أولًا: اتجاهات وقضايا
1. الصراع على إعادة الإعمار
تبرز الحاجة إلى إعادة الإعمار في خضمّ تحوّلات جيو-اقتصادية عالميّة، تؤثر على نحو خاص في أوضاع المنطقة العربيّة بما فيها البلدان المتأثرة مباشرة بالعدوان "الاسرائيلي" أو المهدّدة به. في صدارة هذه التحوّلات، ظهور القوميّة الاقتصادية الجديدة بوصفها أساس النظام الاقتصادي العالمي، ما يضفي على عمليّات إعمار المناطق المصابة بالحروب صفة صراعيّة.
وتقدّم إدارة دونالد ترامب نسخة متشدّدة للنزعة القوميّة في العلاقات السياسية والاقتصاديّة. فسعي واشنطن إلى تقليص خسائرها التجاريّة مع العالم من خلال العقوبات والرسوم الجمركيّة هو الوجه الآخر لمبدأ السلام من خلال القوّة الذي يتردد على ألسنة مسؤولي الإدارة الأميركيّة. وترى الولايات المتحدة الأميركيّة نفسها تبعًا لذلك مطلقة اليدين في اتباع ما تريده من سياسات تجاه الدول الأخرى. ويتراوح الأمر بين كسر القواعد التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي منذ تسعينيّات القرن الماضي، ومحاولة فرض قواعد جديدة أو حتى إقامة نظام عالمي من دون قواعد. مع ذلك لا يمكن الوثوق بديمومة الإجراءات التي تتبعها إدارة ترامب في سياساتها الهجوميّة التي تنقلب رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها ومن دون سابق إنذار.
وتُعدّ العقوبات قطب الرحى في رؤية واشنطن الاقتصاديّة والسياسيّة للعالم، وتعبّر عن أكثر وجوه القوميّة الاقتصاديّة تطرفًا، وهذه العقوبات لا تقتصر على قرارات رسميّة وعلنيّة كوضع كيانات على لوائح الإرهاب والحظر، بل تتجاوز ذلك إلى إجراءات ضمنيّة أشدّ خطورة مثل فرض حصار غير معلن على دول ومجتمعات، والعقاب بالمنع كعرقلة الإعمار وإبطاء برامج استيعاب آثار الحروب.
والوجه الآخر للقوميّة الاقتصاديّة تمثله السياسة التجاريّة العقابيّة التي تعتمدها واشنطن في مسعاها لمقاومة العوامل البنيويّة للانكماش في الناتج المحلي الأميركي، وعلى رأس ذلك الدين الفدرالي الضخم المقدّر بـ36.2 تريليون د.أ أي أكثر من 131 بالمئة من الناتج المحلي الأميركي وحوالي 35 بالمئة من السيولة العالميّة بالدولار ، وهذا الدين المتراكم هو نتيجة العجز المزدوج في الموازنة الفدراليّة الذي تجاوز 6.3 من الناتج الأميركي وفي العجز في الحساب الجاري الذي تخطى 4.5 بالمئة منه. إنّ معالجة هذا المستوى من العجز يحتاج إلى إجراءات نقديّة وماليّة تضييقيّة شديدة، لكنها لن تكون كافية على المدى الطويل، وستضطر أميركا إلى استعمال فائض قوتها السياسيّة ومكانتها العالميّة مرّة تلو أخرى لاستيعاب النتائج، تارة بامتصاص الفوائض لدى الدول الحليفة تحت مسمّيات شتى (استثمارات، شراء أسلحة، تمويل عمليّات أميركا في الخارج...)، وأخرى من خلال توسيع مناطق النفوذ الاقتصادي في المناطق المفيدة من العالم، كمنطقتنا، إلى جانب خفض النفقات الخارجيّة (كتجميد عمل وكالة التنمية الأميركية USAID). وبذلك تكون أميركا في موقع السحب Leaking من دورة الاقتصاد العالمي لا في موقع الحقن Injection فيه. ويمكن الاستنتاج بأنّ إجراءات ترامب الحاسمة تكتسب فعاليّة ظرفيّة، لكنها تتصف بالسطحيّة والتبسيط ولا تتناسب مع تعقيد العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة وعمق محرّكاتها.
1. توترات جيو اقتصادية
وفي إطار المعالجات الانكماشيّة، فرض الرئيس الأميركي مطلع شهر نيسان 2025 رسومًا جمركية بنسب تتراوح بين 10 و50 بالمئة على حزمة واسعة من السلع المستوردة من 185 دولة صديقة ومنافسة للولايات المتحدة الأميركية، وأضاف إليها رسومًا أخرى على الاتحاد الأوروبي وغيره في شهر تموز، وهذا عدا النسب الخياليّة على الواردات من الصين. وإذا طُبّقت هذه الزيادات فستطلق موجّة ركود تضخمي لها تأثيرات ثقيلة على الاقتصاد العالمي ولا سيما الاقتصادات المعتمدة على التصدير والتحويلات. ويمكن رسم خط بياني متذبذب صعودًا ونزولًا للرسوم الجمركيّة التي فرضتها الإدارة الأميركيّة في عقد من الزمن، والتي أُعيد النظر بها أكثرمن مرّة على نحو مقوّض للثقة ومبدّد للاتساق المطلوبين لاستقرار العلاقات الاقتصاديّة بين الدول.
وتحاول أميركا موازنة الإجراءات الانكماشية بأخرى توسعيّة، فأقرّ الكونغرس الأميركي في شهر تمّوز 2025 حزمة تخفيض ضريبي شامل هائلة بقيمة إجماليّة تُقدّر بـ4.5 تريليون د.أ. مع طموحٍ بأنّ تساهم على المدى المنظور في تحفيز الاقتصاد، لكن هذه الحزمة ستزيد الدين العام الأميركي بنسبة 10 بالمئة على الأقل خلال عقد من الزمن ما يعمّق الأزمة، ويدفع الإدارة الأميركية مجددًا إلى اتخاذ تدابير انكماشيّة أكثر وقعًا.
وتُفرَض الرسوم الجمركيّة لأسباب "قوميّة" وبوصفها وسيلة ردع للخصوم، والمنافسين، وتحفيزًا للحلفاء، والأصدقاء. ويبدو الأثر السياسي لرفع الرسوم أكبر بكثير من أثرها الاقتصادي، ولاسيما في الحرب التجارية مع الصين. فزيادات الرسوم المتكرّرة لم تنعكس إيجابًا على العجز في الحساب الخارجي الأميركي. وهذا مردّه إلى اختلاف مرونات الطلب والعرض بين الولايات المتحدة وبين الدول المنافسة لها. فمثلًا مرونة الطلب السعريّة في الصين على السلع المستوردة من الخارج هي أعلى من مرونة الطلب السعريّة في أميركا، وفي المقابل مرونة العرض السعريّة في الصين هي أعلى من مثيلتها الأميركيّة. وبسبب التفاوت بين المرونات يتباين الأثر التجاري للرسوم الجمركيّة على الطرفين، فإذا كانت النسب المفروضة على السلع المتبادلة هي نفسها في البلدين، فإن مرونات العرض المرتفعة تدفع المستهلك الصيني إلى إحلال السلع المنتجة محليًّا محل السلع المستوردة بمستويات أعلى مما سيفعله المستهلك في اميركا التي تمتلك اقتصادًا متدني المرونة في إنتاج السلع المشمولة بالرسوم. ويحدث الأمر نفسه في الاستيراد الذي ينخفض في الصين نتيجة رفع الرسوم بنسب أعلى من انخفاضه في أميركا. وفي العموم يكون انخفاض الاستيراد على المستوى العالمي بسبب زيادة الرسوم أكبر من ارتفاع الناتج، وهذا يكرّس الركود التضخمي ويخفّض الرفاهية الإجمالية للسكّان. لكن توزيع الخسائر الناتجة عن القيود التجاريّة لن يكون متساويًا بين الدول ويُتوقع أن تكون الولايات المتحدة في رأس قائمة المتضرّرين.
وتترك التوترات الجيوسياسية، والإجراءات الحمائية بصمتها الداكنة على المؤشرات الاقتصاديّة، ولا سيما على انتظام سلاسل التوريد وكفاءة إنتاج السلع ذات القيمة المضافة التكنولوجيّة العاليّة وعلى الإمدادات من السلع الأساسيّة، ويُتوقع أن تقابل واشنطن ارتفاع معدلات التضخّم الناتجة عن ذلك بالإصرار على سياساتها النقديّة والماليّة التقييدية، وإبطاء العودة إلى التوسّع المالي والنقدي. ويلاحظ أنّ ارتفاع الأسعار الناتج عن صدمات العرض هو النتيجة المباشرة والفوريّة للحروب في أوكرانيا وفلسطين والبحر الأحمر وضد إيران، ما يعيد إلى صدارة المشهد قطاع الطاقة بوصفه مركز الصراع والمنافسة العالمي. وبذلك لا يكون مستغربًا تخلّي أميركا وبعض الغرب عن سياسة الطاقة الخضراء والمستدامة ومضاعفة الاستثمار في الطاقة الأحفورية التقليدية.
2. تصدير الأزمات
ويواجه نهج الحرب التجاريّة التي تقودها الولايات المتحدة ثلاثة تحديات: الأول، التوزيع غير المتوازن للخسائر على النحو المذكور أعلاه والذي لا يصبّ بطاحونة الاقتصاد الأميركي. والثاني، عنق الزجاجة الذي تشكله التجارة في المعادن والموارد الاستراتيجية والتي لا يمكن من دونها إنتاج السلع التكنولوجيّة أو الوسائط المطلوبة لإنتاج هذه السلع، رغم ضآلة الوزن النسبي لهذه المعادن في سلة السلع المُتاجر بها عالميًّا. فمثلًا بلغ حجم سوق العناصر الأرضيّة النادرة 12.4 مليار د.أ عام 2024، ما يساوي 0.037% فقط من التجارة العالميّة لكنها تُعدّ عصب الصناعة العالميّة . وتستحوذ الصين على حوالي نصف الاحتياطي العالمي من هذه المعادن (44 مليون طن من أصل حوالي 90 مليون طن، أمّا الإنتاج الصيني فبلغ 270 ألف طن عام 2024 أي ما يعادل 70 بالمئة من الإنتاج العالمي ويصل إلى 90 بالمئة في إنتاج بعض المغناطيسيّات الهامّة)، فيما لا تتجاوز حصة أميركا 2.1 بالمئة من مجموع احتياطيّات المعادن النادرة في العالم وحوالي 11 بالمئة من مجموع إنتاجها. ولذلك توصل الطرفان إلى تسوية مبدئيّة في حزيران 2025 تحصل بموجبها الولايات المتحدة على معادن نادرة ضرورية مقابل تخفيف بعض القيود التجاريّة على الصادرات الصينيّة والسماح للطلاب الصينيّين بالتسجيل في الكليّات والجامعات الأميركيّة. أمّا التحدي الثالث فهو أنّ مبالغة واشنطن في استعمال سلاح العقوبات وتكرار لجوئها إلى نهج الحرب التجاريّة ينعكس على الثقة الخارجية بالعملة الأميركيّة، ويهدّد دورها العالمي بوصفها عملة احتياط وتداول وملاذًا آمنًا.
وتعبّر القوميّة الاقتصاديّة عن نفسها أيضًا ببحث أميركا والغرب عن حلول للأزمات الاقتصادية من خلال التوسع ونقل آثارها إلى الخارج وتوظيف الريع الأمني لمصلحتها. فلم يتورّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن طرح أفكار مثل: ضمّ كندا إلى الولايات المتحدة لتكون الولاية الأميركيّة الـ 51، وشراء جزيرة غرينلاند، ووضع اليد على غزة بعد تهجير سكانها لإقامة مشروع اقتصادي ضخم عليها. وعلى الرغم من غرابة هذه الأفكار والطرافة السوداء لبعضها، فإنّها تبيّن الطرق المسدودة التي تواجهها أميركا في معالجة أزماتها، وضخامة الموارد المطلوبة لها.
3. الريع الأمني
وتسعى واشنطن إلى جباية ما نسمّيه الريع الأمني من الدول المستفيدة من حمايتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الضغوط التي مارسها ترامب في ولايته الأولى على الدول النفطيّة والذي أثمر وعودًا سعودية بتوظيف تريليوني د.أ في أميركا. وفي ولايته الثانية حصل ترامب خلال جولته الخليجيّة (منتصف أيار 2025) على تعهدات بتريليونات الدولارات، ووصف زيارته بأنها "انجح زيارة قام بها أي شخصٍ لأي مكان... زرنا قطر والسعوديّة والإمارات وجلبنا حوالي 5.1 تريليونات د.أ". وليس بعيدًا من ذلك اضطرار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتوقيع اتفاق مع الولايات المتحدة الأميركيّة حصلت فيه الأخيرة على الحقّ بالوصول إلى المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل ما تتلقاه من دعم في حربها مع روسيا، وذلك تحت غطاء صندوق استثماري لإعادة إعمار أوكرانيا يُدار بصورة مشتركة بنسبة 50 بالمئة لكل طرف.
وفي جباية الريع الأمني أيضًا، طالبت واشنطن بإصرار الدولَ الأوروبية برفع إنفاقها العسكري إلى 5 بالمئة من الناتج في حين تبلغ هذه النسبة حاليًا 1.3 بالمئة فقط من مجموع ناتج الاتحاد الأوروبي، وبذلك تكون أوروبا بنظر واشنطن الراكب المجاني Free rider في قطار الحماية الأميركية، علمًا أنّ زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي نقطة مئوية واحدة يكبّد هذه الدول حوالي 220 مليار د.أ سنويًا.وقد انصاعت الدول الدول الأوروبيّة للضغوط الأميركيّة حيث اتفق أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باستثناء إسبانيا، خلال القمّة التي انعقدت في لاهاي يومي 24 و25 حزيران 2025، على رفع الإنفاق على الدفاع والأمن إلى نسبة 5 بالمئة من الناتج المحلّي لكلّ دولة بحلول 2035. ولا تكفّ واشنطن عن تكرار أن الصين، المنافس الاقتصادي والتجاري الأكبر لها، تستفيد من المظلّة الأمنية الأميركية في تسيير خطوط التجارة عبر العالم، وأنّ عليها، حتى لا تظلّ بدورها راكبًا مجانيًّا، أن تؤدي ثمن هذا الريع في علاقاتها الاقتصاديّة مع الولايات المتحدة ومع العالم.
ويتعامل الغرب مع عمليات إعادة الإعمار على أنها جزء من نظام العقوبات الأوسع ومن سياسات الجباية العكسيّة للريع الأمني، فمنع الإعمار تارة يكون معلنًا (مثل قانون قيصر ضد سوريا في عهد النظام السابق) أو غير معلن (إعادة إعمار لبنان)، وفي الحالتين يُربط السماح بالإعمار بالحصول على مقابل اقتصادي (تحويل البلدان المُعاد إعمارها إلى منطقة نفوذ اقتصادي أميركي) أو سياسي (تنازلات في ملفات التطبيع وغيره).
ويكتسب الريع الأمني المرتبط بإعادة الإعمار أشكالًا عدّة ذات نطاق واسع، كما في لبنان الذي يواجه توافقًا خليجيًّا-غربيًّا على حجب أموال إعادة الإعمار، وتصنيف ما يصل منها ضمن جرائم تبييض أموال. وسيظل الأمر على هذه الحال إلى حين الحصول على تنازلات استراتيجيّة تتعلق بسلاح المقاومة وموقف لبنان من الصراع ضد "إسرائيل"، وتكوين الحياة السياسيّة على أسس جديدة، وتعميق الروابط الاقتصاديّة والماليّة للبنان مع الغرب على حساب الآخرين.
ويواجه لبنان مزيجًا من "السلام الليبرالي" والتطبيع "الإبراهيمي". فبعد حرب العراق 2003 روّج الأميركيّون للسلام الليبرالي الذي يدعو إلى إعمار البلدان المدمّرة في الحروب على نحوٍ يُكرّس ليبرالية الاقتصاد ويعطي المتعاقدين والشركات الأميركيّة ولا سيما المرتبطة بالجيش الأولويّة على ما عداها في مشاريع الإعمار. أمّا التطبيع الذي يلوح في أفق دول المشرق وما تبقّى من دول الطوق فيبدو شديد الاتساع وعالي الكلفة وشديد التطلّب لمن يُدفع إلى قطاره. ولا يقف التطبيع عند حدود نسج علاقات بين الدولة المطبّعة و"إسرائيل" بل يتعدّى ذلك إلى تغيير تموضعها الجيواقتصاديّ، ودفعها إلى الانضواء في المشاريع الإقليميّة الكبرى التي يُراد لكيان العدو أن يكون عقدة وصلها، مع ما ينطوي عليه ذلك من كبح مسار التحوّل شرقًا وتقييد العلاقات الاقتصاديّة لبلدان المنطقة مع الدول غير الغربيّة، والحؤول دون الاستفادة من وفرة الموارد الاستثمارية في الشرق وسهولة الحصول عليها. وتتضمن المقاربة الاقتصاديّة التي تريد واشنطن فرضها على المنطقة إعادة توزيع الموارد داخل المنطقة وبينها وبين رعاتها الخارجيين على نحو يتناسب مع موجبات الصراع العالمي. وبقول أوضح يضع التطبيع حدًّا لإمكانيّة دخول لبنان في شراكات تناسب تقديره لمصالحه ضمن مقاربة الأرباح والخسائر، كما في الشراكة مع الصين في مجالات البنى التحتيّة، ومع روسيا في مجال النفط، ومع إيران في العديد من المجالات. بل يلوّح الموفدون الأميركيّون للمسوؤولين بلبنان بإمكانيّة تجاهل الإصلاحات والحصول على تمويل سهل إذا ما لبّوا ما هو مطلوب منهم. وبذلك يكون الإمعان في التوجه غربًا مانعًا لتوسيع علاقات لبنان الاقتصاديّة مع الخارج، ومعرقلًا للإصلاحات، وعقبة أمام تطوير القاعدة الإنتاجيّة والتكنولوجيّة للاقتصاد اللبناني.
4. صعود التكنو-رأسمالية
ويُلقي ما تقدّم بظلاله على النظام السياسي والاقتصادي العالمي الذي يشهد تغيّرًا في القوى الفاعلة والمؤثرة عليه، ويتقاطع ذلك مع التحوّلات الناتجة عن التطورات التكنولوجية وتجذّر حضورها في الاقتصاد العالمي بأكثر من وجه.
فمن ناحية نشأت طبقة تكنو-رأسمالية من زاوية للنظر وتكنو-ريعية من زاوية أخرى صار لها اليد الطولى في تقرير مسارات الأمم. الصفة التكنو رأسمالية لهذه الطبقة تتعلق بسرعة نموّ الشركات المعتمدة على التكنولوجيات الأكثر تقدمًا، على صُعد الربحيّة والرسملة والقيمًة السوقيّة، بحيث يجري بوتيرة أعلى بكثير من الشركات الأخرى، فمثلاً تتصدر الشركات التكنولوجية المراتب الخمس الأولى عالميًا من حيث القيمة السوقية، لتأتي بعدها شركة النفط السعوديّة آرامكو في المرتبة السادسة تليها شركات تعتمد على التكنولوجيا الحديثة أيضًا. وهي طبقة تكنو ريعية كون إيرادات هذا النوع من الشركات يفوق بكثير نمو عوامل إنتاجها (العمل، الرأسمال) ونمو إنتاجية هذه العوامل. وتتصف هذه الشركات بمعدلات مرتفعة للرأسمال/ المخرجات Capital-Output، وقدرة منخفضة على تشغيل اليد العاملة وتوليد فرص العمل. وبذلك تكون الإيرادات الضخمة ذات المنشأ التكنولوجي مشابهة من حيث طبيعتها الريعيّة، للإيردات المتأتية من الموارد الطبيعية، مع ما يرافقها من ظواهر اقتصادية سلبية كلعنة الموارد، وسوء توزيع الثروة على المستوى العالمي. ويزيد من الأثر الريعي لتعميق دور التكنولوجيا في الاقتصاد تضخّم حجم أعماله، كما في عائدات صناعة أشباه المواصلات التي يُتوقع أن تصل عام 2030 إلى حوالي تريليون د.أ أي ثلث إجمالي عائدات النفط في العالم تقريبًا.
المهم في السياق، هو أنّ طبقة رجال الأعمال هذه (التكنو- رأسمالية/ ريعية) باتت هي المسيطرة على القرار السياسي في عدد من الدول الكبرى (وعلى رأسها أميركا)، فانتقلت من كونها جماعة ضغط وطبقة مؤثرة على متخذي القرار، إلى أن تكون هي نفسها في موقع القرار. بل إنّ الطريقة التي تؤدي بها هذه الطبقة دورها في المجال السياسي تسمح أيضًا بإطلاق صفة التكنو إقطاعية عليها، إذ إنّها تتحكّم بتوزيع الأصول التكنولوجية وشروط تشغيلها، وتستحوذ على الشطر الأكبر من القيم المضافة الناتجة عن التوظيفات المرتبطة بها.
ويتعامل الغرب مع دول العالم على أساس تقسيم بين مناطق مفيدة وأخرى غير مفيدة. الأولى تكون في قلب الصراع والمنافسة العالميّين وفي مركز اهتمام الدول والمستثمرين والباحثين عن الفرص، فيما تُتَرّك الثانية إلى مصيرها. ولا يقتصر هذا التصنيف بين مفيد وغير مفيد على المقارنة بين الدول، بل يشمل مناطق داخل الدول نفسها، فسوريا هي دولة "مفيدة" بالعموم لموقعها الجغرافي- والاستراتيجي، لكن مناطق النفط في الشرق، والحدود مع الجولان في الجنوب، والشواطىء في الغرب أكثر فائدة من المناطق الداخلية. وفي السعوديّة التي تتربع بطبيعة الحال على رأس قائمة البلدان المفيدة، تُعدّ المنطقة الشرقية ومناطق الساحلين الشرقي (على الخليج) والعربي (على البحر الأحمر) فيها، مفيدة أكثر من مناطقها الداخلية. وفي إفريقيا تكتسب مناطق الثروات الطبيعية صفة المفيدة دون غيرها من المناطق. وسنلاحظ أنّ أهمية الدول ترتبط عكسيًا بطول أمد النزاعات فيها وطرديًا بمستوى التدخلات الخارجيّة في شؤونها. ويتوقع أن تكون مجتمعات المنطقة أرضًا خصبة لتلقي النتائج الحرجة للتحولات المذكورة في الاقتصادي العالمي، فمعظمها مناطق مفيدة بالتصنيف أعلاه، وتدّر ريوعًا جغرافية أو من الثروات الطبيعية، لكن إلى جانب ذلك ستكون عرضة للضغوطات السياسية والاقتصادية في استكمال الحرب ضد المقاومة والقوى الاستقلالية بطرق أخرى.
ولأنّ المنطقة مفيدة بالمعيار المذكور أعلاه، تتوالى الطروحات التي ترى في مآسيها وويلاتها مدخلًا إلى جني المكاسب الاقتصاديّة الفوريّة أو الحصول على مكاسب سياسيّة تمهّد بدورها لوضع اليد على مواردها الطبيعيّة والجغرافيّة. ولم يُخف ترامب الصلة بين الحرب والكسب، في خطته السورياليّة لتحويل غزّة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، والتي تبنّى فيها دون جهد خلاصات دراسة وضعها الأستاذ "الإسرائيلي"-الأميركي في جامعة جورج تاون جوزيف بيلزمان في تموز 2024. وتقترح الدراسة المذكورة، التي تنطلق من الرواية الصهيونية في تبرير إبادة غزة، إخلاء القطاع من السكان وتسوية أبنيته أرضًا، لتتولى بعد ذلك شركات أميركيّة إعادة إعمار البنية التحتية وإقامة منشآت سكنية واقتصادية تشغّلها على مدى 50 عامًا، وحينها فقط يفُكَّر بإعادتها إلى "أناس" غير محدّدين في المنطقة.
والغريب في الدراسة، التي يصعب أن تجد طريقها إلى التطبيق، أنها تقدّر كلفة هذا "المشروع الاستثماري" بما بين 1 و2 تريليون دولار أميركي، تنفق في مدّة زمنية تتراوح بين 5 و10 سنوات، فيما لا تزيد كلفة إعادة إعمار المساكن المهدّمة لأبناء غزة وبناها التحتية ومؤسساتها عن 80 مليار د.أ وفق متوسط التقديرات. وهذا الفارق يدلّ على أنّ هدف المشروع ليس إعادة إسكان أبناء غزّة في أرضهم، بل ضمّ المنطقة إلى سلسلة المدن العقارية السياحيّة التي تنتشر على امتداد شواطئ المتوسط الجنوبيّة والشرقيّة.
وفي لبنان يحصل الأمر نفسه، فلا تخفي الولايات المتحدة ومن يدور بفلكها في المنطقة وفي الداخل، نواياها عرقلة إعادة إعمار ما هدّمه عدوان 2024 على لبنان، ودفع الأمور نحو نموذج للإعمار يتماشى مع أهداف الحرب إذا ما سُمح به. وهذا لا يقف عند تلبية لبنان الشروط السياسيّة المعروفة، بل يتعداها إلى رسم المستقبل الاقتصادي للبلد على نحو يتناسب مع التصور العام لجعل المنطقة حديقة خلفيّة للمصالح الغربيّة.
وتُقدر كلفة الإعمار ما تهدم من مساكن وكلفة إيواء العائلات التي فقدت مساكنها وترميم المباني المتضررة في لبنان، بحوالي 7 مليارات د.أ، من ضمنها، خلافًا للمبالغات والتهويل، حوالي 4 مليارات د.أ لإعمار المباني المهدّمة كليًّا. ويشمل ذلك بناء ما يقارب 50 ألف وحدة مهدمة كلّيًا وما يماثلها من الوحدات المصابة بأضرار جسيمة. ويقطن هذه المباني مئات آلاف من السكان ويشكلون حوالي 20 بالمئة من المجتمع المستهدف بالحرب.
لكن ما يساور الغرب من طموحات وأفكار ليس قدرًا، بل إنّه يقابل بمقاومة فعّالة، حيث نجح حزب الله حتى تاريخه في إنجاز حوالي 60 بالمئة من برنامج الإيواء والترميم، الذي يشمل حوالي 390 ألف متضرر وتقارب الكلفة الإجماليّة لهذا البرنامج 30 بالمئة من مجموع كلفة إعادة الإعمار.