد أطلق شي جين بينغ بعد وصوله إلى السلطة مبادرة "حزام واحد طريق واحد". وإذا تحول هذا المشروع إلى حقيقة يتحقق كابوس بريجنسكي وكل الاستراتيجيين الكبار منذ بدايات القرن العشرين وهو أن تحصل عملية اندماج اقتصادي واستراتيجي لـ أوراسيا وأن يتم إخراج الولايات المتحدة ونفوذها من العالم القديم وتعود الولايات المتحدة جزيرة محصور نفوذها داخل حدودها.
أطلقت الولايات المتحدة طبعًا حملة إعلامية وسياسية عنيفة ضد هذه المبادرة واتهمت الصين باعتماد سياسات استعمارية هدفها إيقاع العديد من البلدان بما يُسمى الآن "فخ الاستدانة"، بمعنى إعطاء كميات كبيرة من الأموال لا تستطيع البلدان بعد ذلك أن تُعيدها وبالتالي تصبح تابعة للصين.
ونفهم على نحو أفضل لماذا انطلقت الصين بهذا المشروع؟ إذا تأملنا في الخارطة حيث نرى أن القطارات يمكنها أن تذهب من مدريد إلى بكين بواسطة خطوط سكة الحديد مرورًا بعدد كبير من البلدان الآسيوية والأوروبية. بكلام آخر سيتم تحويل أوراسيا إلى واقع، ويصبح هناك بنى تحتية أوراسية. والهدف هو الربط بين بلدان الفضاء الأوراسي ومن ثم ربط الفضاء الأوراسي بأفريقيا.
إن العمل الثاني الذي يُقلق الولايات المتحدة كثيرًا هو التحالفات الإقليمية التي تقيمها الصين. على رأس هذه التحالفات المحور الصيني- الروسي، وقد رأينا جميعًا ما الذي حصل في مؤتمر وارسو الأخير حيث ساد خطاب عدائي علني ضد الصين وروسيا.
إن التحالف الصيني- الروسي بحالة جيدة بدليل ما حصل بعد الإعلان عن ضم جزيرة القرم من قبل روسيا عندما واجهت مصاعب مالية في الاستدانة لإنقاذ شركة "روزنت" فقدّمت الصين المبالغ المالية الضرورية عبر وسائل وسُبل مختلفة لمساعدة روسيا على مواجهة الضغوط الغربية.
العامل المقلق الآخر للولايات المتحدة هو التقارب بين الصين والهند. ذلك أن الاستراتيجية الأميركية في آسيا كان أحد مرتكزاتها منذ أيام جورج بوش الابن محاولة استغلال وتسعير الخلافات الهندية- الصينية لمنع التقارب بين الهند والصين، يومها ذهبت الإدارة الأميركية إلى عرض تلزيم أمن المحيط الهندي للهند بمعنى سحب الأسطول الأميركي من المحيط الهندي وتلزيم أمن هذا المحيط للهند في إطار شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة. لكن منذ وصول ناريندرا مودي إلى السلطة وهو يحاول أن يتمايز إلى حدٍ ما عن السياسة الأميركية وهناك تقارب بطيء لكن مستمر بين الصين والهند.
طبعًا هذه مشكلة كبرى للولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي لأننا أمام أكبر قوتين آسيويتين أي الهند والصين. وكذلك بالنسبة لجنوب شرق آسيا حيث اعتمدت الصين منذ مدة طويلة سياسة تقارب مع بلدان آسيا، حتى بوجود مشكلات مرتبطة بالتوترات التي تحدث في بحر الصين الجنوبي، ولكن العلاقات قوية لسبب بسيط هو أن قسمًا كبيرًا من اقتصادات بلدان الآسيان، باستثناء سلطنة بروناي، يتحكم فيه جاليات من أصول صينية وهناك علاقات اقتصادية بين الجاليات الصينية المقيمة في هذه البلدان وبين الصين.
هناك عنصران آخران يقلقان الولايات المتحدة الأميركية، العنصر الأول هو استخدام العملة الصينية في بورصة شنغهاي فيما يتعلق بعمليات بيع وشراء النفط والغاز. إحدى الميزات الإيجابية للصينيين، أنهم يفكرون على المدى الطويل، والميزة الأخرى أنهم يتمتعون بصبر كبير جدًا. وقد أطلقوا بحماس منذ عام 2018 أول عمليات شراء النفط والغاز بالعملة الصينية.
طبعًا ما زالت هذه العمليات محدودة على مستوى المبالغ، لأن التعامل بعملة جديدة يتطلب أولًا ثقة الشركات التي تعمل في هذا المجال، ويتطلب أيضًا ثقة الوسطاء التجاريين وهذه عملية طويلة لكننا نحن نشهد بدايات واعدة لها. وتعكس التعليقات الأميركية في هذا المجال، أكانت تعليقات الاقتصاديين أم وسائل الإعلام أم الخبراء، وجود مشكلة لا يُستهان بها على المدى المتوسط والبعيد بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
النقطة الأخيرة المتعلقة بالمخاوف الأميركية هي مشروع "صُنع في الصين 2025"، الذي تم الإعلان عنه سنة 2015، أي خطة تطوير التكنولوجيا التي خُصصت لها ميزانية بقيمة 300 مليار دولار. هدف هذا المشروع أن تكون مكوّنات كل السلع المنتجة في الصين، خاصة السلع المتطورة تكنولوجيًا، مكوّنات صينية، وذلك بُغية الانتقال من 40% إلى 70% من هذه المنتجات، الأمر الذي يتطلب استثمار مبالغ ضخمة في مجال البحث لتطوير تكنولوجيا صينية صافية أو خالصة إذا صح التعبير.
بالإضافة إلى المكاسب البديهية التي ستحققها الصين على المستوى الداخلي من خلال هذا التطور التكنولوجي، فإنه يسمح لها بعدم التعرض للعقوبات الأميركية، الصين عندما تبيع هواتف مثلًا أو أي منتجات صينية تتضمن مكّونات تكنولوجية أميركية تصبح الشركة الصينية المنتجة لهذه السلع معرّضة للعقوبات الأميركية. أما عندما تصبح هذه السلع صينية مئة في المئة فلن تتعرض للعقوبات وهذا يمثل بالنسبة للولايات المتحدة تهديدًا كبيرًا على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي.
شكلت وزارة العلوم والتكنولوجيا في الصين لجنة خاصة من أجل شراء شركات عاملة في مجال التكنولوجيا في اليابان أو أوروبا أو في أي مكان آخر من أجل تطوير القدرات التكنولوجية الصينية. وقال لي صديق: "من الآن فصاعدًا لن نقوم بسرقة التكنولوجيا بل سنقوم بشرائها". هذا محور رئيسي من المحاور المرتبطة بالتطور التكنولوجي، وكل هذه العناصر التي ذكرتها هي مصدر قلق وخوف بالنسبة للولايات المتحدة.
أتطرّق الآن للنقطة الثالثة وهي الحرب التجارية، لجأت الولايات المتحدة إلى حرب تجارية حقيقية وعنيفة بدأها ترامب. ومن دون الدخول في الأرقام، لا شك في أن الحرب التجارية لها تأثيرات حقيقية على الاقتصاد الصيني. وحتى الآن كان لهذه الحرب التجارية انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الأميركي، على الأقل هذا ما يُقال حاليًا. لكن بعض الاقتصاديين الأميركيين يقولون إن هذه النتائج الإيجابية بالنسبة للاقتصاد الأميركي هي نتائج قصيرة الأمد، وبعد خمس أو عشر سنوات ستكون هذه النتائج سلبية وصعبة الاحتمال بالنسبة للاقتصاد الأميركي. ولكن أنا أظن أن الحرب التجارية هي في الحقيقة نقطة تفصيلية في الصراع الدائر اليوم بين الصين والولايات المتحدة.
أولًا، المطالب الأميركية اتجاه الصين لم يبدأ طرحها أيام ترامب وهي مطالب مطروحة من أيام أوباما خلال المفاوضات والحوارات الصينية- الأميركية. وهذه مشكلة مستدامة بين الجانبين، غير أن المشكلة المتعاظمة اليوم هي إرادة الولايات المتحدة بأن تفرض إصلاحات على آليات عمل الشركات الصينية بما يشكل تجاوزًا لسيادة الصين.
اللقاء الصيني- الأميركي الأخير الذي جرى حديثًا اصطدم بعقبة رئيسية وهي رفض الصين لمحاولة الولايات المتحدة فرض رؤيتهم لكيفية إدارة الصين لشركاتها.
ما هو سبب قولي إن الحرب التجارية هي نقطة تفصيلية؟ لأن الحروب التجارية، وكثيرًا ما تحصل حروب تجارية بين الدول، تتصاعد أو تخفت مع مرور الوقت، ولكن هذه الحرب التجارية اليوم مؤشر على شيء آخر، على إشكاليات وصراعات أخرى ذات طبيعة مختلفة. والحرب التجارية اليوم تعبّر عن صراع في مضمار آخر له أهمية استراتيجية كبرى وهو صراع على المستوى التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة.
في المرحلة السابقة كانت هذه الحرب منخفضة التوتر وكامنة واليوم أصبحت الحرب في المجال التكنولوجي معلنة.
الصين تستثمر مبالغ ضخمة في مجال البحث والتطوير على المستوى التكنولوجي العام وبشكل خاص رصدت ميزانيات ضخمة جدًا لتطوير ما يُسمى بالذكاء الاصطناعي.
وآخر مؤشر على هذه المواجهة في المجال التكنولوجي ما جرى مع ابنة مؤسس شركة هواوي في كندا وهي القضية الأشبه بأخذ رهائن من قبل الولايات المتحدة.
من حسنات ترامب أنه يقول الأمور بصراحة وبشكل مباشر، وهو قال عمليًا واعترف بأن هذه العملية هي عملية خطف رهينة وأنه يعرض بعد ذلك عملية مقايضة على الصين.
بما أن هواوي هي أول شركة على مستوى التطور التكنولوجي في مجال الاتصالات في الصين، وهي شركة خاصة وليست شركة عامة. عندما نتحدث عن مجال الاتصالات، فإننا نتحدث عن مجال واسع جدًا من شبكات الاتصال تحت مياه البحر إلى الاتصال اللاسلكي إلى كل مجالات الاتصالات الأخرى.
لدى الصين نظام اتصالات عبر الأقمار الصناعية اسمه "بايدو"، كان يعمل داخل حدود الصين وفي جوارها المباشر، وأعلنت الصين منذ حوالي أسبوعين أن هذا النظام سيعمل قريبًا على نطاق الكوكب ككل. وشركة هواوي هي التي تطور هذا النظام ومكوناته.
ليس مصادفة أن يأتي مسؤول أميركي لتهديد الأوروبيين إن استمروا بالتعامل مع هواوي بعقوبات وبوقف التعامل الأميركي مع الشركات الأوروبية أو الدول الأوروبية التي ستستمر بالتعاون مع شركة هواوي. طبعًا اعتماد نظام صيني متطور للاتصال عبر العالم يسمح بتجنب التنصت أو التجسس الأميركي.
مشكلة الولايات المتحدة مع الصين أن الصين تتمتع بقدرات مالية كافية لترجمة طموحاتها إلى واقع. أما روسيا فباستثناء المجال العسكري ليس لديها الإمكانيات والقدرات المالية الكافية لتحقيق كل طموحاتها، إذا تجاوزنا كل ما هو موجود لديها.
والانقسام سيد الموقف عند الأوروبيين، وهم منقسمون لدرجة عدم القدرة على منافسة الولايات المتحدة في هذه الميادين الحساسة والخطيرة على المستوى التكنولوجي. هناك منافس وخصم واحد في هذا المجال هو الصين. وقد خرجت مجلة الايكونوميست بغلاف يُعبّر عن هذا الأمر حيث تتساءل هل ستسيطر الصين على العلم بشكل عام، وعلى المعركة من أجل مستقبل الإنترنت، والعنوان الثالث: من الذي سيقود العالم؟
هذه ليست مجرد عناوين لمجلات ودوريات، هذه الأسئلة هي ضمن الأسئلة والقضايا التي تشكل محور اهتمامات المسؤولين الأميركيين. والملاحظ ضمن الاستراتيجية الأميركية المعادية للصين أن هناك عملية إطلاق لسباق تسلح جديد. رأينا ذلك من خلال انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى.
كانت روسيا قد هددت بالانسحاب من هذه المعاهدة ولكنها لم تفعل. أما الولايات المتحدة فقد انسحبت فعلًا. ويعتقد بعض الاستراتيجيين الأميركيين أن هناك إمكانية لاعتماد نفس الاستراتيجية التي طُبقت ضد الاتحاد السوفياتي سابقًا ضد الصين هذه المرة عبر إجبارها على الاستثمار المكثّف في مجال التسلح من أجل الإضرار باقتصادها والتسبب بانهياره على المدى المتوسط. هذا الأمر نجح جزئيًا مع الاتحاد السوفياتي ولكنه مجرد وهم في ما يتعلق بقدرات الصين الاقتصادية.
ختامًا، أعتقد أننا اليوم في مرحلة انتقالية أساسية في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة.
والسؤال الفعلي ليس حول إمكانية توقف الحرب التجارية الحالية. السؤال الفعلي المطروح كثيرًا في أحاديث المسؤولين الصينيين وفي تفكيرهم هو هل في خلال فترة العشرين سنة القادمة ستذهب الولايات المتحدة إلى درجة افتعال مواجهة عسكرية مع الصين؟
الكثير من المحللين الاستراتيجيين الصينيين يعتقدون أن هذه الإمكانية واردة جدًا في العشرين سنة القادمة. ولكن هناك رأي آخر داخل الحزب الشيوعي الصيني، رأي يمثل تيارًا آخر يعتقد أن إمكانية المواجهة العسكرية ضعيفة جدًا.
إن وجهة النظر الثانية تعتبر أن الولايات المتحدة سوف تتردد كثيرًا في القيام بمغامرة عسكرية في مواجهة الصين، لأن القدرات العسكرية والتكنولوجية الصينية أصبحت كبيرة جدًا وقادرة على المواجهة وأنها أصبحت في بعض المجالات التكنولوجية وفي بعض المعدات وأنواع الأسلحة متفوقة وأي مواجهة عسكرية ستكون مكلفة وباهظة الثمن جدًا للولايات المتحدة. الفارق الرئيسي بين الصين والولايات المتحدة هو أن الصين لديها قدرة على الاحتمال عالية جدًا بالنسبة لعلاقتها بالرأي العام في الداخل بسبب طبيعة نظامها السياسي بينما الولايات المتحدة ليس لديها هذه القدرة.
لذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن الزمن كفيل بحل المشكلات وأن الصراع العسكري ليس حتميًا ويمكن التوصل إلى حل للمشكلات نتيجة الصعود الصيني والتراجع الأميركي المستمر. إلا أن القيادة الصينية قيادة حذرة وهي تتحضر لمواجهة سيناريوهين: السيناريو الأول يتعلق باستمرار التنافس في ظل التطور التكنولوجي والعملي الصيني وبالتالي تجنب إمكانية المواجهة العسكرية. والسيناريو الثاني التحضير لاحتمال مواجهة عسكرية تبدأ من خطأ في الحسابات، وقد تندلع المواجهة بشكل غير مقصود، لذلك تتحضر القيادة الصينية لمواجهة السيناريوهين.
أسئلة وردود
بعد انتهاء الباحث ليونيل فيرون من محاضرته دار بينه وبين الحضور نقاش حول نقاط رئيسية وردت في عرضه لجوانب المواجهة الصينية- الأميركية.
هنا ملخصّ للأسئلة التي طُرحت على المحاضر وردوده عليها، وذلك كالآتي:
تركزت مداخلات الحضور وأسئلتهم على النقاط الآتية:
- موضوع الاستثمار الصيني في الصناعات العسكرية الروسية المفروض تطويرها بمليارات الدولارات، والاستثمار الداخلي لرفع مستوى المعيشة في الداخل الصيني الذي يحتاج إلى التنمية؟
- خلفيات قضية شركة هواوي؟
- الصين ومشروع الشرق الأوسط الكبير؟
- مؤشر الانسحاب الأميركي من أفغانستان وهل يعني ذلك إخلاء المنطقة للصين وروسيا؟
- طموحات القادة الصينيين؟
- هل الصين قادرة على ابتكار التكنولوجيا أم تكتفي بسرقتها؟
- ماذا عن الثورة الثقافية والكونفوشيوسية في الصين اليوم؟
- هل الحرب بين الصين وأميركا حتمية؟
- وماذا عن حكمة القيادة الصينية؟
- الحرب الباردة والقوة الناعمة الصينية؟
- التبعية الاقتصادية المتبادلة؟
- مسألة بيع الأسلحة الأميركية لتايوان؟
- العلاقات بين الصين و "إسرائيل" والتعاون التكنولوجي بينهما هل تتأثر بالحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة؟
وكانت ردود ليونيل فيرون على هذه المواضيع على النحو الآتي:
فيما يتعلق بالصناعات العسكرية والتعاون مع روسيا هذا القرار ليس بجديد، كما أن الصين تتعاون في مجال الأقمار الصناعية مع بلدان عدة وليس مع دول الجوار فقط.
أما السعي لمعالجة التطور اللامتكافئ على المستوى الداخلي فقد تركز الاهتمام على هذا المجال منذ العام ألفين عبر مشروع تنمية الغرب الأقصى وهو أول استثمار للحكومة المركزية الصينية وذلك لمعالجة الاختلالات في النمو بين الساحل الشرقي للصين ووسطها وغربها، هذا البرنامج مستمر ويأتي بنتائج هامة جدًا، وأنا شهدت تحوّلات وتغيرات كبيرة ناجمة عن وضع هذا البرنامج موضع التنفيذ. إن التحدي الأكبر بالنسبة للصين، إذا استثنينا التحدي الخارجي المتمثل بالولايات المتحدة هو تحدٍ داخلي مرتبط بالقدرة على الحد من الفوارق الاجتماعية بين قطاعات واسعة من السكان وفي مناطق معينة من البلاد.
إن مواجهة الاختلالات في مستويات النمو ومعالجتها هي من أولويات الرئيس شي جين بينغ منذ وصوله إلى السلطة عام 2012 ومن أولويات السياسة التي يعتمدها الحزب الشيوعي الصيني.
بالنسبة للسؤال حول هواوي، موضوع هواوي معقد مثل أي موضوع يتعلق بالصين. هواوي رسميًا هي شركة خاصة أسسها عسكري سابق، وهو يملك قسمًا من أسهم الشركة وهناك مالكون أخرين، وليسوا فقط عمال الشركة من يملكونها.
السؤال الفعلي هو معرفة هوية الهيئة الأميركود LAST OFF داخل الشركة وعندي فكرتي عن الموضوع ولكن لن أعطي الجواب، عليكم بالبحث لمعرفة الجواب. في رأيي أنه إذا كان هناك بلد يتمكن من حل المشكلات عن طريق الاستدارة حولها أو تجاوزها وعدم الاصطدام بها فهو الصين.
المشكلة مع هواوي بنظر خصومها طبعًا، أنها أولًا شركة رسميًا خاصة، ثانيًا شركة تتمتع بإمكانيات مالية هائلة، ولا أحد يعرف مصادر هذه الإمكانيات مما يتيح لها إمكانية الاستثمار بالتطوير التكنولوجي وبتسويق سلعها الخ... المهم بالنسبة لهواوي هو النتيجة، هي لا تعمل ضمن منطق شركات ومؤسسات القطاع العام وشركات الدولة بشكل عام.
بالنسبة للحديث الذي جرى عن مشروع الشرق الأوسط الكبير وفشله، والحديث عن مشروع حزام واحد طريق واحد، الحملة الإعلامية والأيديولوجية الأميركية ضد هذا المشروع تركز على اعتباره مشروعًا للتوسع الإمبريالي، الولايات المتحدة تتهم الصين بالتوسع الإمبريالي عبر الزمن عمليًا.
أعتقد أن هناك مشكلة كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة مقارنة بالصين.
إن السياسة الأميركية سياسة تخضع للزمن الانتخابي، يعني أن المسؤولين الأميركيين والإدارات المتعاقبة، يعملون ضمن زمن انتخابي محدد وبعد فترة تتغير الإدارة بالتالي، أما زمن الاستراتيجيا وهو زمن طويل الأمد. الصين ليست خاضعة للزمن الانتخابي كما هو حال الولايات المتحدة.
بالنسبة إلى السؤال عن أفغانستان، اليوم نحن أمام قرار اتخذه ترامب وفريقه بالانسحاب من أفغانستان ومن سوريا، الآن، ولكن هذا الآن لا يعني أننا بعد عشر سنوات سنكون أمام نفس السياسات الأميركية، يمكن أن يأتي فريق آخر يكون لديه توجهات مختلفة.
اعتقد أن هذا القرار اتخذ على قاعدة حسابات على المدى القصير. في الصين مثل يقول: الطبيعة تكره الفراغ. الصين مثل الطبيعة تكره الفراغ، إذا حصل فراغ في أفغانستان ستحاول جزئيًا على الأقل تعبئة هذا الفراغ، وسيكون بعد ذلك من الصعب العودة إلى الوراء، أولًا لأن الصين هي الآن حاضرة في أفغانستان حيث توجد شركات صينية تعمل الآن في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة والمتدهورة، وإذا انسحب الأميركيون من أفغانستان فإن الوجود الصيني سيزيد، وسيصبح من الصعب بعد ذلك إخراج هذا الوجود عندما يستقر ويتوسع. والصين لديها علاقات مستمرة وجدية مع الطالبان رغم مشكلة الإيغور في الصين.
قرار ترامب بالانسحاب من أفغانستان هو قرار محكوم بحسابات انتخابية وشعبوية وسيكون من الصعب في السنوات القادمة العودة إلى الوراء وإعادة النظر بهذا القرار وبمفاعيله لأن هناك قوى أخرى ستدخل وتخلق وقائع جديدة على الأرض في أفغانستان.
أجيب الآن عن سؤال: ما هي طموحات القادة الصينيين؟ أعتقد أن ما يقوله المسؤولون الصينيون قريب من حقيقة ما يريدونه. هم يعتقدون أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي السبيل الفعلي لحل غالبية المشكلات الموجودة، ليس فقط في الصين ولكن حتى على مستوى العالم.
هل يمكن أن نسمي ذلك طموحًا للهيمنة؟ ربما نستطيع أن نطلق هذه التسمية على الكلام الصيني، وهناك تسميات أخرى كذلك. أنا شخصيًا أفضل هذا الشكل من الطموح للهيمنة على الشكل الآخر الذي يتخذ أولًا وأساسًا أداة الحرب والقصف والتوسع بالقوة.
يوجد سؤال أنا احبه دائمًا وشخصيًا يطرح عليّ عادة في مناطق وبلدان كثيرة لها علاقة بالقدرة الإبداعية للصينيين، وقدرة الصينيين على الإبداع.
هل تعلمون أين حصل تطوير تصنيع سلسلة إنتاج؟ البلد الأول الذي اعُتمِد فيه خط الإنتاج أو سلسلة إنتاج هل تعلم أين؟ تعلمون إنتاج السيراميك في الصين في القرن الخامس عشر، آنذاك لم يكن يوجد إنتاج صناعي للسيراميك. البعض يتحدث عن طباع صينية وتكوّنات خاصة بالصينيين، أنا كنت أجيب دائمًا أن الصينيين هم من اخترع البارود مثلًا قبلنا. هل الصين تستطيع اختراع تكنولوجيا وليس مجرد استيرادها؟
حول الصين وابتكار التكنولوجيا أو استيرادها وسرقتها أقول إن الصين استوردت الكثير من السلع التكنولوجية، وسرقت سلعًا، ولكنها ليست الوحيدة التي قامت بذلك. هل من أحد قرأ كتاب اسمه بالترجمة الحرفية "قطع السلّم" هو كتاب يتحدث عن كيفية سرقة القوى الغربية للتكنولوجيا الألمانية والبناء على هذه التكنولوجيا للتطور على المستوى الصناعي. بالحقيقة عنوان الكتاب هو "كسر السلّم" مثل شخص صعد إلى السلّم ومن ثم عمد إلى كسره حتى لا يقوم غيره بسلوك نفس السبيل، أو يستخدم نفس السُلّم. وهو أن الأميركيين سرقوا تكنولوجيا ألمانية واعتمدوا عليها للتطور والآن يحاولون منع الآخرين من سرقة التكنولوجيا من أجل التطور، واعتماد نفس السبيل الذين اعتمدوها هم حتى يتطوروا، وقد تطوروا بالفعل. هذا الكتاب ليس سجاليًا ويعتمد على معطيات وأمثلة فعلية.
حول سؤال الحرب الحتمية، هل القيادات الصينية حكيمة؟ أنا لا أعرف. ما أعرفه أن القيادات الصينية غير ميالة إلى الصراع ولا تحب الصراعات عادة ولا مفهوم الصراع. المحرك والعامل الرئيسي للتطور ليس الصراع بل الانسجام وهو العنصر الرئيسي للتطور. الانسجام بمعنى الحفاظ على التوازن أو التناغم وهي الكلمة الأدق.
حول السؤال المتعلق بالكونفوشيوسية والثورة الثقافية أقول: الثورة الثقافية شكلت قطيعة مع الفكر الصيني، أساس القطيعة هو فكرة أن التغيير يمكن أن يتم بالقوة. تلك كانت تجربة قصيرة يُنظر لها بشكل سلبي جدًا من قبل الصينيين وهي نتيجة لاستيراد فلسفة غربية ومقاربة غربية وبالتالي كانت محكومة بالفشل.
الرئيس شي جين بينغ من جهته يركز دائمًا على ضرورة العودة إلى الثقافة الصينية التقليدية والى قٍيَم كونفوشيوس، وهذا الأمر ينسجم مع الخصائص الصينية. كانت وظيفة سور الصين الكبير حماية الصين من الغزوات الخارجية، هذا الأمر لم يمنع الغزوات، لأنها غُزيت من قبل المغول ومن قبل المانشو.
لم يكن السور حاجزًا دفاعيًا فعالًا للصينيين، لذلك اليوم يعتبر المنظور الصيني أن أفضل طريقة لتامين الحماية والأمن هي التناغم على المستوى العالمي. لديهم نظرية عن المجتمع العالمي المتناغم، والوصول إلى قدر من التناغم في هذا العالم. لكنهم ليسوا مثاليين مغفلين مثل البعض عندنا.
بالنسبة للسؤال العام حول القوة الناعمة الصينية، علينا أن نتذكر التاريخ، إن الغرب يُهيمن على العالم منذ أكثر من خمسة قرون، هيمنة تكنولوجية كاملة، وعسكرية واقتصادية وثقافية. نحن بالتالي أمام عملية تاريخية، هي تشكل قوة ناعمة صينية عملية تاريخية ممتدة زمنيًا. لا يكفي مرور عشرين أو ثلاثين سنة لكي نرى قوة ناعمة صينية، فهذا الأمر يتطلب مدى زمنيًا أطول كما حصل مع الغرب، (هيمنة عسكرية عارية إذا صح التعبير) وتلا ذلك الاقتصاد والثقافة أي بعد ذلك بكثير.
يدرك الصينيون أننا نعيش في عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة حتى الآن، وهم قاموا بتطوير أدوات مختلفة تدريجيًا، قنوات تلفزيونية ومراكز ثقافية لمحاولة تعريف بقية شعوب العالم على الثقافة الصينية وعلى نمط التفكير الصيني. حول مفهوم الحرب الباردة، دائمًا ما يكرر الرئيس شي جين بينغ هل نحن في حرب باردة أم لسنا في حرب باردة؟ والقيادة الصينية مدركة أننا نعيش في عالم يسود فيه مستوى معين من التبعية المتبادلة. حتى في ظل الحرب التجارية الحالية يفاوض الصينيون الأميركيين. لسنا أمام سيناريو حرب مفتوحة، بل سيناريو فيه صراع وتفاوض في آن واحد.
الحرب التجارية من جهة والتفاوض من جهة أخرى والتبعية المتبادلة كل هذه العناصر لا تنفي وجود قدر من الحرب الباردة. في ما يتعلق بموضوع بيع الأسلحة الأميركية لتايوان، انطلق من واقع عملي وهو أن الأسواق الغربية مهمة للصين، لكن السؤال المطروح اليوم من يسيطر على من؟ خلال عهدي جورج بوش الابن أعلنت الولايات المتحدة عدة مرات أنها توصلت إلى توقيع عقود بيع سلاح لتايوان. بعد إعلان البيت الأبيض، ردّ نائب مدير في البنك المركزي الصيني بتصريح أعلن فيه أن الصين بسبب مشاكل مالية تحدث عنها تنوي بيع 10-15% من سندات الخزينة التي كانت الصين قد اشترتها من الولايات المتحدة الأميركية. هذا تكرر ثلاث مرات، وفي اليوم الثاني صدر تصريح من البيت الأبيض يقول إن هناك سوء فهم وأن الاتفاق لبيع السلاح لتايوان لم يوقع، وقد كرر هذا الأمر ثلاث مرات، بصرف النظر عما إذا كانوا يريدون أن يبيعوا وأجبرهم الصيني على التراجع.
حول التبعية المتبادلة على المستوى الاقتصادي العالمي، هذه ليست مشكلة الصينيين وحدهم، إن دول الجنوب تنظر إيجابيًا لمشروع حزام واحد طريق واحد، وهذا المشروع يستقبل إيجابيًا لأن الصينيين يقومون بالتزام مشاريع مع تمويل لهذه المشاريع، وهذا الأمر يساعد العديد من الدول النامية.
طبعًا هذا الأمر لا ينفي وجود مشكلات فعلية أحيانًا نتيجة تصرفات بعض الشركات الصينية التي هي شركات اقتصادية، ولديها منطق الربح وفي بعض الأحيان تتصرف بشكل لا يتناسب مع الاتجاه العام للقيادة السياسية الصينية. وقد أنشأت الصين في السنة الماضية لجنة خاصة للتحقيق حول كيفية عمل الشركات الصينية خارج الصين.
بالنسبة لموضوع "إسرائيل"، السؤال مهم. إن العلاقات بين الصين و "إسرائيل" علاقات جيدة أساسها تكنولوجية، والصين اشترت تكنولوجيا إسرائيلية بكمية كبيرة. هل للحرب التجارية الصينية- الأميركية تأثير على العلاقات الصينية الإسرائيلية؟ الأمر مرتبط بقدرة الإسرائيليين على مقاومة الضغوط الأميركية، في الماضي ولمرتين متتاليتين خضع الإسرائيليون للضغوط الأميركية، حيث كان من المفروض أن يبيعوا طائرات للصين، وفي مرة أخرى كان من المفروض أيضًا أن يبيعوا طائرات مسيّرة للصين، وفي المرتين خضعوا للضغوط الأميركية ولم يقوموا بذلك. لست متأكدًا من أن قدرة الإسرائيليين على مقاومة الضغوط الأميركية اليوم أكبر من السابق. وليس من المؤكد على مستوى العلاقات التجارية تتأثر العلاقات الصينية- الإسرائيلية، ولكن المؤكد أن علاقات التعاون في المجال التكنولوجي تتأثر بالحرب التجارية بين الصين وأميركا. ردًا على السؤال حول موضوع منظمة البريكس، حتى الآن كانت البريكس إطارًا يعمل بشكل جيد. رغم العلاقات المعقدة بين الصين والهند. هناك مشكلة مستجدة اليوم نتيجة الانتخابات الرئاسية في البرازيل. الرئيس البرازيلي الجديد أخذ موقفًا معاديًا علنًا للصين، والبرازيل من الدول المركزية الثلاث في البريكس، لذلك يتخوّف الصينيون مما يجري في البرازيل وتأثيره على مستقبل البريكس.
إجابة أخيرة عن النخب الصينية الأميركية الهوى، أي المؤيدة للأميركيين، يوجد تغيرات كبرى منذ وصول شي جين بينغ إلى السلطة، فقد استعادت الدولة الصينية السيطرة على التوجهات التي كانت سائدة. هذه النخب وتحديدًا في وزارة الخارجية الصينية، لم تختفِ بل هدّأت من حماسها، وأصبح تأثيرها على السياسة الخارجية الصينية أضعف بكثير مما كانت عليه. هذا الأمر صحيح أيضًا على المستوى الجامعي.